عبد المنعم عجب الفَيا
كتب الطيب صالح*:
“تفرقت البلابل، وهاجر بشير عباس الملحن الموهوب الذي قدمها للجمهور السوداني اوائل السبعينات.
كن صغيرات وجميلات، واصواهن مثل شقشقة العصافير عند الفجر. اغانيهن خفيفة مرحة، جديدة ولكن فيها روح القديم. غزلة ولكنه غزل عفيف خال من اية ايحاءات جنسية.
أخذن العذوبة والشجن من منطقة النوبة العريقة اقصى شمال السودان بتراكماتها الحضارية، التي اخذ منها محمد وردي أيضا فنه العبقري.
ربما أكثر من أي ظاهرة أخرى، كان غناء (البلابل) تلك الأيام، يعبر عن روح السودان. عن ثقته في نفسه وتفاؤله في المستقبل، وإقباله على الحياة. ولما انفرط عقدهن، كأنما السودان نفسه فقد حيويته واخلد إلى الكآبة والركود.
والدهن الأستاذ محمد عبد المجيد طلسم، رحمه الله، كان من الرجال الرواد أصحاب النظر البعيد من طراز المرحوم بابكر بدري الذي أمن بتعليم البنات في السودان، اول القرن، في وجه مقاومة اجتماعية عظيمة. وقد اسعدني الحظ أنني تتلمذت على يدي المرحوم طلسم فترة في جامعة الخرطوم، حين كان محاضرا في كلية العلوم. اذكر مرحه وطيبته وابوته الغامرة.
كان رجلا شجاعا شجاعة بالغة، ففي وقت كان فيه المجتمع السوداني ينظر إلى الفن، وخاصة التمثيل والغناء، بريبة وحذر، وغير قليل من الاحتقار، سمح لبناته السبع ان يدخلن المعهد العالي للموسيقى والمسرح، ويعملن بعد تخرحهن في ميدان التمثيل والغناء. وكن من المؤسسات في الفرقة القومية للفنون الشعبية. وهي فرقة سرعان ما حصلت على شهرة عالمية واسعة.
في آخر عام ١٩٧١ انطلقت فرقة البلابل المكونة من ثلاث اخوات، هن هادية وأمال وحياة. ويعزى أكبر الفضل في انطلاقتهن ونجاحهن الي الموسيقي الموهوب بشير عباس. وهو أيضا من (حلفاية الملوك) في الخرطوم بحري.
لقيت هادية طلسم اول مرة في زيارتي إلى واشنطن في ربيع عام ١٩٩٤، مع زوجها الدكتور عبد العزيز بطران، أستاذ التاريخ في جامعة (هوارد). عرفني بهما الفاتح ابراهيم أحمد. وكان معنا الدكتور محمد ابراهيم الشوش، واسامة الذي يسكن قريبا من الفاتح. وهو مهندس معماري، اضطرته الظروف ان يعمل في النقل. صوته جميل في الغناء وكذلك الفاتح، فكانا لها بمثابة الكورس، واحيانا يغنيان معها.
قضينا في دارهم وفي دار الفاتح، أمسيات لا تنسى، نستمع إلى ذلك الصوت الساحر.
تعيد الي الحياة بصوتها العربي النوبي، ووجهها الفرعوني، واستغراقها حين تغني كأنها تصلي، كأنها تعيد عالما كاملا ضاع أو كاد يضيع. غنت تلك الأغنية القديمة التي لا أمل سماعها:
يجلي النظر يا صاحي
منظر الإنسان
الطرفه نايم وصاحي
وغنت تلك الأغنية البديعة للمطرب الكبير أحمد المصطفى:
زاهي في خدره ما تألم
الا يوم كلموه تكلم
حن قلبه دمعه سال
هف به الشوق قال وقال
وغنت لإبراهيم الكاشف :
انا يا طير بشوفك
محل ما تطير بشوفك
غنت من القديم والجديد، من اغانيها وأغاني غيرها، بالعربية وبالنوبية، فجعلت الناس يغرقون في سبحات سودان آخر، في زمان آخر.
في زيارتي هذه المرة، صادفت بشير عباس أيضا، وهو بالإضافة إلى موهبته الكبيرة في التلحين، عازف لا يجارى في العود، وله صوت جميل في الغناء. فاسمعنا منهما عجبا.
لاحظت كيف أنها توزع همها بين فنها وطفليها. تكون مستغرقة في الغناء، وفي الوقت نفسه، منتبهة إلى تحركات طفليها في ارجاء الدار. ولاحظت كيف ان زوجها الدكتور بطران، هذا الإنسان المهذب المتحضر، يرعى موهبتها الكبيرة بحنو وعطف عظيم.
صوتها غدا أكثر نضجا. تلبسه اشجان بعيدة الغور، كأنما الصوت مرآة للتحولات العميقة التي تجتاح السودان نفسه.
ذلك الزمان، زمان الظبي المكنون في خدره، لن يعود بطبيعة الحال. ولكن الزمان الجديد، الذي يتشكل بوحي من أصوات المغنين والشعراء والكتاب والحداة، لعله يأتي في صورة مدهشة لم تخطر في خيال أحد”.
هوامش:
- من كتاب (للمدن تفرد وحديث: الغرب) كتاب رقم ٤ بسلسلة مختارات الطيب صالح، وهذه المختارات تجميع للمقالات التي كان ينشرها بمجلة المجلة اللندنية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بما في ذلك ما ظل ينشره اسبوعيا تحت عنوان (نحو أفق بعيد) بالصفحة الأخيرة من المجلة المذكورة.
عبد المنعم عجب الفَيا
١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم