بقلم: لوال كوال لوال
في أي دولة حديثة، تُعد الضرائب مرآة للعلاقة بين المواطن والدولة، فهي ليست مجرد أداة مالية لتمويل النفقات العامة، بل تعبير عملي عن عقد اجتماعي يفترض أن يقوم على التبادل: يدفع المواطن جزءًا من دخله، مقابل أن تلتزم الدولة بتقديم الخدمات الأساسية، وضمان الأمن، وتحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية. لكن حين ننظر إلى واقع الضرائب في جنوب السودان، وبشكل خاص ضريبة الدخل الشخصي، نجد أنفسنا أمام مفارقة عميقة: وجود نظام ضريبي منصوص عليه قانونًا، يقابله غياب شبه كامل للأثر الملموس على حياة المواطن، واستمرار مزمن لعجز الموازنة العامة، بما يطرح تساؤلات حقيقية حول طبيعة هذا النظام وفعاليته. من حيث النصوص القانونية، لا يمكن إنكار أن جنوب السودان يمتلك إطارًا ضريبيًا واضحًا، حيث تنص القوانين، وعلى رأسها قانون الضرائب لعام 2009 وتعديلاته اللاحقة، على فرض ضريبة دخل شخصي بنظام تصاعدي، تتدرج فيه النسب وفق مستويات الدخل، بما يعكس في جوهره مبدأ العدالة الضريبية، أي أن يدفع من يملك أكثر نسبة أعلى. وقد شهد هذا النظام تعديلات لاحقة عبر القوانين المالية السنوية، رفعت حدود الإعفاء وزادت عدد الشرائح، لتتراوح النسب في بعض السنوات بين صفر في المئة للفئات الأقل دخلًا، وتصل إلى عشرين في المئة للفئات الأعلى دخلًا. من الناحية النظرية، يبدو هذا النظام قريبًا من المعايير المتبعة عالميًا، بل ويعكس محاولة لبناء سياسة مالية حديثة تقوم على توزيع الأعباء بشكل متوازن. غير أن الانتقال من النص إلى الواقع يكشف فجوة واسعة. فالضرائب، رغم وجودها، لا تمثل إلا جزءًا محدودًا من الإيرادات العامة للدولة، التي تعتمد بشكل شبه كلي على النفط كمصدر رئيسي للدخل. هذا الاعتماد المفرط على مورد واحد جعل من الإيرادات غير النفطية، بما فيها الضرائب، عنصرًا ثانويًا في هيكل الموازنة. وبذلك، لم تتحول الضرائب إلى ركيزة أساسية في تمويل الدولة، كما هو الحال في الاقتصادات المستقرة، بل ظلت هامشية، ضعيفة التأثير، وغير قادرة على إحداث تحول حقيقي في بنية الاقتصاد أو في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا لا يشعر المواطن الجنوب سوداني بأي أثر ملموس للضرائب التي تُفرض عليه؟ الإجابة لا تكمن في عامل واحد، بل في مجموعة من العوامل المتداخلة التي تعكس طبيعة التحديات التي تواجه الدولة. أول هذه العوامل هو ضعف التحصيل الضريبي نفسه. فوجود قانون لا يعني بالضرورة تطبيقه بكفاءة، إذ تعاني المؤسسات المعنية من محدودية القدرات الفنية والإدارية، فضلًا عن انتشار التهرب الضريبي، سواء من الأفراد أو من بعض الكيانات الاقتصادية. كما أن الفساد الإداري يلعب دورًا في تسرب جزء من الإيرادات قبل وصولها إلى الخزينة العامة، ما يقلل من الحجم الفعلي للموارد المتاحة للدولة. إلى جانب ذلك، فإن طبيعة الاقتصاد في جنوب السودان تشكل عائقًا بنيويًا أمام فعالية النظام الضريبي. فغالبية النشاط الاقتصادي تتم في القطاع غير المنظم، حيث لا توجد سجلات واضحة، ولا آليات دقيقة للمتابعة، ما يجعل من الصعب فرض الضرائب أو تحصيلها. كما أن مستويات الفقر المرتفعة تحد من عدد القادرين أصلًا على دفع ضريبة الدخل، وبالتالي تضيق القاعدة الضريبية بشكل كبير. في مثل هذا السياق، تصبح ضريبة الدخل الشخصي أداة محدودة الأثر، حتى لو كانت مصممة بشكل جيد من الناحية النظرية. لكن حتى في الحالات التي يتم فيها تحصيل الضرائب، يظل السؤال قائمًا حول كيفية استخدام هذه الموارد. هنا يظهر عامل آخر لا يقل أهمية، وهو ضعف إدارة الإنفاق العام. إذ تشير الموازنات المتعاقبة إلى أن الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي يذهب إلى بنود مثل الرواتب، والأمن، وخدمة الدين، بينما تحصل القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية على نصيب محدود. هذا التوزيع غير المتوازن للإنفاق يعني أن المواطن، حتى وإن ساهم في تمويل الدولة عبر الضرائب، لا يرى انعكاسًا مباشرًا لذلك في حياته اليومية، سواء في شكل خدمات أفضل أو بنية تحتية محسنة. وتتفاقم هذه المشكلة في ظل اتهامات مستمرة بوجود فساد وسوء إدارة للموارد العامة. فعندما لا تُستخدم الأموال بشكل شفاف وفعال، تفقد الضرائب معناها الأساسي كأداة لتحقيق الصالح العام، وتتحول في نظر المواطن إلى عبء إضافي لا يقابله أي عائد. وفي هذه الحالة، لا يضعف فقط أثر الضرائب على التنمية، بل تتآكل أيضًا الثقة بين المواطن والدولة، وهي الثقة التي تُعد أساس أي نظام ضريبي ناجح. أما فيما يتعلق بالعجز المستمر في الموازنة العامة، فهو نتيجة طبيعية لهذه التحديات مجتمعة. فحين تكون الإيرادات الضريبية ضعيفة، ويعتمد الاقتصاد بشكل أساسي على النفط، يصبح أي تذبذب في أسعار النفط أو في حجم الإنتاج سببًا مباشرًا في اختلال التوازن المالي. ومع استمرار ارتفاع الإنفاق الحكومي، خاصة في البنود غير الإنتاجية، يتسع الفارق بين الإيرادات والنفقات، ما يؤدي إلى عجز متكرر. وغالبًا ما يتم تغطية هذا العجز عبر الاقتراض، سواء الداخلي أو الخارجي، وهو ما يضيف عبئًا جديدًا يتمثل في خدمة الدين، ويزيد من تعقيد الوضع المالي في المدى الطويل. هذه الحلقة المفرغة، التي تبدأ بضعف الإيرادات الضريبية، وتمر بسوء إدارة الموارد، وتنتهي بعجز متكرر واقتراض متزايد، تعكس خللًا هيكليًا في النظام المالي ككل. وهي ليست مجرد مشكلة تقنية يمكن حلها بإجراءات جزئية، بل تتطلب رؤية شاملة لإصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة بناء الثقة على أسس واضحة من الشفافية والمساءلة. إن الحديث عن الضرائب في جنوب السودان لا يمكن فصله عن طبيعة الدولة نفسها، التي لا تزال في طور التكوين، وتواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة. ومع ذلك، فإن استمرار الوضع الحالي يحمل مخاطر كبيرة، ليس فقط على الاستقرار المالي، بل أيضًا على الاستقرار الاجتماعي، إذ لا يمكن لنظام ضريبي أن يستمر في فرض الأعباء دون أن يقدم مقابلًا ملموسًا للمواطنين. وفي غياب هذا التوازن، قد تتحول الضرائب من أداة لبناء الدولة إلى مصدر إضافي للتوتر والاحتقان. لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بتعديل نسب الضرائب أو توسيع القاعدة الضريبية، بل يتطلب قبل كل شيء تحسين كفاءة التحصيل، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، وإعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. كما يتطلب العمل على تنويع الاقتصاد، بحيث لا تبقى الدولة رهينة لمورد واحد، بل تمتلك مصادر متعددة للدخل، تجعل من الضرائب عنصرًا فاعلًا في منظومة مالية متوازنة. في نهاية المطاف، يمكن القول إن المشكلة ليست في وجود الضرائب، بل في غياب البيئة التي تجعل منها أداة فعالة للتنمية. فحين تُفرض الضرائب في سياق يتسم بالضعف المؤسسي، والفساد، وسوء الإدارة، فإنها تفقد قدرتها على تحقيق أهدافها، وتتحول إلى مجرد أرقام في القوانين، لا أثر لها في الواقع. أما حين تُدار بشكل صحيح، في إطار من الشفافية والمساءلة، فإنها يمكن أن تكون حجر الأساس في بناء دولة قادرة على تلبية احتياجات مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم. وبين هذين المسارين، يقف جنوب السودان اليوم أمام خيار حاسم: إما الاستمرار في النهج الحالي بكل ما يحمله من اختلالات وعجز مزمن، أو الشروع في إصلاح حقيقي يعيد للضرائب معناها، وللموازنة توازنها، وللمواطن ثقته في أن ما يدفعه اليوم سيعود عليه غدًا في صورة خدمات وفرص وحياة أكثر استقرارًا.
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم