الشغب ليس نهاية التربية

محمد عبدالقادر محمد أحمد
mohamedabdelgadir405@gmail.com

‎الفيديو الذي ظهر فيه طالب يرقص أمام معلمه تحوّل، وبسرعة
لافتة، إلى ما يشبه الوثيقة الاتهامية لانهيار الأمة، ودليل سقوط التعليم، ونذير نهاية القيم. وفجأة استُدعيت مفردات الهيبة والقدسية، وترددت أحكام جاهزة عن جيل بلا تربية، وكأن العلم كيان هش لا يعيش إلا إذا أحيط بالخوف، والمدرسة لا تستقيم إلا إذا أُغلقت على الصمت والرهبة. وأدرك سلفًا أن ما سأقوله لن يرضي أصحاب الصوت العالي لكن القضايا التربوية لا تُدار بالصراخ ولا تُفهم بالحنين الأعمى للماضي.

‎ما لفت نظري في موجة التعليقات ليس الفعل ذاته بقدر ما هو المنطلق الذي خرجت منه أغلب الآراء، ذات العقلية التي ترى أن التربية لا تكتمل إلا بالخوف وأن الاحترام لا يتحقق إلا بالرهبة، وأن “زمان” كان أفضل لأننا كنا نغيّر الشارع إذا رأينا المعلم. وفي تقديري ان هذا التصور في جوهره هو الذي يحتاج إلى مراجعة جادة. فقد بالغ المجتمع طويلًا في صناعة صورة مثالية للمعلم، ثم منحه تفويضًا مفتوحًا ليمارس دور الأب، وأحيانًا دور القاضي والجلاد، دون ضوابط واضحة، وهو خلل تربوي قبل أن يكون خللًا سلوكيًا. فالعلاقة بين الطالب والمعلم ليست علاقة قداسة بل علاقة واجب متبادل، أساسها الاحترام، وحدودها معروفة. والمعلم مطالب بأداء رسالته بلا ضرب ولا شتم ولا توبيخ مرضي، والطالب مطالب بالالتزام والانضباط، أما تحويل الخوف والسوط إلى أدوات تربية، كما تربّى كثيرون منا، فلا يصنع احترامًا بقدر ما يزرع الخضوع المؤقت، ويخلّف أثرًا طويل الأمد من فقدان الثقة والاضطراب الداخلي، شئنا أم أبينا. ولا يمكن إعفاء الأسرة من المسؤولية، فالاسرة تخطىء حين تفوض المدرسة بضرب أبنائها، والمدرسة كذلك حين قبلت هذا التفويض، وهذه الممارسة يجب أن تتوقف، لأنها لا تُربّي، بل تكسر.

‎أما الطالب الذي رقص أمام معلمه، فما فعله خطأ سلوكي واضح لا يحتاج إلى تبرير، وزاد قبحه أن المشهد تم تصويره ونشره، ولولا الكاميرا لكان شغبًا عابرًا يُعالج داخل الفصل وينتهي الأمر. لذلك عليه أن يتحمل مسؤولية خطئه ويسعى لتصحيحه، وهذا لا خلاف عليه. لكن تحويله إلى رمز لانهيار الأخلاق، والحكم عليه بالفشل، والطعن في تربيته ومستقبله، فيه قدر كبير من الظلم والاستسهال. كم منا كان مشاغبًا؟ وكم منا ارتكب أخطاء أكبر في سن أصغر؟ الفرق الوحيد أن الكاميرات لم تكن هناك. وكثير من أولئك المشاغبين اليوم في مواقع محترمة، لأن الشغب مرحلة، والعمر طويل، والتجربة تصقل، والحياة تعجن الإنسان على مهل.

‎التعليم لا يصان بالهيبة المصطنعة والضرب وتقديس الأشخاص، بل بفهم الإنسان وضبط العلاقة، واحترام الأدوار. أما النواح الجماعي، فلن يبني مدرسة، ولن يصنع جيلًا أفضل.

عن محمد عبدالقادر محمد أحمد

محمد عبدالقادر محمد أحمد

شاهد أيضاً

هكذا نصنع الكاذب… ثم نلعنه

هكذا نصنع الكاذب… ثم نلعنهmohamedabdelgadir405@gmail.com في مجتمعاتنا، حيث تغيب الرحمة أحيانًا باسم التربية، وتُختزل الصراحة …