باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 16 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

الشراكة التي وُلِدت من التوازن القسري

اخر تحديث: 16 يوليو, 2026 4:01 مساءً
شارك

الشراكة التي وُلِدت من التوازن القسري، وحرب اليمن والضغط الأمريكي: من فرض الشراكة المدنية-العسكرية في السودان بعد ثورة ديسمبر 2019؟

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

هذا المقال يبيّن أن الشراكة المدنية-العسكرية في السودان بعد ثورة ديسمبر 2019 لم تكن تسويةً ديمقراطيةً متوازنة بقدر ما كانت ترتيبًا قسريًا نشأ من اختلال بنيوي في ميزان القوة منذ البداية. فقد دخل المدنيون التفاوض وهم يملكون شرعية الثورة والضغط الشعبي، لكن من دون السيطرة على أجهزة الدولة أو أدوات الإكراه، بينما احتفظ العسكر بمفاصل الأمن والقرار والقدرة على التعطيل. وفي الوقت نفسه، أسهمت تدخلات إقليمية ودولية في ترجيح صيغة تسوية انتقالية سريعة هدفها منع الانهيار، لا بناء تحول ديمقراطي كامل، فكانت النتيجة شراكة هشة منحت العسكر موقعًا مركزيًا داخل الحكم وأبقت السلطة الفعلية في أيديهم.
ويُظهر التحليل أن هذه الشراكة تشكلت داخل بنية سياسية-أمنية معقدة، حيث لم يكن الجيش وحده مركز القوة، بل ظهرت قوات الدعم السريع كفاعل مستقل نسبيًا بفضل مشاركتها في حرب اليمن وما نتج عنها من موارد وعلاقات خارجية، ما جعل الانتقال نفسه أسيرًا لتوازنات بين مراكز مسلحة متعددة لا بين مدنيين وعسكر فقط. كما أن قوى الثورة المدنية كانت بدورها منقسمة بين أحزاب تقليدية ولجان مقاومة ونخب تفاوضية، وهو ما أضعف قدرتها على فرض مسار انتقالي واضح ومتماسك. لذلك تحولت الوثيقة الدستورية إلى صيغة تقسيم للمناصب لا إلى إعادة تأسيس للسلطة، وأصبحت المؤسسات الانتقالية نفسها قابلة للتعطيل من داخلها.
كما يوضح المقال أن الضغط الأمريكي-الغربي والدولي لم يكن محايدًا؛ فقد رجّح الشراكة باعتبارها الخيار الأقل كلفة على المدى القصير في بيئة إقليمية ودولية تخشى الفوضى والإرهاب واضطراب البحر الأحمر والهجرة. لكن هذا الضغط ساهم أيضًا في ترسيخ منطق التسوية مع الفاعلين المسلحين بدل تفكيك نفوذهم، فأُرجئت مسائل حاسمة مثل إصلاح القطاع الأمني، وبناء المجلس التشريعي، وإخضاع الاقتصاد العسكري للرقابة. ونتيجة لذلك، أصبحت الشراكة نفسها آلية لإعادة إنتاج الهيمنة العسكرية، لا لتقييدها.
ويخلص المقال إلى أن فشل الشراكة لم يكن ناتجًا عن سوء إدارة فقط، بل عن تصميم مؤسسي معيب سمح للعسكر بالحكم من داخل الشراكة ضد روحها. فقد احتفظوا بحق النقض والقدرة على التعطيل، بينما بقي المدنيون بلا أدوات تنفيذ حقيقية، فتراكمت التناقضات حتى انفجرت في انقلاب 2021 ثم في حرب 2023. وبذلك فإن التجربة السودانية تكشف أن أي انتقال لا يربط منذ البداية بين الشرعية المدنية وتفكيك الاقتصاد العسكري وبناء مؤسسات رقابية وتشريعية وأمنية خاضعة للمساءلة سيظل عرضةً لإعادة إنتاج الأزمة نفسها.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

لفهم الشراكة العسكرية-المدنية في السودان بعد ثورة ديسمبر 2019، لا يكفي وصفها بوصفها “تسوية انتقالية” أو “توافقًا وطنيًا”؛ ذلك لأن هذه الصيغة نشأت داخل بنية قوة مختلة منذ البداية، حيث امتلكت المؤسسة العسكرية أدوات الإكراه المنظم، وامتلكت القوى المدنية شرعية الثورة من دون سيطرة على جهاز الدولة، بينما ضغطت أطراف إقليمية ودولية لتفادي الانهيار السريع لا لتأسيس انتقال ديمقراطي مكتمل. في هذا السياق، لم تكن الشراكة تعبيرًا عن توازن صحي بين المدنيين والعسكر، بل كانت تسويةً قسريةً متعددة المستويات؛ فرضت على الثوار جزءًا من شروطهم، وفرضت على العسكريين التخلي المؤقت عن الواجهة لا عن السلطة الفعلية، وسمحت للفاعلين الخارجيين بإدارة الأزمة عبر منطق الاستقرار الأدنى. ومن ثمّ فإن السؤال الأدق ليس: هل كانت الشراكة “مدنية” أم “عسكرية”؟ بل: كيف أُنتجت هذه الشراكة، ولماذا تحولت سريعًا إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة بدل تفكيكها؟ (International IDEA, 2022)(Kurtz, 2024)(SWP, 2024).
الجواب الأقرب إلى التحقق هو أن الشراكة فُرضت بوصفها تسويةً قسريةً متعددة الأطراف، لا بوصفها خيارًا وطنيًا حرًا من طرف واحد: فالقوة الداخلية على الأرض، وتدخلات إقليمية مرتبطة بحرب اليمن، وضغط أمريكي-غربي ودولي متزامن، كلها دفعت نحو صيغة الشراكة التي وُقّعت في أغسطس 2019. وقد أعطت هذه التسويةُ المؤسسةَ العسكريةَ موقعًا مركزيًا في الحكم، ثم تحولت لاحقًا إلى نقطة ضعف بنيوية ساهمت في الانقلاب في أكتوبر 2021 ثم الحرب في أبريل 2023 (Kurtz, 2024)(International IDEA, 2022)(AP, 2019).

المدخل النظري

لفهم هذه الحالة، يفيد الجمع بين ثلاث مقاربات. الأولى هي نظرية توازن القوة التفاوضي: الانتقال التفاوضي ينشأ عندما لا يستطيع أي طرف فرض الحسم، فيقبل الجميع بتسوية انتقالية مؤقتة (International IDEA, 2022). الثانية هي الاقتصاد السياسي للعسكرة: حين تملك القوات المسلحة موارد اقتصادية وشبكات زبائنية وعلاقات خارجية مستقلة، تصبح الشراكة معها أداةً لتثبيت نفوذها لا لتفكيكه (Kurtz, 2024). الثالثة هي المقاربة المؤسسية الانتقالية: إذا صيغ الدستور الانتقالي على نحو يمنح العسكر حق النقض أو السيطرة على التعيينات السيادية والأمنية، فإن “الشراكة” تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج هيمنة الدولة الأمنية (International IDEA, 2022).
وتُظهر الأدبيات الأحدث أن السودان لم يكن أمام “صفقة انتقال” عادية، بل أمام نموذج حكم مزدوج حمل في داخله تناقضًا بنيويًا: مدنيون مسؤولون عن الخدمات والاقتصاد من دون امتلاك أدوات القسر، وعسكر يملكون السلاح والاقتصاد الموازي معًا، بما يجعل الشراكة اختلالًا مؤسسيًا أكثر من كونها تقاسمًا متوازنًا للسلطة (SWP, 2024)(Theodore Murphy, 2020).
وتوضح الوثيقة الدستورية نفسها هذا الخلل بوضوح: إذ نصت على مجلس سيادة من 11 عضوًا، خمسة عسكريين وخمسة مدنيين وعضو توافقي، وعلى مجلس وزراء من 20 وزيرًا مع بقاء وزيري الدفاع والداخلية بترشيح عسكري، وعلى مجلس تشريعي انتقالي من 300 عضو، 40% منهم نساء، على أن تبدأ ممارسة صلاحياته بعد 90 يومًا من التوقيع (LOC, 2019). لكن هذه الهندسة لم تُنتج توازنًا، بل أنتجت مركزيتين: مركزًا مدنيًا بلا سلاح، ومركزًا عسكريًا يظل ممسكًا بمفاصل الأمن والاقتصاد والقرار السيادي.
كما أن الوثيقة أشارت إلى فترة انتقالية مدتها 36 شهرًا، وإلى أن رئاسة مجلس السيادة تبدأ عسكرية لمدة 21 شهرًا ثم تنتقل إلى المدنيين، وإلى أن مجلس الوزراء يملك حق طلب إعلان حالة الطوارئ لكن القرار يُرفع إلى المجلس التشريعي خلال 15 يومًا، وإلى أن للمجلس التشريعي سلطة إقرار القوانين ومراقبة الحكومة والموازنة والمعاهدات (Al Jazeera, 2019)(LOC, 2019). وهذه التفصيلات ليست ثانوية؛ بل تكشف أن “المدنية” في التصميم كانت محكومة أصلًا بسقفٍ عسكري دستوري، وأن الرقابة المدنية أُرجئت، وأن المبادرة السياسية ظلت موزعة على نحو يسمح للعسكر بتعطيل المسار من الداخل.

موازين القوة الداخلية

الطرف الحاسم في فرض الشراكة لم يكن المدنيون وحدهم ولا العسكر وحدهم، بل الاختلال المتبادل في القدرة على الحسم. الثورة أسقطت البشير، لكنها لم تُنتج فورًا بديلًا مدنيًا موحدًا وقادرًا على فرض انتقال أحادي؛ في المقابل لم يكن الجيش قادرًا على سحق الاحتجاجات من دون كلفة سياسية وأمنية هائلة بعد مجزرة فض الاعتصام وما أعقبها من تعبئة جماهيرية واسعة (AP, 2019). كما أن القوى المدنية نفسها كانت متباينة بين أحزاب تقليدية، ولجان مقاومة، ونخب تفاوضية، ما أضعف قدرتها على احتكار التمثيل (International IDEA, 2022). لهذا قبلت الأطراف بصيغة “الهبوط الناعم” عبر مجلس سيادي ومجلس وزراء مدنيين تحت وصاية عسكرية غير مباشرة (Al Jazeera, 2019)(International IDEA, 2022).
لكن هذا التوصيف لا يكتمل من دون الإشارة إلى أن ميزان القوة الداخلي كان يُدار أيضًا عبر تعدد مراكز السلاح لا عبر الجيش وحده. فوجود قوات الدعم السريع كقوة شبه مستقلة، وارتباطها بشبكات ريع خارجية وباقتصاد حرب، جعل المؤسسة العسكرية ذاتها منقسمة بين مركزين متنافسين على السلطة والثروة، لا مجرد جيش موحد يواجه المدنيين (Kurtz, 2024)(SWP, 2024). ولذلك فإن “الشراكة” لم تكن مجرد ترتيبات دستورية، بل كانت أيضًا وسيلة لتجميد الصراع بين فاعلين مسلحين يمتلك كل منهم مصادر قوة مستقلة.
كما أن توازن القوة لم يكن متكافئًا حتى داخل المعسكر المدني؛ فقد كانت قوى الحرية والتغيير تتشكل من تحالفات حزبية تاريخية، ونخب تفاوضية، وواجهات مهنية، بينما ظلّت لجان المقاومة في الشارع أكثر راديكالية وأقل تمثيلًا داخل التفاوض، وهو ما خلق فجوة بين من يفاوض ومن يملك التفويض الشعبي اليومي. هذه الفجوة أضعفت الشرعية التمثيلية للاتفاق، وجعلته عرضةً لاتهامات متبادلة: بعض الثوار رأوه تنازلًا مفرطًا، وبعض العسكريين رأوه تهديدًا مؤقتًا يجب احتواؤه، وبعض الوسطاء الخارجيين رأوه إجراءً كافيًا لتفادي الانفجار (International IDEA, 2022)(SWP, 2024).
وتُظهر المقارنة مع مسارات انتقالية أخرى أن السودان كان أمام معضلة معروفة في أدبيات الانتقال: حين تكون المؤسسة العسكرية متماسكة نسبيًا بينما تكون القوى المدنية مشتتة، تصبح النتيجة عادةً “شراكة فوقية” لا “تحولًا ديمقراطيًا”، لأن الطرف الذي يملك السلاح يملك أيضًا القدرة على إعادة تعريف شروط الشراكة نفسها. ولذلك فإن مجلس السيادة، بدل أن يكون جسرًا للعبور، تحول إلى ساحة لإعادة إنتاج النفوذ، بينما بقيت المؤسسات الرقابية والتشريعية ضعيفة أو مؤجلة، ما أتاح للعسكر التحرك داخل فراغ دستوري وظيفي.
ويكفي هنا التوقف عند بعض الوقائع الرقمية لتبيان اختلال التوازن: اعتصام القيادة العامة في الخرطوم استمر أشهراً قبل فضّه في 3 يونيو 2019، ثم جرت المفاوضات المضنية بين الخرطوم وأديس أبابا عبر وساطة الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا، إلى أن أُعلن الاتفاق السياسي في 17 يوليو 2019، ثم تلا ذلك التوقيع على الوثيقة الدستورية في 4 أغسطس والإشهار النهائي في 17 أغسطس 2019 (Al Jazeera, 2019)(LOC, 2019). هذه التواريخ ليست مجرد علامات زمنية، بل هي إشارة إلى أن الشراكة ولدت بعد سلسلة طويلة من الشد والجذب، وليس بقرار لحظي، وأن كل محطة تفاوضية كانت تعكس ميزان ضغط مختلفًا.
ولذلك يمكن القول إن الشراكة جاءت في لحظة كان فيها الشارع قادرًا على التعطيل لا على الحكم، والعسكر قادرين على الاحتكار لا على الحسم الكامل، والمدنيون قادرين على التفاوض لا على الفرض. هذا المزيج أفرز تسوية “منخفضة الطموح”، ومنخفضة القدرة على الصمود، لأن كل طرف احتفظ بأدوات تعطيل الطرف الآخر بدل بناء ثقة مؤسسية حقيقية.

دور حرب اليمن

حرب اليمن كانت عنصرًا مفصليًا في إعادة تشكيل القوة داخل السودان، لأنها زودت قوات الدعم السريع بمسار تمويل وعلاقات وتحالفات خارجية عززت استقلالها عن الجيش النظامي (Kurtz, 2024). مشاركة عناصر من الدعم السريع إلى جانب التحالف بقيادة السعودية والإمارات رفعت مواردها المالية والرمزية، وجعلت حميدتي لاعبًا لا يمكن تجاوزه عند التفاوض على الانتقال (NPR, 2019). هذا يعني أن الشراكة لم تكن فقط بين “مدنيين وعسكريين”، بل بين المدنيين وثنائية عسكرية متفاوتة: الجيش من جهة، والدعم السريع الذي راكم قوة اقتصادية وسياسية بفعل الحرب الإقليمية من جهة أخرى (NPR, 2019)(Kurtz, 2024). وبذلك ساهمت اليمن في تقوية المنطق التفاوضي للجنرالات داخل السودان، لأن أي استبعاد لهم كان سيصطدم بقوة مسلحة ممولة ومحمية إقليميًا (Kurtz, 2024).
والأهم أن هذه المشاركة لم تكن مجرد تفصيل خارجي، بل كانت تعبيرًا عن تدويل الاقتصاد العسكري السوداني؛ فقد خرجت الحرب اليمنية بالفاعلين المسلحين من منطق الدولة الوطنية إلى منطق السوق الإقليمية للأمن، حيث تتحول المشاركة القتالية إلى رأس مال سياسي ومالي، وتغدو الشرعية الداخلية مرهونةً باعتراف الرعاة الخارجيين لا بقبول المواطنين وحدهم (SWP, 2024)(Theodore Murphy, 2020). وهنا يصبح فهم الشراكة دون اليمن فهمًا ناقصًا لبنية القوة التي صنعتها.
وقد أوضحت التقارير والتحليلات أن الدعم السريع لم يكن مجرد “قوة موازية”، بل فاعلًا سياسيًا-اقتصاديًا يمتلك مصادر تمويل من شبكات التجارة والذهب والحماية المسلحة، ما جعل دوره في الانتقال يتجاوز الوظيفة العسكرية إلى وظيفة المساومة السياسية. وفي مثل هذه الحالات، لا يعود السؤال: من يشارك في الحكم؟ بل: من يملك القدرة على تعطيل أي بديل لا يعجبه؟ وهذا هو جوهر النفوذ الذي حصدته الحرب اليمنية داخل السودان، إذ ضاعفت وزن الفاعل المسلح الذي يستطيع أن يقول للمدنيين: لا انتقال بلا اعتراف بي.
وتُعد مناطق انتشار قوات الدعم السريع، خصوصًا في الخرطوم ودارفور والحدود الغربية وممرات التهريب الممتدة نحو ليبيا وتشاد، من العناصر التي تفسر كيف تحولت القوة العسكرية إلى شبكة مصالح عابرة للأقاليم. فحين تتصل الجغرافيا بالسلاح والذهب والمعابر الحدودية، يصبح الانضباط المؤسسي ضعيفًا، وتصبح الشراكة السياسية مجرد صيغة لتأجيل مواجهة البنية الحقيقية للنفوذ.

الضغط الأمريكي والدولي

الضغط الأمريكي والدولي لم يفرض الشراكة كخيار مثالي بقدر ما رجّحها كحل اضطراري لتفادي الفوضى والحرب الأهلية. بعد فض الاعتصام وارتفاع احتمالات الانفجار، تحركت أطراف دولية وإقليمية لدفع العسكريين وقوى الحرية والتغيير إلى توقيع ترتيبات 2019 (AP, 2019)(Al Jazeera, 2019). وتؤكد دراسات لاحقة أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة فضّلوا الحفاظ على إطار تفاوضي مع بقاء جزء من المؤسسة الأمنية داخل الحكم، على أمل أن يُدار الانتقال تدريجيًا (Kurtz, 2024). غير أن هذا الضغط حمل أثرًا مزدوجًا: فقد منع انهيارًا فوريًا، لكنه في الوقت نفسه كرّس منطق التسوية مع الفاعلين المسلحين بدل تفكيك سلطتهم (Kurtz, 2024)(International IDEA, 2022).
وتُظهر المراجعات الميدانية أن هذا الضغط ارتبط أيضًا بأولويات اقتصادية وأمنية دولية: إدارة الديون، واستئناف الدعم المالي، وحماية مسارات الهجرة ومكافحة الإرهاب، وتثبيت الاستقرار في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وكلها أولويات جعلت المجتمع الدولي أكثر استعدادًا لقبول “استقرار انتقالي” ناقص من قبول مغامرة تأسيسية كاملة (SWP, 2024)(Theodore Murphy, 2020). وبهذا المعنى، لم يكن الضغط الخارجي محايدًا؛ بل ساهم في ترجيح نموذج “المشاركة” لأن هذا النموذج بدا أقل كلفة على المدى القصير من تفكيك المنظومة العسكرية-الاقتصادية.
والأرقام والمؤشرات الواردة في الوثيقة الدستورية تكشف عن هذا المنطق الواقعي: مجلس سيادة من 11 عضوًا، مجلس وزراء من 20 وزيرًا، مجلس تشريعي من 300 عضو، ومرحلة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، وكل ذلك في ظل إبقاء وزارات الأمن الحساسة تحت التأثير العسكري المباشر أو غير المباشر (LOC, 2019). إن هذا الترتيب لم يكن تعبيرًا عن ثقة دولية عميقة بالتحول الديمقراطي، بل عن رغبة في هندسة “حد أدنى من القابلية للحكم” من دون اشتباك مباشر مع البنية العسكرية.
ومن اللافت أن بعض الوسطاء الدوليين تعاملوا مع الشراكة كأداة لتخفيف الصدام وليس كمسار لتحقيق الديمقراطية بسرعة؛ لذلك جرى التسامح مع تأجيل بعض الاستحقاقات وإبطاء بناء المؤسسات الانتقالية، ما جعل الزمن نفسه حليفًا للعسكر أكثر مما كان حليفًا للمدنيين. فكل تأخير في تشكيل المجلس التشريعي، وكل غموض في إصلاح القطاع الأمني، وكل تردد في إخضاع الشركات العسكرية للمراجعة، كان يعني عمليًا نقلًا إضافيًا للثقل لصالح المؤسسة المسلحة.
كما أن البعد الأمريكي لم يكن منفصلًا عن حسابات أوسع تتعلق بموازين البحر الأحمر والتطبيع الإقليمي ومكافحة الإرهاب، إذ رأت دوائر سياسية غربية أن السودان المستقر نسبيًا، ولو تحت شراكة معيبة، أفضل من فراغ قد يهدد الملاحة ويعيد إنتاج ملاذات مسلحة. هذه الرؤية الواقعية القصيرة المدى ساهمت في تقويض الرؤية التحويلية التي كانت القوى المدنية تطالب بها، لأنها جعلت “منع الانهيار” أولوية أعلى من “إعادة بناء الدولة”.

لماذا فشلت الشراكة

فشلت الشراكة لأنها بُنيت على افتراضات مفرطة التفاؤل: أن الجيش سيتخلى طوعًا عن الامتيازات، وأن القوى المدنية ستحافظ على وحدة كافية، وأن المؤسسات الانتقالية ستتأسس سريعًا، وأن إصلاح القطاع الأمني يمكن تأجيله (International IDEA, 2022). في الواقع، احتفظ المجلس السيادي والعسكر بنقاط التحكم الأهم في الدفاع والداخلية وبالقدرة على التعطيل الدستوري، بينما تأخرت المؤسستان التشريعية والقضائية، ما ترك الحكومة المدنية من دون سند مؤسسي فعال (International IDEA, 2022). كما أن الاتفاقيات اللاحقة، ومنها اتفاق جوبا، زادت تعقيد المشهد عبر توسيع حصة الفاعلين المسلحين بدل تقليصها (Kurtz, 2024). النتيجة كانت انتقالًا مُدارًا شكليًا، لكنه شديد الهشاشة أمام انقلاب 2021 ثم الانفجار العسكري بين الجيش والدعم السريع في 2023 (Kurtz, 2024).
وهنا ينبغي تفكيك المسألة على نحو أعمق: فالفشل لم يكن “سوء تنفيذ” فقط، بل كان نابعًا من تصميم مؤسسي سمح للعسكر بأن يحكموا من داخل الشراكة ضد روحها. فالمجلس السيادي لم يكن مجرد هيئة رمزية، بل آلية لإبقاء حق النقض العسكري قائمًا؛ كما أن تأخير المجلس التشريعي الانتقالي، وعدم حسم إصلاح القطاع الأمني، وإبقاء الشركات العسكرية خارج الرقابة المالية، كلها جعلت الدولة المدنية تعمل فوق أرضية يسيطر عليها الخصم نفسه الذي يفترض أن يتراجع (SWP, 2024)(International IDEA, 2022). بهذا المعنى، كانت الشراكة تحمل “قابلية الانقلاب” في بنيتها، لا في ظروفها الطارئة فقط.
ومن زاوية مقارنة، فإن هذا النمط ينسجم مع ما توضحه دراسات الانتقال المقيد: عندما تُصمَّم التسوية بحيث يبقى السلاح خارج المساءلة، والريع خارج الشفافية، والقرار الأمني خارج السيطرة المدنية، فإن النتيجة ليست انتقالًا بطيئًا بل إعادة تدوير للأزمة. السودان في هذه الحالة لم يخرج من الدولة العميقة، بل أعاد ترتيب وجوهها، ثم اكتشف لاحقًا أن القشرة الدستورية لا تكفي لمنع تفجر الصراع حين تتراكم التناقضات.
كما أن ثنائية الجيش-الدعم السريع لم تكن مجرد تنافس مؤسسي، بل كانت صراعًا على تعريف الدولة نفسها: هل هي دولة مركزية تحتكر العنف أم حقل تفاوض بين مراكز قوة؟ ومع غياب الإجابة الحاسمة، ظلت الوثيقة الدستورية نصًا يوزع المراكز ولا يحل سؤال السيادة. لذلك كان الانقلاب في 2021، ثم حرب 2023، امتدادًا منطقيًا لخلل 2019، لا مجرد حادثين منفصلين.

خاتمة نقدية

إن الجدل حول “من فرض الشراكة” يختزل أحيانًا في سؤال سببي مباشر، بينما الأصح أن نفهمه كسلسلة تفاعلات بين القوة المادية والشرعية الثورية والضغط الخارجي. فالثورة أجبرت النظام القديم على الانفتاح، لكن العسكر أجبروا الثورة على التفاوض، والإقليم أجبر الجميع على قبول تسوية محافظة، والغرب ضغط من أجل انتقال قابل للإدارة أكثر من كونه انتقالًا قابلًا للتحول الديمقراطي الكامل (AP, 2019)(Kurtz, 2024). لذلك لم تكن الشراكة خطأً عرضيًا، بل كانت صيغتها نفسها جزءًا من المشكلة: إذ جمعت بين مدنية بلا احتكار للقوة، وعسكرية بلا استعداد للتراجع، ورعاية دولية تفضّل الاستقرار على العدالة المؤسسية (International IDEA, 2022)(SWP, 2024).
ومن هنا فإن القراءة الأكثر عمقًا لا ترى في شراكة 2019 “فترة انتقال ضائعة” فحسب، بل ترى فيها مرحلة أعادت إنتاج الدولة الأمنية تحت قناع مدني، وسمحت بتراكم التوترات التي انفجرت لاحقًا في انقلاب 2021 ثم في حرب 2023. وإذا كان ثمة درس تحليلي مركزي، فهو أن أي انتقال لا يربط منذ البداية بين الشرعية المدنية وتفكيك الاقتصاد العسكري وإعادة بناء السلطة التشريعية والأمنية على أسس خاضعة للمساءلة، سيبقى عرضةً لتكرار دورة الشراكة الهشة ثم الانهيار (SWP, 2024)(International IDEA, 2022).
كما أن التجربة السودانية تُظهر بوضوح أن “التوافق” ليس قيمةً بذاته إذا كان يفتقر إلى أدوات إلزامية، وأن كثرة الوسطاء لا تعني بالضرورة عدالة التسوية، وأن إدخال الفاعلين المسلحين في قلب الانتقال دون تفكيك شبكاتهم قد يمنح الاستقرار لحظةً قصيرة لكنه يزرع حربًا أطول أمدًا. ومن ثمّ، فإن أي مقاربة مستقبلية جادة لا بد أن تبدأ من السؤال المؤجل في 2019: كيف تُبنى مدنيةٌ تمتلك القوة المؤسساتية، لا مجرد الواجهة التمثيلية؟ وكيف يُخضع السلاح للدولة بدل أن يُخضع الدولة للسلاح؟

المراجع

  1. Al Jazeera. What does Sudan’s constitutional declaration say? 2019.
  2. Al Jazeera. Protesters, army finalise power-sharing deal. 2019.
  3. AP. Sudanese protesters sign final power-sharing deal with army. 2019.
  4. International IDEA. Sudan’s 2019 Constitutional Declaration: Its Impact on the Transition. 2022.
  5. Kurtz G. Power relations in Sudan after the fall of Bashir. 2024.
  6. LOC. Sudan: Interim Constitutional Declaration Signed. 2019.
  7. NPR. Civilians and military leaders sign power-sharing deal in Sudan. 2019.
  8. SWP. Power relations in Sudan after the fall of Bashir. 2024.
  9. Theodore Murphy. Sudan’s transition in the balance. 2020.
الكاتب

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

عن حربنا التي لا تشبه الحروب .. بقلم: عبدالله مكاوي
منشورات غير مصنفة
الإفريقية الجميلة: الزرافة السودانية التي ذهبت لفرنسا (1) … ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
كمال الهدي
في دي ما معاكم .. بقلم: كمال الهِدي
منشورات غير مصنفة
اليوم يجلسون .. بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
منبر الرأي
نتفقُ مع الكيزان، فحكومتُنا هذه حكومةٌ ضعيفةٌ جداً، وواجبٌ تغييرُها فوراً !!! .. بقلم: د. بشير إدريس محمدزين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

بعد يومٍ من الفض.. هكذا بدا المشهد وهكذا هو اليوم .. بقلم: مقدم شرطه م محمد عبد الله الصايغ

طارق الجزولي
منبر الرأي

الثورة في زمان نحس .. بقلم: د. مجدي الجزولي

د. مجدي الجزولي
منبر الرأي

من صنع كورونا؟ .. بقلم: اسماعيل عبدالله

طارق الجزولي
منبر الرأي

أحمد محمد البدوي: صدور ثلاثة كتب جديدة

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss