الطفولة الضائعة في بلاد السودان
أو بين المُستعمر الأجنبي والمستعمر الوطني!
منذ عهد التركية السابقة، وما عدا فترات وجيزة، ومواطن هذه البلاد لم يجد من جهاز الدولة البيروقراطي سوى غمط الحقوق والقهر والمطاردة في الأرزاق. والغريب أن من يأخذ من المواطن ضرائب باهظة لقاء عمله الوظيفي أو التجاري، لا يقدم شيئاً لنفس المواطن إن فقد مصدر رزقه أو تعرّض لموقف او كارثة يصبح بسببها مستحقا للمساعدة.
وكلّه كوم، ومآسي الأطفال في كل مكان في بلادنا كوم آخر. اثناء هذه الحرب العبثية قُتل وأصيب آلاف الأطفال، بسبب غارات المسيّرات والقصف العشوائي، ومات الكثيرون بسبب الجوع والأوبئة وانعدام الرعاية الطبية. وحتى في المناطق التي يسود فيها أمان نسبي وبسبب آثار الحرب من تدمير وخراب ونقص في الموارد والخدمات، يعاني الأطفال كثيرا ويتحمّل الكثير منهم مسئوليات اعاشة أسرهم.
يمنع القانون والمواثيق الدولية أن يعمل الطفل ان كان عمره أقل من 14 عاماً، إلا في حدود معينة ولساعات محددة. لكن من يطبق ذلك؟ أسر كاملة، ومن قبل الحرب، تعتمد على أطفالها بسبب تخلي الدولة عن هذه الأسر وعن هؤلاء الأطفال.
دولة تبرع فقط في الجباية.
قرأت مقالاً في مجلة «أتر» عن تحقيق يدمي القلب، يتحدث عن أطفال في مدينة الدويم اضطروا لترك المدرسة والعمل في وظائف هامشية للمساعدة في إعالة أسرهم، أحدهم يقول أنه يشعر بالحرج حين يلتقي بزملاء المدرسة في الشارع بملابسه وهيئته المتسخة! تركوا مستقبلهم على قارعة الطريق وتفرغوا لإعالة أمهاتهم وإخوانهم اليتامى. تسلّم هؤلاء الأطفال مكان والدهم الذي توفي أو تركهم لأسباب أخرى.
وليس المحزن فقط أن هؤلاء الأطفال تركوا مدارسهم، أو أنهم يعملون في ظروف قاسية لا تليق بأعمارهم. بل إن موظفي البلديات يطاردونهم ليس لإعادتهم للمدرسة بل لمنعهم حتى من العمل لإطعام أنفسهم وأهلهم!
الجهة التي يفترض أنها مسؤولة عن هؤلاء الأطفال، مسؤولة عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم ليواصلوا دراستهم، تطاردهم. البلديات التي لا تبرع سوى في الجباية من مواطن مسحوق، قهرته الحروب واستبداد الحكام.
وحتى واجبات الحد الأدنى للبلديات، في دفع رواتب المعلمين، لا تقوم به إلا بشق الأنفس وبعد عدة أشهر، يبقى فيها معلمو المدارس الابتدائية دون دخل. أما الواجبات الأخرى من نظافة وتهيئة بيئة صحية وغيرها، فحدّث ولا حرج!
ظروف بلادنا، بسبب الحرب المفروضة عليها، والتي يدفع ثمن تبعاتها مواطن لا ناقة له ولا جمل في الصراع على السلطة والثروة الذي يدور فوق رأسه، جعلت جل أهلها من مستحقي الإغاثة.
بينما جنود جبريل لا هم لهم سوى مطاردة التجار الفقراء الذين يشترون البضاعة بالدِّين ويبيعونها بالدِّين، ويعانون من التضخم والجبايات.
الإغاثة نفسها تباع في السوق، بل إن رئيس وزراء الساحل نفسه أعلن أن الإغاثة، كي تدخل البلاد وتصل إلى الفقراء، لابد أن يدفع مانحوها الرشاوى لجهات معلومة! جهات محسوبة على السلطة نفسها!
أطفال يفترشون المزابل في دول الجوار! ويأكلون الامباز وورق الشجر، بينما اللصوص والاراذل ينامون في الحرير في قصور تجري من تحتها الأنهار داخل بلادنا، وفي سواحل البحر الأسود وفي اصقاع العالم.
فساد بات، منذ عقود، هو الحاكم، وكل ما يقدمه للناس هو الحروب وطاحونة الجبايات التي تذهب إلى دورة فساد مثل غول أسطوري لا يشبع من نهم النهب والرغبة في حكم الناس وقهرهم. (فكيف لا تنشب الحروب)؟
دولة لا ترعى اطفالها، الذين يتعرضون للجوع والأوبئة والاهانة والانتهاكات. ويُحرمون من حقهم في التعليم والعلاج، ليست دولة!
فهل نلوم من يشعر بالحنين إلى أيام الإنجليز؟ المُستعمر الأجنبي شيّد مشروع الجزيرة، و(المُستحمر) (الوطني) دمّره!
فمنذ عقود، وبلادنا ترزح تحت نير احتلال (وطني عسكري) يكاد فيه أهل بلادنا يصرخون:
وا إنجليزاه! …..
#لا_للحرب
أحمد الملك
