The fifth column? An intellectual history of southern Sudanese communities in Khartoum, 1969 – 2005
نيكولا دون كيندرسلي Nicola Dawn Kindersley
تقديم: هذه ترجمة لمقتطفات قليلة من أطروحة البريطانية نيكولا دون كيندرسلي (التي تنشر أوراقها تحت اسم Nicki Kindersley) التي قدمتها لقسم التاريخ بجامعة درم البريطانية في عام 2016م. وتعمل الكاتبة محاضرة في التاريخ المعاصر في بجامعة كاردف في ويلز، وتركز في أبحاثها على تاريخ التربية السياسية والثقافات الفكرية وحياة العمل في جنوب السودان وما حوله من المناطق، ونشرت في عام 2025م كتابا بعنوان: New Sudans: Wartime Intellectual Histories in Khartoum وكتابا آخر (بالاشتراك مع باحثين آخرين) بعنوان: Historical Dictionary of South Sudan.
وللمزيد عن هذه المؤرخة يمكن الاطلاع على موقعها في الشبكة العنكبوتية https://nickikindersley.com. المترجم
*
ملخص الرسالة
تتناول هذه الدراسة الفكر السياسي الرائج والتنظيمات الشعبية في أوساط السودانيين الجنوبيين الذين كانوا يقطنون بالخرطوم إبان الحروب الأهلية الأخيرة. فقد انخرط أولئك السكان (الذين تراوحت النظرة إليهم بين عدهم ثواراً خطرين في قلب الدولة السودانية، وبين وصمهم بأنهم خونة مُتَعَاوِنٌين مَعَ العَدُوّ) في مشاريع قومية (nationalist) وقومية – إثنية (ethno – nationalist) متعددة، كانت في الغالب متنافسة أو متناقضة. وهذه الأطروحة هي دراسة للفلسفات السياسية النابعة من صميم التجارب الذاتية والمحلية لأولئك الجنوبيين.
لقد أُجْرِيَتْ هذه الدراسة في جنوب السودان خلال الأعوام 2012-2013 و2015م، اعتماداً على شهادات استرجاعية وأرشيفات شخصية تضمنت أعمالاً أدبية وشعرية وغنائية أُلِّفَتْ في الخرطوم؛ وذلك بغرض استكشاف المشاريع السياسية المتعددة لهؤلاء السكان الهادفة لبلورة مجتمع “جنوبي” والتفاعل معه وحشده. وتُبرز هذه الدراسة الطبيعة المراوغة والمتعددة للهويات الشخصية والسياسية، فضلاً عن المواقف الفكرية المشوشة والمضطربة المتعلقة بتصور مستقبل جَذْري (radical)، والتمكن من البقاء أو التعامل مع مواقف عسيرة باستخدام الحد الأدنى من الإمكانيات في ظل الواقع اليومي للحرب الأهلية التي كانت تَتَّصِفُ بالعنف.
محتويات الأطروحة
تحتوي الاطروحة على مقدمة وخمسة فصول وخلاصة وثَبْتاً للمراجع (bibliography). وأوردت الكاتبة مقدمة بها خريطة للسودان قبل انفصال جنوبه عن شماله، وصورة بالأقمار الصناعية لمدينة أويل.
ناقشت المؤلفة في مقدمة أطروحتها ما نشر من بحوث في جنوب السودان؛ ومفهوم القومية في شمال السودان وجنوبه؛ والسواد، والهوية السودانية، والهوية الجنوبية في الخرطوم؛ إضافة للمصطلحات والمنهجية التي استخدمتها في بحثها. وأوردت في نهاية كل فصل من فصول الأطروحة الخمسة خُلَاصَةً موجزة.
تناولت الكاتبة في فصل أطروحتها الأول ما أطلقت عليه مشكلة “الجنوبيين”، وأفكار النخبة في أمر “جنوب السودان” والتاريخ الحضري لدى “السوداني” و”الجنوبي”، وتاريخ النخب الجنوبية ومكوناتها، والمجال السياسي الذي كانت تتحرك فيه تلك النخب فيه بالخرطوم، إضافة لبعض الموضوعات الأخرى.
وفي الفصل الثاني ناقشت المؤلفة عدة موضوعات شملت جغرافية الخرطوم في الستينيات والثمانينات، والمجاعات والقتل وحالات الهروب بين عامي 1985 و1989م، ومنطقة “دار السلام” والصراع حول المناطق في الخرطوم بين عامي 1988 و1992م”، وجلبت أيضاَ رسماً باليد يوضح أماكن وجود الجنوبيين بالخرطوم في أبريل 1987م.
أما الفصل الثالث فقد شمل التعريب والأسلمة، وعناوين أخرى مثل مشاريع حضارية: تنظيم مجتمعي ضد “الانقطاع عن الثقافة De-acculturation” بين عامي 1992 – 1994م، والاستيعاب والمقاومة والتعبير عن الذات، والرقابة الاجتماعية. وأوردت الكاتبة أيضاً صورتين فوتوغرافيتين لشباب جنوبيين في الخرطوم ولـ “نساء أفريقيات”.
وتناولت الكاتبة في فصل أطروحتها الرابع الأرشفة الشخصية، و”الثقافة العرقية التقليدية” بحسبانها فعلاً سياسياً، والتجنيد من أجل الوعي السياسي، والمجتمع السياسي المتعدد في السودان “الجنوبي”. وضمنت الكاتبة في هذا الفصل عددا كبيرا من كلمات أغانٍ وأناشيد جنوبية، وصورة أُخذت في وائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لبيع بعض المنشورات والكتيبات المؤلفة محليا بلغة الدينكا واللغة العربية في أحد شوارع حي الحاج يوسف، وصورة من مقال عنوانه “العبودية في واو، حيث يُقَيَّدُ الناس بالسلاسل”.
وشمل الفصل الخامس والأخير سطوراً أتت تحت عناوين “قصص الجواسيس” (عن الجنوبيين الذين كانوا يعملون لصالح حكومة السودان)، و”الجنقو”، وعمن كانوا يقاتلون من أجل الجنوب، ومن كانوا يسعون لحلول تَوْفِيقة (compromise)، وعمن أُطلق عليهم وصف “الخونة sell -outs”. وأوردت الكاتبة رسما كاريكاتوريا عنوانه “الخونة على طاولة المفاوضات مع العرب Sell -outs at the table with the Arabs”، أُخذ من كتاب أغاني لأكوت كويي Akut Kuei (ص 14).
وفي خاتمة الأطروحة أوردت المؤلفة بعض الأسطر حول “يوم الإثنين الأسود”، وسطوراً قليلة أخرى حول ما حدث بين عامي 2005 و2011م (حين أستقل جنوب السودان عن شماله)، ومذكرة عن الوضع الحالي (أي في عام تقديم الرسالة عام 2016م).
أورد هنا ببعض التصرف أغلب ما ذكرته الكاتبة عن يوم الإثنين الأول من أغسطس 2005م، إثر الإعلان الرسمي عن مقتل جون قرنق، النائب الأول لرئيس الجمهورية وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، في حادث تحطم مروحية:
“لقد مثل عام 2005م نقطة تحول فاصلة في المسارات الشخصية لدى كثير من الناس. ولم يحدث هذا الانعطاف الجوهري عند توقيع اتفاقية السلام الشامل (بتاريخ 9 يناير 2005م. المترجم)، بل حدث عقب مقتل زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، جون قرنق (في 30 يوليو 2005م) في حادث تحطم مروحيته. لقد كانت وفاته قد حدثت بُعَيْدَ زيارته للخرطوم في 8 يوليو 2005م، التي كانت مليئة بفيض من المشاعر الفرحة، حيث استقبله مئات الآلاف، كان من بينهم من يرتدون زي “الحركة الشعبية لتحرير السودان” الملون، أو يحملون شعاراتها. وبعد يوم واحد من ذلك الاستقبال الجماهيري عُيِّنَ قرنق نائباً لرئيس الجمهورية. وبدت حينها، وبصورة متزايدة، ما نصت عليه الاتفاقية من خيارات لبناء “سودان جديد” قابلة للتحقيق، بحسب ما أدلى به أكاديمي سوداني شمالي لوسائل الإعلام. وقال آخر: “قبل أن تمتد الاضطرابات فيما بعد للضواحي والأطراف، كان هناك قدر عالِ من العداء والمشاعر السلبية لدرجة قد تتوقع معها مقتل قرنق، غير أن قدومه للخرطوم … ذلك ما لم نكن نتوقع حدوثه”. وبعد عشرين يوماً فقط من ذلك القول أُذِيعَ من راديو أم درمان نبأ مقتل قرنق صباح الاثنين الأول من أغسطس بسبب تحطم مروحيته. وخرج الجنوبيون المحتجون للشوارع، وهتفت مجموعات منهم بـ SPLM Oyeee!، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يُسْمَعُ فيها ذلك الهتاف في الخرطوم، ووقعت حوادث عنف عُرِفَتْ لاحقاً بـ “الاثنين الأسود”. بدأت الاحتجاجات في أحياء بوسط الخرطوم (مثل سوبا والحاج يوسف والمعمورة وغيرها) قبل أن تمتد إلى غيرها من المناطق. وتحركت وحدات من الجيش والشرطة عند منتصف النهار لإخماد العنف ولإبعاده عن المصانع والمؤسسات الكبرى، ولكنها تجاهلت – بشكل عام – المناطق الطرفية الأشد فقراً، وكان ذلك التجاهل قد ساهم في تصاعد العنف بها، بينما قام سكان آخرون بتشكيل مجموعات للدفاع الذاتي ضد هجمات المحتجين. وفي يوم الأربعاء قامت القوات الرسمية وبعض المسلحين المدنيين بعمليات انتقامية في المناطق التي يقطنها القادمون من جنوب وغرب السودان. وسجلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مقتل 84 شخصا بحلول يوم الخميس، بينما قدر آخرون أن عدد القتلى كان أكثر من ذلك بكثير (ذكرت رويترز أن 42 شخصا على الأقل قتلوا في أعمال الشغب التي اندلعت في العاصمة السودانية الاثنين اثر الإعلان الرسمي عن مقتل النائب الأول للرئيس السوداني الزعيم الجنوبي جون قرنق. https://shorturl.at/bsWD1.المترجم). وذاعت شائعات عن مقتل زعيم مليشيا جنوبية مما أشعل المزيد من غضب المحتجين. وبلغ عدد الوفيات في الأسبوع التالي أكثر من 130 شخصا. وسلطت تلك المواجهات المزيد من الضوء على الحدود الملتبسة لمفهوم “المجتمع الجنوبي” بالخرطوم، إذ لم يكن الجنوبيون هم الوحيدين الذين شاركوا في تلك الاحتجاجات العنيفة. وذكر أحد المراقبين بأن سكان منطقتي “أنغولا” و”مانديلا” ليسوا جميعاً من جنوب السودان، كما أن مثيري الشغب لم يكونوا جميعاً من الجنوبيين أيضا …. لقد مثل “الإثنين الأسود” تجسيدا مروعاً لمجتمع السودان الأسود الموحد الذي تشكل في الخرطوم، وللقوة الفعلية للسلطة الجنوبية – التي اتسمت بطابع فيدرالي وعرقي وعسكري – داخل الخرطوم.
قد كان هناك استهداف واضح على أساس عرقي من كلا الجانبين؛ ففي حين شدد الناس على أن [سكان جبال النوبة ودارفور] “لم يتعرضوا لهجوم” من قِبَل مثيري الشغب الجنوبيين، كان العرب “معرّضين لأن يُعرَفوا”، والعكس صحيح أيضاً.
وورد في صحيفة الفايننشال تايمز أن “العديد من الشماليين والجنوبيين، كباراً وصغاراً، وفي مختلف الأحياء، يكررون ذات الرسالة التي مفادها “أن أي ثقة كانت قائمة بين المجتمعين قد بدأت في التلاشي”.
alibadreldin@hotmail.com
