قبل المحاججة بشأن النزاع الدائر بين الصحافة، من جهة، والأمن والقضاء، من الجهة الأخرى، حول الرقابة القبلية على الصحف ينبغي التأكيد أن ما يكمن داخل كل هذه المؤسسات المهنية معبر، بسطوع، عن ما هو عليه حال الدولة المكتنز بسوء النظم. فوجود الجدل الكثيف حول حرية الصحافة، أو عدم حريتها، أمر يتعلق جوهريا بطبيعة النظام القائم، أكثر من طبيعة هذه الحرية، ومداها، وقيوداتها، وأريحيتها، وتنظيمها. أما ظهور منافع أو سفاسف الجدل حول نزاهة القضاء، أو عدم نزاهته، فهو المدخل الذي يمكن عبره فهم طبيعة النظم السيئة التي تسير الدولة. ويمكن، كذلك، فهم ما إذا كان تقدير النظام نفسه لهذا التسيير الحكومي يقوم على إيمان راسخ بدور الصحافة في نشر أو تناول القضايا العامة من دون قيود قبلية أو بعدية.
إذن فالنقاشات الماثلة الآن حول حق الصحافة في نشر ما يتطلب النشر، وكذا حول حق الأمن في الرقابة الصحفية، وأيضا حول (منطق ونزاهة) المحكمة الدستورية في إصدار الحكم الدستوري على إختصام الصحافة والأمن، تكشف عن تصارع نخبتين حول كيفية تحقيق أصل الحريات أو تطبيقها في أرض الواقع. ومهما علت النبرة القانونية هنا وهناك، فإن هذه النقاشات لا تتعلق بفاعلية الجدل القانوني/المهني حول الرقابة الامنية، وصحة دعوى الصحفيين ضد الحكومة، أو ضعف البينات التي بها فذلكت المحكمة الدستورية الرد على الدعوى الطموحة. والدليل على ذلك أن الذين رفعوا الشكوى الدستورية ضد الرقابة الامنية يعرفون مصير الدعاوي الدستورية التي رفعت سابقا ضد قطاعات حكومية. كما أن القضاة الذين نظروا للشكوى يعرفون أن هناك خطوطا حمراء لا يتجاوزونها عندما تكون السلطة طرفا في المرافعات القضائية التي تتطلبهم البت فيها، وما واقعة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم ببعيدة عن الأذهان. أما السلطة المتهمة فما عليها، في ظل صلف التمكين الواهي، إلا وأن تنام ملء جفونها عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصموا!
ومهما تراءى للمراقبين أن هناك دروبا للتقاضي في ساحات المحاكم قد سلكت لفك الإختصام الصحفي ـ الأمني، إلا أن المؤكد هو أن العائد من هذا التقاضي هو الحكم المشبع بالتفكير السياسي وليس القانوني. فجوهر النزاع حول (أيتهما الأولى بالسريان: سلطة الأمن أم سلطة الصحافة؟) إنما يعززه طرفان سياسيان يدرك كلاهما أن القضاء بوضعه الحالي ينصف مسبقا أحدهما على الآخر. وما دام أن الطرفين لا يتعادلان في موازيين العدة والعتاد، وحيث يسعى كل طرف لإضعاف الآخر ضمن مساع ظنية مضمرة لتفسير مصلحة المواطنين السياسية، فإن موقف القاضي يكون بالميل نحو الطرف الذي إستطاع أن يفهم كيفية توفير مصلحته الوظيفية مقابل كبت الضمير.
من هنا يبدو نقاش الصحافيين مع السلطة التي أوجدت الرقابة عليهم، وتعنيفهم لقرار المحكمة الدستورية أمرا لا يعني سوى أنه (نقد سياسي في متونه، يأخذ الصبغة المهنية) ضد طبيعة الظروف التي أوجدت هذه الخروقات الأمنية وكيفية أداء المحكمة الدستورية لوظيفتها.
من ناحية ثانية، لا تبدو حيثيات الحكم التي عضدت بها عضوية المحكمة العليا قرارها القضائي، غير المفاجئ، سوى أنها ضربا من ضروب الوفاء لسلطة التي تملك مفاتيح التخديم. فالصحفيون الذين رفعوا الدعوى يعلمون ـ بالتجربة ـ أن القائمين بأمر الأمن هم الذين يملكون القول الفصل في شأن الصحافة لا القضاء. إذ أن القضاء، لا محالة، مهيض الجناح في الأنظمة الشمولية، وأنه بالغ ما بلغ فإنه يفسر أحكامه بناء على رقيب داخلي يناوش أفئدة القضاة، المؤدلجين والإنتهازيين، كلما نزعوا لتحقيق بوادر عدل، تلك التي تجعل فرائص السلطان ترتعد!. أما القضاة، الذين يتمتعون بمزايا ونثريات الشمولية الرغدة، فإنهم أيضا يعلمون، وقد لا يعلمون، أن ضمائرهم ماتت حين فضلوا أن يفصلوا في أحكام سلطانية مسبقة، هي ضد الحياة، ولا تصمد أمام الحقيقة التي يعرفها الناس عن دور الصحافة وحدود عملها.
ما يقدح في جدوى الجدل الصحافي المعنف لقرار المحكمة الدستورية هو أن ممثلي الشاكي الصحفي تقدموا بشكواهم لخصمهم. فالمحكمة الدستورية، المعينة بواسطة السلطة التنفيذية، هي أداة مكملة، وديكورية إن شئت، لطبيعة النظام القائم، وتكوينها وإختصاصها لم يأتيا وفق إرادة جمعية. ضف أن التعيين لهذه المحكمة لم تسبقه الشفافية في تخير الكفاءات المتقدمة لشغل الوظائف، فضلا عن ذلك فإن القضاة، وهم شريحة من المثقفين كما هو متصور نظريا، كانوا مطالبين في سودان العقدين الماضيين بالموقف السياسي منه، والذي حتما، إن إتخذوه بالوجه السليم، فإنهم سيكونون معارضين، أخلاقيا، للسلطة ورافضين لهباتها التعينية.
إذا لم نجد كثير صعوبة في وصف أمن الإنقاذ بأنه برهن أنه ضد حقوق الإنسان السوداني، فإن اسوأ ما فعلته الحكومة هو أنها سيست القضاء، وأفرغته من أسس النزاهة والعدل وجعلت الولاء الآيدلوجي يعلوا فوق الخبرة المهنية. ولعلنا ندرك أن القضاء لم يكن طوال العقدين الماضيين جزيرة معزولة عن الصحافة، والإقتصاد، والأمن، والجيش، والصحة، والتجارة، حتى نقنع أن نظمه وكوادره لم تمسهما مساعي التمكين الحكومية الناجحة.
كما أننا ندرك تماما أن رموز الجبهة الإسلامية قد أعادوا هيكلة المؤسسات القضائية بشكل فرداني، ثم أتوا بالكوادر المؤدلجة ومعهم الكوادر القضائية الإنتهازية والحريصة على تنفيذ هذه الهيكلة الجديدة بما يضمن تماشيها، لا تعارضها، مع فكرة التمكين السياسي. ولا ندري حتى الآن كيف جاز للقضاة الممارسين للمهنة، والذين لم يعرف لهم إنتماء حزبي، السكوت عن هذا التمكين، بما أفرز من تعديات على حريات الناس، وحقوقهم، وتخريب للبلد، وجز رؤوس العدل على قارعة الطريق، حتى أن إستوى الممكنون على تفريغ القضاة من المؤهلين وجد قضاة اليوم الفرصة مواتية للتقدم لإحقاق الحق، وإنجاز العدل بالطريقة التي تلتمس وصلا مع إجراءات التمكين الآيدلوجي؟!
صحيح أن ( نيفاشا) أتت بالنقيض للقوانين السائدة التي سبقت توقيع الإتفاق. ولكن العبرة ليست دائما بالقوانين وإنما برغبة متوفرة للمشرع والمنفذ في عدم تعطيل كل أسس التحول الديمقراطي. وهذه الرغبة لم تكن ملموسة أبدا. وصحيح أيضا أن قسمة السلطة قد أتت بكوادر للحركة الشعبية، وأخرى غير منتمية حزبيا، في كل مجالات العمل التنفيذي والتشريعي الأخرى، ولكن الذي حدث هو أن صورية تمثيل غير الإنقاذيين في هذه المجالات لم تغير شيئا في الشؤون العامة التي تهم المواطنين. والسؤال هو: إذا لم تسهم قسمة نيفاشا في تغيير واقع الحال بالدرجة التي نحس فيها بالإختراق الإيجابي في كل جبهات العمل، فما الذي يحملنا للقناعة أن القضاء سيكون مختلفا من حيث دوره وفاعليته التي تعود لصالح الكل السوداني وليس الفئة الآيدلوجية؟.
إن محاولات مدير جهاز الأمن الجديد لفك الأزمة عن طريق إيجاد آلية جديدة لن تأتي بجديد. وهناك طريق واحد لتصحيح وضع الحريات الصحفية القاتم وهو تأكيد رغبة الحكومة في عدم تعطيل دور الصحافة في التحول الديمقراطي، ومع ذلك فإننا لا نتصور أن هذه الرغبة موجودة الآن في كل فعل يلتصق بالعمل الحكومي. ومهما يكن من أمر فإن الحريات لا تمنح وإنما تنجز بواسطة نضالات مستمرة للصحافيين، مع عون نشطاء المجتمع المدني، المؤمنين بحتمية إنجاز كامل المستحقات الديمقراطية.
salah shuaib [salshua7@maktoob.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم