د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
تمهيد( ملخص): تهدف هذه الدراسة الموجزة، إلى عرض منظور تكاملي وحدوي للشخصية والهوية والقضية النوبية،يستند إلى موقف “الجمع بين التمييز والإرتباط”، الذي يقوم على الربط بين الشخصية الحضارية النوبية الخاصة، والشخصيات الحضارية العامة ” الوطنية، القومية، الدينية…” مع تمييزها عنها.
ويستند هذا الموقف إلى مذهب التحديد والتكامل، الذي يجعل العلاقة بين هذه المستويات علاقة تحديد وتكامل، وليست علاقة إلغاء وتناقض. كما يتجاوز هذا المنظور الدعاوى التي تستند إلى موقفين متقابلين من الشخصية والهوية والقضية النوبية، هما: موقف الفصل “الإنفصال”، وموقف الدمج “الإذابة”.
…..
المتن التفصيلى:
أولاً: موقف الفصل “الإنفصال”: يقوم هذا الموقف على فصل الشخصية الحضارية النوبية الخاصة، عن غيرها من الشخصيات الحضارية العامة، وبالتالى إنفصالها عنها.
نقد موقف الفصل و الإنفصال:
- شكل من أشكال الشعوبية: يمثل هذا الموقف شكلاً من أشكال الشعوبية، على المستوى ما دون الوطني.
- إلغاء الإنتماء الوطني: يرى هذا الموقف أن تقرير الانتماء النوبي يقتضي إلغاء الانتماء الوطني السوداني، في حين أن العلاقة الصحيحة هي علاقة تكامل، حيث يحدّ الانتماء الوطني الانتماء النوبي ويغنيه دون أن يلغيه.كما يترتب على هذا التصور حصر الأثر الحضاري النوبي في قبائل بعينها “الحلفاويون، السكوت، المحس، الدناقلة…”، مع إنكار إسهامه في تشكيل الشخصية الحضارية السودانية ككل.
- سوء فهم الامتداد الإجتماعي للعنصر النوبي: فالواقع يشير إلى أن العنصر النوبي يمتد عبر المصاهرة ليشمل كثيراً من القبائل ذات الأصول العربية في شمال ووسط السودان، مما يعكس تداخلاً حضارياً لا يمكن اختزاله في إطار شعوبى ضيق.
- إلغاء الانتماء العربي الإسلامي: يفترض هذا الموقف أن تأكيد الانتماء النوبي يقتضي إلغاء الانتماءين القومي “العربي”والديني “الإسلامي”، وهو افتراض خاطئ، لأن الإسلام قد حوّل الوجود الحضاري النوبي إلى جزء من الوجود الحضاري العربي الإسلامي دون أن يلغيه.
ومن الأدلة على ذلك:
*دخول النوبيين في الإسلام.
*اتخاذ اللغة العربية لغة مشتركة، مع الاحتفاظ باللغة النوبية كلغة خاصة.
*دور النوبيين في نشر الإسلام والثقافة الإسلامية.
*إستخدام الأسماء العربية مع الإحتفاظ بالألقاب النوبية. - النزوع إلى التغريب:يتجاوز هذا الموقف نقد العصبية القبلية العربية إلى الدعوة لإلغاء الانتماء العربي الإسلامي، وهو ما يلتقي مع النزعات التغريبية.
ثانياً: موقف الدمج “الإذابة”:يقوم هذا الموقف على دمج الشخصية الحضارية النوبية، في شخصية حضارية عامة ، وبالتالى إذابتها فيها.
الأسس المذهبية للموقف:
أ. مناهضة الانتماء النوبي بالانتماء الوطني:يفترض أن الوجود الوطني يلغي الوجود الشعوبي، وهو تصور خاطئ، لأن العلاقة بينهما علاقة إضافة لا إلغاء.
ب. مناهضة الانتماء النوبي بالانتماء العربي:يرى أن الانتماء العربي يلغي الانتماء النوبي، بينما العروبة معيارها حضاري لغوي لا عرقي.
ج. مناهضة الانتماء النوبي بالانتماء الإسلامي:يفترض أن الإسلام يلغي الانتماءات الحضارية السابقة، بينما الصحيح أنه يحدها ويكملها ولا يلغيها.
د. إذابة الانتماء النوبي في الانتماء الإفريقي أو الزنجي:
يقوم هذا الاتجاه على خلط بين:الانتماء النوبي “حضاري تاريخي”،والانتماء الإفريقي “جغرافي”،والانتماء الزنجي “عرقي”.كما أن “الزنوجة” لا تمثل وحدة حضارية، بل استجابة فسيولوجية لعوامل مناخية، ولا تحمل دلالة حضارية، إيجابية أو سلبية في ذاتها.
نقد موقف الإذابة:
يستند هذا الموقف إلى مذهب الإلغاء “الوحدة المطلقة”، الذي يؤدي إلى إلغاء الشخصية النوبية، باعتبار أن الوجود العام يلغي الوجود الخاص، وهو تصور غير صحيح، لأن العلاقة بينهما علاقة تكامل.
ثالثاً: المنظور التكاملي الوحدوي:
- موقف التمييز والارتباط “الوحدة والتعدد”:
يقوم هذا الموقف على الجمع بين:الحفاظ على الشخصية الحضارية النوبية، والانتماء إلى علاقات انتماء أوسع “وطنية، قومية، ادينية..”.حيث تكون العلاقة بين هذه الانتماءات ،علاقة تكامل لا تناقض. - تعريف الشخصية الحضارية النوبية: طبقا لهذا الموقف فان الشخصية الحضارية النوبية ،هي شخصية حضارية خاصة، تعبر عنها- بدون أن تنفرد بتمثيلها- الجماعات الشعوبية ذات الأصول النوبية في السودان ومصر، وتندرج ضمن شخصيات حضارية عامة ” وطنية وفومية ودينيه “،تحدها ولا تلغيها.
- طبيعة الحضارة النوبية:
وطبقا له أيضا فان الحضارة النوبية هى حضارة تاريخية شعوبية، بمعنى انها تجاوزت الاطوار القبليه، القائمه على التجوال، منذ مراحل تاريخيه سابقه قديمة، وتحولت الى الشعب مستقر حول ضفاف النيل، لكن هناك عوامل متعدده ” كالغزو الخارجى والإنقسامات الداخلية”، حالت دون ان تتحول إلى أمة اى الطور القومى. ومع دخول الإسلام، تحولت من وجود حضاري عام مستقل ، إلى وجود حضاري خاص داخل أطر أوسع “وطنية، قومية، دينية”. - طبيعة اللغة النوبية
اللغة النوبية: كما أنه طبقا لهذا الموقف فان اللغه النوبيه
ليست لهجة، بل لغة شعوبية قديمة خاصة “بالشعب النوبي”، تتفرع إلى لهجات قبلية متعددة.
رابعاً: طبيعة القضية النوبية:
- وحدة القضية وتعدد مشكلاتها:تشمل قضايا التنمية، الهوية، التهميش، التهجير، الخدمات، والتمثيل السياسي.
- تفاعل العوامل الذاتية والموضوعية:القضية نتيجة تفاعل عوامل داخلية وخارجية، مما يقتضي تجاوز نظرية المؤامرة.
- أساليب التفكير السليم:
يتطلب حل القضية تجاوز التفكير العاطفي والانفعالي، والاعتماد على التفكير العلمي والعقلاني.
خامساً: مقترحات الحل:
- رفض إلغاء الشخصية الحضارية النوبية أو إذابتها.
- وفى ذات الوقت رفض رفض النزعات الانفصالية.
- إعتماد صيغ دستورية تحقق التكامل بين المحلي والوطني
- الحفاظ على اللغة والثقافة النوبية ،مع تأكيد ان اللغة العربية هى اللغة القومية المشتركة بين الجماعات الشعوبية النوبية، وغيرها من جماعات قبلية سودانية.
- تفعيل المبادرات الشعبية لتنمية وتطوير المناطق النوبية، والحفاظ على التراث والثقافه النوبية، وتطويرهم، بدون إنغلاق شعوبى.
- الالتزام بالتوازن بين الوحدة والتعدد
- مناهضة جميع أشكال التمييز.
- تطبيق سياسات التمييز الإيجابي لتحقيق العدالة.
- دعم النزوع الوحدوي، في إطار وادي النيل ، والقائم على الإحترام المتبادل و بما يخدم مصالح كل الاطراف، بصورة عملية واقعيه، توازن بين العام والخاص، تؤسس لربط المناطق النوبيه فى شمال السودان وجنوب مصر، فى سياقات رسمية وشعبيه، وان تصبح كل هذه المناطق جسر للتكامل بين البلدين.
- العمل على حل مشكلات التهميش والتنمية عبر العمل السلمي التدريجى.
- رفض استغلال القضية النوبية لخدمة أجندات خارجية ” كمشروع الشرق الأوسط الجديد: الامبريالى- الصهيونى” ، الذى يهدف إلى التفتيت الطائفى- القبلى للأمة، بكل مكوناتها الاجتماعية، بما فيها الشعب النوبى…
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم