دكتور الوليد آدم مادبو
ثمة تعليقات لا تُقرأ بوصفها تعقيبًا عابرًا على مقال، بل باعتبارها نصًا موازيًا يوسّع الفكرة، ويمنحها عمقًا آخر، ويُدخلها في حوارٍ أرحب مع التاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة السياسية. وهذا ما فعله الأستاذ الصادق علي حسن في تعليقه الكريم على مقالي: “مأزق السلطان: حين تأكل الجيوش أصحابها”.
لقد كتب الرجل من داخل التجربة السودانية لا من هامشها، وبوعيٍ قانوني وحقوقي نادر، يجعل من كلماته شهادةً على تحلل الفكرة السياسية في السودان، لا مجرد انفعالٍ تجاه وقائع الحرب. وما يلفت النظر في حديثه أنه لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يضع إصبعه على البنية العميقة التي أنتجتها: انهيار الوجدان المشترك، وتحول الدولة إلى مجرد حلبة مساومات، وانكشاف هشاشة الأحزاب، وتآكل الخطابات القديمة، حتى صارت البلاد — على حد تعبير عالم الاجتماع ماكس فيبر — تفتقد الشرط الأساسي لقيام الدولة: “احتكار العنف المشروع”.
فما الذي يبقى من الدولة حين تتعدد الجيوش، وتتوزع الولاءات، وتغدو السلطة نفسها غنيمةً رمزية لمكونات اجتماعية متنازعة؟ وما الذي يبقى من الوطنية حين يتحول المنصب العام إلى تمثيلٍ جهوي لا إلى تكليفٍ أخلاقي؟
لقد كان توماس هوبز يرى أن الدولة نشأت أصلًا لإنقاذ البشر من “حرب الجميع ضد الجميع”، أي من تلك الحالة البدائية التي يصبح فيها الإنسان ذئبًا يتهجم على أخيه الإنسان. لكن المأساة السودانية اليوم تكمن في أن الدولة نفسها لم تعد قادرة على أداء هذا الدور؛ بل صارت، في كثير من الأحيان، جزءًا من ماكينة الحرب، أو واجهةً شكلية لقوى ما قبل الدولة.
ولهذا أصاب الأستاذ الصادق حين قال إن “الرسالة السامية الوحيدة الآن هي كفالة حق الإنسان في الحياة”. فهذه العبارة ليست مجرد جملة أخلاقية، بل اختزالٌ مرير لانهيار المشروع الوطني كله. حين تتراجع الدولة من مشروع للنهضة إلى مجرد جهاز عاجز عن حماية الأرواح، فإننا لا نكون أمام أزمة حكم فحسب، بل أمام أزمة معنى.
لقد تحدثت بنديكت أندرسون عن الأمة باعتبارها “جماعة متخيَّلة”، أي أن الشعوب لا تتماسك بالدم وحده، بل بالسردية المشتركة والخيال السياسي الجامع. والسودان — كما لمح الأستاذ الصادق بدقة — يعيش اليوم انهيار هذه السردية. لم يعد المواطن يرى نفسه في الدولة، بل في قبيلته، أو جهته، أو جماعته المسلحة، أو مظلوميته التاريخية. وهكذا تنكسر الفكرة الوطنية إلى شظايا هويات متجاورة، تتساكن جغرافيًا لكنها لا تتعايش وجدانيًا.
ولعل أخطر ما في تعليق الأستاذ الصادق هو تشخيصه لموت السياسة القديمة. فالأحزاب التي كانت تدّعي تمثيل الشعب تحولت — كما قال — إلى “هياكل موروثة بلا فكر ولا نهج ولا روح”. وهذه ليست مبالغة أدبية، بل توصيف يكاد يطابق ما كتبه روبرت ميخلز في نظريته الشهيرة عن “القانون الحديدي للأوليغارشية”، حيث تتحول الأحزاب مع الزمن إلى أجهزة مغلقة هدفها الحفاظ على نفسها، لا تجديد المجتمع.
لقد صار الحزب في السودان لافتةً أكثر منه فكرة، وإرثًا عائليًا أكثر منه مشروعًا وطنيًا. ولهذا ، ولم يبق إلا الصراع على الاسم والرمز والميراث السياسي.
أما الحركات المسلحة، فقد قدّم الأستاذ الصادق ملاحظة في غاية الأهمية حين أشار إلى أنها فقدت حتى خطابها القديم عن التهميش، بعد أن دخلت السلطة ومارست أدوات المركز نفسه. وهنا نستحضر تحذير فرانتز فانون حين قال إن النخب التي ترث المستعمر قد تعيد إنتاج بنيته بدل تفكيكها. وهذا ما حدث في أجزاء واسعة من العالم الثالث: تغيّر اللاعبون، لكن اللعبة نفسها بقيت على حالها.
لقد تحولت بعض نخب الهامش من خطاب الثورة على المركز إلى إعادة تمثيل المركز نفسه، بذات العقلية الإقصائية، وذات الشغف بالسلطة، وذات العجز عن بناء عقد اجتماعي جديد. ولذلك تبدو كثير من الشعارات القديمة اليوم — كما قال الأستاذ الصادق —“ممجوجة”، لأنها تُرفع حتى من داخل قصر السلطان.
ومن هنا ربما أختلف مع الأستاذ الصادق علي حسن في وصفه لقرارات حكومة “تأسيس” بأنها مجرد فرقعة سياسية؛ إذ لا يمكن فصلها عن سياق أوسع استخدمت فيه حكومة المركز الخدمات السيادية كأدوات عقاب جماعي ضد مواطنين وجدوا أنفسهم قسرًا داخل جغرافيا الحرب، وهي بذلك إنما تسهم في إضعاف المعنى المدني للدولة حين تربط الحقوق الأساسية بالاصطفاف السياسي والجغرافي.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الحرب، بل اعتياد الحرب. وليس فقط انهيار المؤسسات، بل تكيّف الناس مع انهيارها. فحين يصبح العبث مألوفًا، تتحول اللادولة إلى نمط حياة، ويغدو الاستثناء هو القاعدة. لهذا فإنني لا أرى في كلمات الأستاذ الصادق مجرد تعليق، بل مساهمة فكرية وقانونية تستحق التوقف عندها. فهي تنتمي إلى ذلك النوع النادر من الكتابة الذي يجمع بين الحس الحقوقي، والبصيرة الاجتماعية، واللغة التي لا تغرق في الشعبوية رغم مرارة الواقع.
وفي زمن الضجيج، يصبح الحوار الرصين بين أبناء الوطن شكلًا من أشكال المقاومة الأخلاقية.
لا لأننا نملك حلولًا سحرية، بل لأن التفكير نفسه — في أزمنة الانهيار — يصبح فعل نجاة.
May 10, 2026
auwaab@gmail.com
