دكتور محمد عبدالله
في بعض الكتب لا نعود نتذكّر الحكاية كاملة؛ لا اسم البطل، ولا تفاصيل النهاية. لكن جملة واحدة تظلّ عالقة في الروح، كأنها قيلت لنا شخصياً، أو كأنها كانت كامنة في أعماقنا فسبقنا الكاتب إلى البوح بها. هذا ما فعلته موسم الهجرة إلى الشمال بي. قرأتها منذ سنوات، وما عدت أذكر كل التفاصيل، لكن جملها استقرّت في مكان خفيّ من الذاكرة، وبقيت هناك، حيّة، لا يبهت أثرها.
ذلك لأن الطيب صالح لم يمنح شخصياته يقيناً كاملاً، بل تركها تمشي متعثّرة بأسئلتها، باحثة عن معنى لا يكتمل. ولهذا تبدو عباراته اليوم طازجة، كأنها كُتبت هذا الصباح، لا قبل عقود.
«لو أن كل إنسان عرف متى يمتنع عن اتخاذ الخطوة الأولى، لتغيرت أشياء كثيرة».
كلما قرأت هذه الجملة شعرت أن قلبي يسبق رأسي إلى فهمها. ليست دعوة إلى التردد، ولا إلى الجبن، بل تأمل عميق في الكوارث الصغيرة التي يصنعها الاندفاع. فالبشر، في الغالب، لا يندمون على ما لم يفعلوه، بقدر ندمهم على تلك الخطوة التي اتخذوها في لحظة عمى: كلمة قيلت في غضب، حب بدأ في غير أوانه، أو غرور صغير أشعل حرباً ثم اتسعت حتى ابتلعت الجميع. أحياناً لا تكون الحكمة في الشجاعة، بل في الامتناع؛ في أن يعرف الإنسان متى يتوقف قبل أن يدفع الحجر إلى المنحدر.
ثم يتبدّى الوجه الآخر للإنسان عند الطيب صالح:
«إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة…».
إنه ذلك الكائن الذي يرفض أن يعيش على الهامش. ليس جشعاً للحياة، بل خوفاً حقيقياً من أن تمر الأيام باهتة بلا أثر. الإنسان في هذه الرواية لا يكتفي بالمشاهدة؛ يريد أن يحب بكامل قلبه، وأن يقرأ، ويسافر، ويخطئ، وأن يترك جملته الخاصة في دفتر العالم. ولهذا تبدو صورة «الصفحات البيضاء في سجل العمر» مؤثرة إلى هذا الحد، لأن العمر في النهاية ليس عدد السنوات، بل ما نكتبه فيها من معنى.
«لا، لست أنا الحجر الذي يُلقى في الماء ولكني البذرة التي تُبذر في الحقل».
فرق شاسع بين الاثنين. الحجر يحدث ضجيجاً سريعاً ثم يغرق، أما البذرة فتختفي أولاً، قبل أن تبدأ رحلتها الحقيقية في العتمة. كم من الناس يسعون إلى الأثر الصاخب والظهور الفوري، بينما الأشياء العميقة تنمو بصمت: فكرة، تربية، كلمة طيبة، أو كتاب جيد. وربما لهذا بقي الأدب العظيم حيّاً؛ لأنه لم يكن صرخة عابرة، بل بذرة أُلقيت في تربة الذاكرة الإنسانية.
ومن أجمل ما في أدب الطيب صالح تلك البساطة التي تحمل داخلها فلسفة كاملة:
«كنت أفكر وأنا أرى الشاطئ يضيق في مكان ويتسع في مكان آخر، شأن الحياة تعطي بيد وتأخذ باليد الأخرى».
الحياة عنده ليست مأساة خالصة، ولا نعمة مكتملة. إنها مدّ وجزر دائم. كل اتساع يقابله ضيق، وكل خسارة قد تخفي تعويضاً غير مرئي. وربما لهذا يبدو الإنسان أكثر نضجاً حين يتوقف عن البحث عن عدالة مطلقة. فالحياة لا توزّع عطاياها بالتساوي، لكنها تمنح كل إنسان شيئاً وتسلبه شيئاً آخر، كأنها تُبقي الجميع في حالة نقص دائم تدفعهم إلى الاستمرار.
وذات مساء، وأنا أعيد قراءة الرواية، توقفت عند هذه العبارة:
«الحكمة القريبة المنال تخرج من أفواه البسطاء… الشجرة تنمو ببساطة، وجدك عاش ببساطة وسيموت ببساطة… ذلك هو السر».
أحسست أن الطيب صالح يبلغ جوهر رؤيته هنا. فكلما ازدادت الحياة الحديثة تعقيداً، ازداد حنين الإنسان إلى بساطته الأولى: صوت الجد، رائحة الطين بعد المطر، جلسات القرى، والناس الذين لا يتحدثون كثيراً لكنهم يعرفون كيف يعيشون. البسطاء لا يملكون نظريات كبرى، لكنهم غالباً أكثر تصالحاً مع العالم. يدركون بالفطرة ما يحاول الآخرون الوصول إليه عبر الفلسفات الطويلة: أن الحياة أقصر من أن تُعاش بكل هذا التوتر.
ثم تأتي الجملة التي لا تغادر ذهني:
«أي ثمن باهظ يدفعه الإنسان حتى تتضح له حقيقة نفسه وحقيقة الأشياء».
المعرفة ليست مجانية. الإنسان لا ينضج بالقراءة وحدها، بل بالخسارات أيضاً. كثير من الحقائق لا تُفهم إلا بعد أن ينكسر شيء في الداخل. وربما لهذا يبدو كبار السن أكثر هدوءاً؛ لأنهم تعبوا بما يكفي حتى أدركوا أن معظم المعارك التي خاضوها لم تكن تستحق كل ذلك العناء.
لكن أكثر العبارات دفئاً وحزناً تظل تلك التي يقول فيها:
«صوت جدي يصلي كان آخر صوت أسمعه قبل أن أنام وأول صوت أسمعه بعد أن أستيقظ، كأنه شيء ثابت وسط عالم متحرك».
في هذه الجملة وحدها تختبئ فكرة الزمن كلها. فالإنسان لا يبحث عن السعادة فقط، بل عن الثبات أيضاً؛ عن شيء يقاوم تغير العالم السريع. قد يكون ذلك صوت أب، أو رائحة بيت قديم، أو عادة صغيرة تتكرر كل يوم فتمنحنا شعوراً بأن العالم ما زال في مكانه.
وأخيراً، تأتي العبارة التي تبدو كخلاصة هادئة لكل شيء:
«كلنا يا بني نسافر وحدنا في نهاية الأمر».
ليست دعوة إلى التشاؤم، بل تذكيراً بحقيقة إنسانية عميقة: مهما أحاط الإنسان نفسه بالأصدقاء والعائلة والضجيج، تبقى هناك منطقة داخلية لا يشاركه فيها أحد. وفي اللحظات الكبرى — الحب، والخوف، والمرض، والموت — يكتشف كل إنسان أنه يعبر تجربته وحده.
ولهذا بقيت موسم الهجرة إلى الشمال حيّة في الوجدان العربي؛ لأنها لم تكن رواية عن الشرق والغرب فحسب، بل عن الإنسان نفسه: ذلك الكائن الذي يمضي عمره محاولاً فهم العالم، ثم يكتشف في النهاية أن أصعب ما يمكن فهمه هو قلبه هو ذاته.
muhammedbabiker@aol.co.uk
