الطيب صالح في ندوة الإثنينية: عشت في قرية من قرى شمال السودان، كنت أظن كل الناس أكثر حكمة مني، وكنت كلما رحت لأهلي أشعر والله أن أي مزارع في تلك البلد أكثر حكمة مني
تفريغ وتحرير: الوليد محمد الأمين
النص التالي هو تفريغ صوتي مع تحرير طفيف لندوة أو لقاء مع الطيب صالح في “منتدى الإثنينية”. والمنتدى المذكور هو صالون أدبي وثقافي سعودي تأسس في العام 1982م. ويرد في التعريف به أنه كان يُقام مساء كل يوم اثنين في دار مؤسسه الأديب ورجل الأعمال عبد المقصود خوجة بمدينة جدة. وكان يُعد واحدًا من أبرز المنتديات الثقافية في المملكة. وتميّز بطابعه التكريمي والحواري، حيث كان يجمع نخبة من الأدباء والمفكرين والصحفيين من داخل السعودية وخارجها. استُهلت الليلة التي نحن بصددها بالعديد من الكلمات التي ألقاها الحضور من المثقفين والمفكرين، ومنهم الأستاذ خوجة صاحب المنتدى نفسه وغيره. اكتفيت هنا بتفريغ كلمات الطيب صالح والأسئلة التي تلت محاضرته أو كلمته، ولم أفرغ كلمات الترحيب والتقديم التي سبقت حديث الطيب صالح، حيث غطت في مجملها ما يزيد قليلا عن الساعة من الزمن. تاريخ الندوة 30 نوفمبر 1992م.
الحوار كاملا متوفر على موقع اليوتيوب، تحت عنوان “أمسية الاثنينية 132″، والقناة تحت اسم ” Alithnainya “، وذلك على الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=buSj6Mhlulo&t=5482s

بسم الله الرحمن، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحت هذه السماء الجميلة الرحيمة، وفي هذه الدار الجميلة المتحضرة، التي واضحٌ أنها بنيت بذوق رفيع، وفي هذا الطقس الذي لم أعرف مثله، لا في الشرق ولا في الغرب في اعتداله؛ كنت أحب ألا يزداد علي الهم بكل هذا الثناء الذي كيل لي. يقول الناس دائما إن فلانا أُغرق بالثناء، أنتم كتلتوني. (هذا) قتل. أنا قُتلت قتلا في هذا المساء. قتلا متحضرا طبعا. وقتلا مليئا بالحب. وأولاً، لابد لي أن أشكر معالي الشيخ عبد المقصود خوجة على أنه ظن أن شخصي الضعيف يستحق كل هذا الاهتمام. وأشكره أيضا حقيقة لما سمعت عنه من احتفاء بأهل الأدب والفكر والثقافة. أنا كما قال البحتري: غير أني… قال إيش؟ أغرم أظنه، صححوني، في قصيدته السينية، للأشراف طُراً، أنا أقرب للشرف، والشرف طبعا ليس المقصود به الحسب والنسب، ولكن النبل. ويطربني الرجل القادر- وأظن الشيخ عبد المقصود ربنا أعطاه من فضله، وأرجو أن يزيده، لأن هذه الدار مكلفة على أي حال. فكون رجل مثله يجد من وقته وطاقته أن يعتني بأهل الفكر والأدب في العالم العربي، هذا شيء جميل حقيقة. في العالم العربي بالذات، لأن المفكر والأديب والشاعر، مخلوقٌ في نهاية الأمر ضعيف مهما قيل عنه، وإلى حدٍ كبير تكفيه الكلمة الطيبة، فهنا أكثر من كلمة طيبة. وأنا أحس في هذا الجو بمحبة شديدة في كل ما قيل عني، وأنا لا أستحقه. يعني أنا هذه أول مرة في حياتي أسمع قصائد شعر تقال في شخصي الضعيف. وهي قصائد جميلة، وأشكر الذين قالوها. وأنا حين أقول أني لا أستحق، صدقوني أنا أعني ذلك. لأني، وهو ليس تواضعا مزيفا، هو إحساس. أنا دائما أُدهش كما قلت مثل ليلة البارحة، حين يطلب مني الناس أن أتحدث. لأني أحس (أنه) ما عندي شي أقوله. يعني كتبت أشياء، لكن لا أحس بأن لي حكمة أمتاز بها عن بقية خلق الله. وقد عشت في بيئة- في قرية من قرى شمال السودان، كنت أظن كل الناس أكثر حكمة مني، أهلي أعمامي أخوالي أبناء عمي الذين – ونحن من بيئة زراعية، وجزء من أهلي رجال دين وعلم. ظللت أحس هذا وأنا أتعلم هذا التعليم المدني، كل ما أروح لأهلي أشعر والله (أن) أي مزارع- فلاح كما ما يقولون في هذه البلد- أكثر حكمة مني. ولذلك ظللت، أسير في الدنيا بهذا الإحساس. أذكر لمّا صدرت “موسم الهجرة إلى الشمال”، كنت أعمل في وزارة الإعلام السودانية، فجاء عم من أعمامي من البلد، وجيت أنا رجعت إلى البيت، (وكان قد) سمع هو مناقشة في الراديو عن الرواية هذه. قال لي يا أخي إن شاء الله خير، إيه الحكاية؟ قلت له ليش، إيش في؟ قال لي سمعنا ناس تتكلم، وقالوا الطيب صالح (كتب أو قال، أن هناك) واحد كتل امرأته، وواحد أدخلوه السجن، إيه المشكلة؟ فالقضية كلها بالنسبة إليه مشكلة. ولذلك كل ما أظن بأني أصبحت شيئا- والانسان طبعا مليء بالغرور والخيلاء، ولا أبريء نفسي، أتذكر الناس الذين جئت منهم، وأتذكر عمي، أنه “إيه الحكاية يعني، إيه الدوشة ذي”؟ أنا أشكر كل الإخوة الذين تفضلوا بإكرامي بكلامهم الجميل عني، وهو كلام مخلص، أنا أقبله على أنه مخلص ومليء بالحب. أشكر السيد صاحب الدار المضيف، وأتمنى له مزيدا من الخير والنعمة، ومزيدا من الدعم للأدب والأدباء والفكر والمفكرين. وأشكر صديقي الدكتور زياد. وقد أعجبني في كلمة الدكتور زياد أنه في واقع الأمر وضع يده على جملة مفتاح في – الدكتور إياد، آسف، أعرف أنه إياد، ولكن لرهبة الموقف يتحول إياد إلى زياد. إياد اسم جميل، وكنت أتمنى لو رزقت ابناً أن أسميه إياد، ولكن (ذلك) ما حصل. فأنا أبو زينب ولست أبو إياد. قلتُ، الكلمة الجميلة التي قرظني بها، أطربني فيها أنه وضع يده على جملة مفتاح في عمل ضو البيت- عمل لا يذكر كثيرا- لما قال على لسان واحد اسمه سعيد عشا البايتات القوى، البايتات القوى هو تحريف ليبيت الطُوى، وعشا البايتات القوى هو الفتى الذي يحمي العشيرة. وهو شخصية لا ينطبق عليها الوصف. فتحول إلى مؤذن، وكان صوته قبيح، فأصبح مؤذن. ولعلي أنا وضعت شيء من نفسي فيه، فأنا ما عندي مؤهلات، وبقيت كاتبا سبحان الله! فقال لما طلع المئذنة، قال: فرّيت الصوت – فريت، عندنا، ولا أعرف إذا (هي) عندكم أم لا، تعبير فصيح- الصوت يا إخوان، طلع الصوت ما هو صوتي، مش بتاعي أنا، أنا ما عملت شي يعني، صوت مليان بالأحزان، كما ما قرأها الدكتور إياد، قال ناديت للغياب والحضور، للمهزومين والمكسورين، للصاحين والسكرانين، للنصارى والمسلمين، وهذه أخونا إياد لعله حذفها تحرزا، أنا طبعا ضيف، ومسافر(ضحك). قال ناديت للصحيانين والسكرانين، والنصارى والمسلمين. ثم أنه قال، شعرت كأن الملايكة والشياطين ردوا قالوا آمين آمين. وغريب أن الرواية هذه لم تسبب لي ما سببت لي “موسم الهجرة” من المشاكل، لأن فيها مشاكل. فهذا كان المفتاح حقيقةً للعمل. ووقتها أنا كنت في أزمة، أزمة فنية، فلما وصلت للنقطة هذه انفتح الباب ومشينا. فأنا أشكره على كلمته الجميلة المحبة. وقد سألني أسئلة كثيرة، لعلي إذا وجدت الزمن خلال هذه الأمسية- (ثم) هي الأمسية هذه كلها ستكون كلاما أم فيها عشاء، هههه! وأحب (أن) أتكلم عن أحمد مختار أُمْبو، صديقي. أشكر صديقي وابني- أظن (أنني) أستطيع أن أسميه ابني بحكم السن. أنا بالمناسبة تجاوزت الستين بقليل. وأفتكر أنتم حقكم في المناسبات القادمة لا تذكرون أسماء- الناس الذين تجاوزوا الخمسين، لا تذكروا أعمارهم. يعني من ناحية فالانجليز يقولون ال gallantry (غالبا أنه يعني اللطف واللباقة والمجاملة). فإلى حد الأربعين الواحد يفرح أن يقولوا (عليه) كاتب شاب، بعده 50، 60 معليش خليها تعدي يعني. الدكتور المِعطاني أنا أشكره جدا على ما تفضل به نحوي. وأنا حقيقة بهذه المناسبة أنا لم أغضب من الدكتور منذر العياشي، لأني ظننت أنني فهمت ماذا يفعل. هو لم يرد سوء، لكني أعتقد أنه انساق مع جو الجلسة، فأراد من ناحية كما أنا فهمت، لأني أنا أنهيت الكلمة بنداء نحو التفاهم والمحبة وجبت الآية الكريمة {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}. لعله فكر وقال يا أخي شوف الراجل هذا إلى أي حد هو سيقول سلامٌ عليكم، يعني هل سيغضب؟ ثم هو من ناحية يعني أراد أن يمتحن سعة صدري، وأرجو ألا أكون فشلت في الامتحان. لأني ما زعلت حقيقةً. الشيء الثاني هو محق إلى حد ما، بحكم وجهة النظر، بحكم الزاوية التي ينظر منها إلى الأدب، أن يفعل ما فعل. ولكن لعله، يعني قطعا كان من الممكن أن تجيء كلمات ثانية- أشياء من هذا النوع. على أي حال أنا متأكد بأنه لم يرد سوء ولم ينو شراً، وعلى أي حال أنا مشيت النهار هذا واعتمرت الحمد لله، وليس في نفسي أي شيء. فقط أرجو (أنه) لما يجيه ضيف آخر، شوية يهاود معه يعني. هؤلاء العلماء بعضهم يأخذون الحكاية بالجد أكثر من اللازم. طيب يا أخي أنت أخذت دكتوراة من السوربون أو من مونبلييه، معليش يا أخي كله سواء. نحن لسنا كلنا، “مش كلنا أدّك”، على رأي إخواننا المصريين. فهذه أرجو، أرجو، ألا تترك أثراً إطلاقا هنا بعد رحيلي. وأنا أشكر الأخ مشعل السديري على كلمته الجميلة، التي أيضا كانت مليئة بالحب. وقال فيها جملة أعجبتني؛ أنه لما مصطفى سعيد، حينما أغرقته، أو أنا ما قلتها بوضوح- فقال: “أراد أن يغرقه في طين أرضه كي يكون سمادا لها”. هذا أجمل مما كتبته أنا. هذه الجملة يا ليت كنت عرفتها من زمان، جملة جميلة جدا. وهذا الشاب المتوهج عبد الله نور، أيضا أنا قابلته في الرياض العام الماضي. وأنا محب للشعر حقيقة. إذا أحببت الشعر أحاول أن أحفظه وأرويه. وأحب الناس الذين يحتفون بالشعر. وعندي من معاييري في الناس، إذا الشخص ما أحب الشعر، (فأنا) ما عندي معه كبير غرض. حتى في النساء زمان أيام الجهالة، الحمد لله نحن الآن يعني بقينا كما ما قال الرجل، قال رأتني كأشلاء اللِجامِ، فبقينا كأشلاء اللجام. زمان أيام الجهالة كانت المرأة التي لا تحب الشعر سواء أوروبية أو عربية هذه أنت أبعد منها، ما أظن فيها فائدة، ولا خير. وكذلك أشكر الأخ فؤاد، وأشكر الأخ محمد علي قُدس، الذي حقيقةً يعني أغدق علي كثيرا من اللطف والعطف منذ أن حللت (في) هذه البلاد. وأشكر الأخ شريف منصور بن سلطان، والشاعر أحمد باعُطُب. أحمد باعُطُب قصيدته توحي بأنه- تعرف في عرس الزين؛ الزين كان يقول أنا مكتول في دار فلان- فأخونا أحمد باعُطُب باين عليه أنه مكتول في أمدرمان، وأشكره على قصيدته الجميلة. ثم الأبيات الجميلة من الدكتور زاهد زهدي. مثل هذا الاحتفاء أكيد أنه يثلج صدر الكاتب والأديب والمفكر، لأن العملية هذه تتم في عزلة وفي وحشة، فمثل هذا يزيل الوحشة. حتى النقد، أنا أؤمن بأن النقد يجب أن يقوم على الحب، على المحبة. لأني لا أؤمن أن هناك نقد موضوعي بالمعنى المطلق. ويعجبني جدا في التراث العربي الشعراء والأدباء الذين يتحيزون. ينحازون بوضوح إلى شاعر. يعني انحياز أبي العلاء لأبي الطيب شيء مؤثر غاية التأثير. وانحياز ابن جني للمتنبي كذلك. لابد للواحد أن يحب شيء ويحب أن ينوه به، وينقل هذا الحب إلى بقية خلق الله. وطبعا كلمة المحبة هذه كلمة تبدو مكرورة ومعادة، ولكن أنا أحس بأنه يجب أن نصر عليها، برغم كل شيء. في نهاية الأمر أنت ماذا ستفعل؟ أنت تريد أن تقيم مجتمعا، إما في أرض واحدة أو مجموعة أراض تلتئم مع بعضها، وإما ناسٌ يفني بعضهم بعضا، كل واحد (فيهم) متأكد من رأيه. أنا يخيفني الناس الواثقون من آرائهم. أنا والله ما أدري، حقيقة، وكلما يتقدم بي العمر أحس بأني لا أدري، ولذلك لما أقابل ناسا متأكدون وواثقون من آرائهم، أخاف. مرةً سألتُ صديقا سودانيا كان عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب الشيوعي السوداني بعد محاولة انقلاب هاشم العطا، وكان وزيرا وانتهى به الأمر أنه خرج. قلت له يا أخي، هل خطر في بالك أبدا- والكلام هذا كان ربما في سنة 72 أو نحو ذلك، قلت له هل يدور في خلدكم أنكم قد تكونون مخطئين؟ قال لي أبداً، إطلاقاً. واحدٌ واثقٌ إلى هذه الدرجة من جميع عناصر الزمان، والمكان، والاحتمالات- هذا شيء أنا أجده في منتهى الغرابة. فإما أننا يفني بعضنا بعضا وتسود فئة على فئات أخرى، وهذا هو المُحاول، يعني مما قامت قضية فلسطين، على أقل تقدير، إلى يومنا هذا، آراء تصطرع، وكل رأي يريد أن يكون هو السائد. أو أننا نجد وسائل للتعرف والتعايش بعضنا مع بعض، والآراء نفسها تتعايش. والحكاية طويلة، الدنيا ماشة. الله يعلم ماذا يحصل فيها، ولا أحد من الناس يملك مفاتيح الحكمة. ولذلك أنا أدعو باستمرار- رغم أن هذه الدعوة تقتضي مني ربما نوعا من الكمال الشخصي ليس لي، حقيقةً، إنما نقول، مهما كان. وفي “مريود”، وهو عمل أنا أحبه، هناك رجل اسمه الطاهر ود الرواسي. الطاهر ود الرواسي هذا لا كان يصلي ولا شيء. ولكنه كان رجلا فاضلا في سلوكه، وفي طاقته على الحب. ولذلك هو يقول، قال “يوم القيامة”، إذا لم تخني الذاكرة: “لما يجو الناس شايلين صلاتهم، وزكاتهم، وحجهم، وسجودهم، وركوعهم وسجودهم، أقول ياذا الجلال والجبروت، عبدك الطاهر ود الرواسي ولد حواء بنت العريبي، يقف بين يدي جلالك ما عنده شي يضعه في ميزان عدلك سوى المحبة”. هذا كله! والله أعلم، لعل الله سبحانه وتعالي، كما يقول السعدي، الشاعر الفارسي، قال: واخوفي يا إلهي اذا جئت يوم القيامة وأوقفتني في نفس الموقف مع حامل خرقة الخمر. نحن لا ندري، فلم التزمت؟ ولم التشدد؟ ولم تعذيب بعضنا بعضا ونحن لا ندري! أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وأشكركم على احتفائكم بي وعلى حسن ظنكم بي.
غازي الزين عوض الله: كيف يستطيع الأديب الروائي أن يوفق بين الحرية والالتزام في نظرية الأدب؟ وأين موقعك الجغرافي من هذه الخريطة؟
بالمناسبة يا إخوان، أنتم لو أذنتم لي، أنا أقترح عليكم أنه هنا يوجد أساتذة أجلاء موجودون، وكلكم كذلك، فليس من الضروري أن أتولى أنا الرد على كل الأسئلة، فهناك دكتور الشكعة مثلا، ثم أن الأسئلة صعبة. فالسؤال هو كيف يوفق الأديب بين الحرية والالتزام. أنا أظن حكاية الالتزام هذه، والله أعلم، وفينا ناس لعلهم أدرى مني- قضية الالتزام هذه متى جاءتنا نحن في العالم العربي؟ جاءتنا ربما في الخمسينات، لعلها الأربعينات أو الخمسينات. بعد الحرب يعني. لأنه حسب علمي، فهذه القضية عملوها الفرنسيين، وعلى وجه التحديد جان بول سارتر. والدكتور منذر أظنك أنت أخدت شهادتك من فرنسا، فأنت تعلم هذا. وأرجو أنه إذا (كان) عندك رأي في هذا الموضوع فقله. جان بول سارتر كان أشياء متناقضة، كان كاثوليكيا، وكان شيوعيا، وكان وجوديا. وكان فرنسيا، لأن كون الانسان فرنسيا عندهم، فهذا نفسه شيء فوق كل هذه الامور. فأراد أن يجد مخرجا يربط به كل هذه الأشياء، فعمل حكاية الالتزام، engagement ، واشياء مثل ذلك، صحيح؟ نلقط بعض كلمات مع الفرنساويين. قاموا اخوانا اللبنانيين فترجموا أعمال سارتر في بيروت وقالولنا التزام وما أدري ماذا، شبكونا بالقضية هذه سنوات. والحكاية هذه نحن لا تهمنا حقيقة، لأن نحن لنا مشكلتنا، لنا مشاكل مشابهة، ولكنها نابعة من منطلق فلسفي وفكري ووجودي- إذا أحببنا أن نستخدم ذات الكلمة الخاصة بالجماعة هؤلاء – مختلفة. إذن نحن نجد حكاية أخرى، ربما مسئولية، أو ربما أشياء أخرى. أنا شخصيا هذا الأمر ما شعرت بحدته، يعني ما شعرت أن هناك تناقض بين هذا وذاك إلى الآن.
عثمان مليباري: يا سيدي سررنا من كلامك الرصين وحديثك الممتع. وبصفتك أحد الأدباء السودانيين، ومن الروائيين المشهورين في العالم العربي، نود معرفة رأيك في كُتاب القصة في السودان الحبيب، وهم الأساتذة معاوية محمد نور، الطيب زورق أعتقد (زروق- صححه الطيب صالح)، عيسى الجلو (المقصود هو عيسى الحلو)، عثمان على نور، على المك، وزبير علي، ولك عاطر التحية.
أنا سآخذ ربما اثنان أو ثلاثة من هؤلاء. سآخذ معاوية محمد نور، وعلي المك. آآآآ، (نعم)، سآخذ اثنان. معاوية محمد نور كان من نوابغ السودانيين. تعلم في كلية غردون أيام الانجليز، وكان من معاصري وأنداد أناس مثل محمد أحمد محجوب، رحمه الله، الذي أصبح رئيسا للوزارة، وكان شاعرا مجيدا. وكان محبا للغة الإنجليزية ونابغة في هذه اللغة. الإنجليز، لسبب ما، ما أرسلوه إلى أكسفورد أو كيمبردج. وهذا شيء غريب. (ذلك أن) أن المستعمرين مفترض بهم أن يحببوا الناس في ثقافتهم، (ولكنهم) ما عملوا ذلك معه. راح إلى بيروت ودرس على حساب أهله في الجامعة الأمريكية في بيروت. درس اللغة الإنجليزية. ثم ذهب إلى مصر وعاش فيها، واتصل بالعقاد. وكان يكتب مقالات، حقيقةً حين يُقرأ بعضها هذه الأيام، نجده ما يزال متقدما على زمانه. العقاد أشاد به إشادة كبيرة. (ثم أنه) عاد إلى السودان، ومات المسكين في ظروف مأساوية. وإلى الآن هذا الرجل- مات وعمره ربما كذا وثلاثون، ربما 32 سنة، وحياته كانت مليئة بعناصر المأساة- وإلى الآن، لم يجد حقه من التقدير الكافي حتى من السودان. علي المك، رحمه الله، صديقي، توفي منذ شهر. علي المك كان أستاذا، بروفيسور، في جامعة الخرطوم. وكان يكتب المقالة والقصة. وكان من أكثر الناس علما بالحياة السودانية، وبمدينة أمدرمان التي نشأ فيها. ويعرف كل الأجواء: الغناء والشعر القومي. موته خسارة كبيرة جدا، وأنا أضمر له احتراما كبيرا وأترحم على فقده.
د. محمد حمدون: في دومة ود حامد انتهينا مع الطيب صالح إلى أن المكان متسع جدا. يتسع للضريح والدومة والمحطة والباخرة. بعد هذه السنوات والأحداث هل لا يزال المكان متسعا جدا؟ وهل كثر بيننا الأولاد الغرباء؟ أم لا نزال غرباء؟
هذا سؤال جميل جدا. هذه القصة بالمناسبة قصة أحبها لأني كَتبتَها في، كتبتُها – بالمناسبة أنا أخلط العامية بالفصيح. السوداني يقول كتبتَها ويقصد كتبتُها. وهو موجود أظنه في اللغة الفصحى كذلك. صحيح؟ بالمناسبة هذه، (ذات) يوم أنا لقيت بأن بعض الأشياء التي يعتبرونها أعجمي- من عجمة اللسان، هي عربية. لقيت أن الحاء من الممكن أن تُحوّل إلى هاء. يعني تقول مهمد بدلا من محمد. إخواننا أشقاءنا المصريون نحن نضحك عليهم ويضحكون علينا. مرات يقولون (عنا أننا) نحن نقول مهمد، أو أُسمان بدلا من عثمان. حتى أُسمان (هذه)، تحويل العين إلى ألف موجودة في اللغة. وأنا وجدت- وكل الناس هنا رجال فالواحد لا يتحرّص كثيرا، وجدت الرجل العربي قال: وما الناس إلا آير ومئير. وطبعا هذا المعنى ليس ما قد يخطر على البال، فهو قال عائر ومعير. يعني أنت لما تقول أُسمان، فأنت لم تخطيء في اللغة. يعني (في) عثمان العين تتحول إلى (ألف). وتحويل الطاء إلى تاء كذلك إذا به في اللغة. المتنبي قال، طبعا كما أنتم عارفون- قال: غضبت له لما رأيت صفاته بلا واصفٍ والشعر تهذي تماتمه. ليست طماطمه. هو قال تماتمه أم طماطمه؟ (المعني بالطماطم هنا الكلام غير المفهوم). على أي حال، السؤال هذا سؤال أعجبني. وبالمناسبة، أنا أقول لكم، أنا زول ضيف في هذه البلد ومسافر. وقالوا (إن) الزول الضيف يقول ما يريد قوله. ثم قد تجاوزنا الستين، يعني نخاف من ماذا بعد هذا؟ سأقول كل ما يخطر على بالي، وأنتم أحرار (بعدها). السؤال هذا جيد جدا، لأن هذه القصة كما قلت، كتبتها في ساعة صفاء عام 60. وكنت عند أهلي. وكانت الدنيا رمضان. وكنت أكتبها، وكنت صائما طبعا. وهناك ذلك الأخ، من هو؟ الذي قال: الطيب (نعم)، ولكن الصلاح الله أعلم. والله هي حتى الطيبة الله أعلم، خلِّك من الصلاح. نحن معتمدون على رحمة الله. وكتبتها ببساطة شديدة وبإحساس، بدون أي كُلفة. الغريبة (أن) النتيجة التي توصلت إليها، أن المكان يتسع لكل شيء، للباخرة، والضريح، ومكنة الماء- لم أجد في حياتي إلى الآن شيء يجعلني أغيرها. وأنا أظن أن من مشاكلنا في العالم العربي أننا نريد للمكان (أن) يتسع لشيء واحد. هذه تبدو (مسألة) بديهية حقيقة لأي عاقل، تبدو من البديهيات أن المكان واسع ولابد أن يكون فيه أشياء متنوعة. هناك أناس يريدونه أن يأخذ شيئا واحدا، إما هذا وإما ذاك. ليس هذا وذاك. ولعله ربما (أن) مهمة الأدب والفكر والفن في هذا العصر بالنسبة للعالم العربي، هي تأكيد هذه الفكرة البسيطة.
الأستاذ نادر صلاح الدين من مجلة المنهل: الإبداع قد يستكين ولكنه لا ينتهي. وعلى الرغم من ذلك فيبدو أن متاعب الحياة قد حرمتنا من الروائي الأديب الطيب صالح. نتمنى أن يكون هذا الحرمان من إبداعاته مؤقتا، وأن يسعدنا ببشرى إبداع جديد في الطريق.
إن شاء الله، بإذن الله.
الأستاذ إبراهيم علي الوزير: في هذا الزمن الصعب الفاجع الذي يمر به العرب والمسلمون، حيث وصل الإنسان إلى تمزق، وكراهية، وضياع، وشبه غيبوبة تكاد توحي بالموت، هل سنشهد قصة تصور هذا الواقع ووسائل الخروج من ظلماته بريشتك المبدعة الخلاقة المضيئة للطريق؟
هذا السؤال يمنحني الفرصة لأقول كلمتين عن دور الرواية العربية. هو حقيقةً أنا ما أظن أن هناك واحدٌ سوف يضيء الطريق. لا في الفكر ولا في الإبداع. هناك مجموعة من الناس يشتغلون، وكل واحد يضيء مساحة صغيرة. والرواية- دائما الناس يقولون عن الرواية العربية هل هي عالمية أم غير عالمية؟ أنا أظن (أن) الرواية العربية عالمية بجميع المقاييس. وهناك مجموعة من الكتاب كل واحد فيهم بدأ يستكشف قضية أو مشكلة. والأمور هذه كلها لما تُلم مع بعضها، وربما النقد- ربما وظيفته الأهم ليست هي أن أنت تقول والله العمل هذا هل هو وصل درجة العالمية والكذا. أنت لمها مع بعضها، دعها تكون تياراً، بدلا (من أن يكون) كل شيء منعزلا. أخونا حينا مينة يعمل عملا جيدا جدا في سوريا. عندك في مصر ما شاء الله عدد (معتبر)، من أستاذنا الجليل نجيب محفوظ، وأستاذنا الجليل يحيى حقي، ويوسف ادريس رحمه الله وكثيرون (غيرهم). عندك في المغرب. (كذلك) عندك عبد الرحمن منيف. عندك في تونس مثلا، هناك كاتب أنا أعتبره كاتب كبير جدا اسمه البشير خريٍّف. لُمّ يا أخي الحكاية هذه ودعها تكون تيارا. لأنه الآن هناك ميل في البلاد العربية (أصبح فيه) كل أناس يركزون على الشيء العندهم، وبعدها قد يهتمون (بغيره). هذا مهم جدا، أهم من أن يجيئك واحد يكشف أو يضيء القضية، وهذا مستحيل.
السيد عيسى عنقاوي: ماهي أسس وركائز الرواية الحديثة اليوم؟
سؤال من أحد الحضور كان غير واضح تماما لبعده عن الميكروفون: هل توقعت أن تبقى سليم الرأس بالرغم من كل الانقلابات في السودان؟
هذا سؤال جيد، وماله؟ نرد عليه! أنا يا سيدي بقيت سليم الرأس لأني ما كنت في السودان أيام الانقلاب. وإلا لساقوني كما (فعلوا مع غيري). السؤال الأخير ماذا كان؟ الأسس والركائز، لا لا، عاد شوف، لما تصبح الحكاية فيها أسس وركائز أنا مالي دعوة. هذا شغل الدكاترة الأكاديميون أصلحهم الله. هؤلاء يا أخي الناس دفعوا لهم الفلوس وعلموهم لكي يقولوا الأسس والركائز. خلًّ يا أخي الدكتور منذر العياشي يقول لك إيش الأسس والركائز.
الأستاذ رفقي الطيب: ماذا فعل العسكر بناس السودان الطيبين؟ إنني أسألك بعيدا عن المقولة المشروخة بعدم التدخل في شئون الآخرين، فنحن أمة واحدة ورسول الإسلام العظيم يقول “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، ولذا فأنا أطلب منك الجواب.
لا جدا والله. وهذا سؤال جيد، وبالفعل كل واحد في هذا الوقت في الأمة العربية الإسلامية مسئول عن إخوانه، وقالوا كالبنيان يشد بعضه بعضا، المسلم للمسلم. أليس كذلك؟ لا، لكم ألف حق (في السؤال). أحيانا الواحد إذا افتى- أبدى رأيا، في شأن في المغرب مثلا، يقوم المغاربة يقولون له أنت إيش عرفك بالمغرب؟ لماذا يا أخي؟ كلنا إخوان. أنا طبعا من ناحية المبدأ، وبحكم تكويني الفكري؛ حقيقة لا أؤمل خيرا كثيرا من العسكر في الحكم. هم ناس فضلاء وجيدون، وهذه هي المشكلة، أنك تبعث واحدا إلى سان سير (المدرسة العسكرية الفرنسية الشهيرة) أو إلى موسكو، أو إلى أمريكا وست بوينت (الأكاديمية العسكرية للجيش الأمريكي)، فيذهب ويتعلم عمل الجيش. ثم بعدها يجيء ليعمل حاكما! والحكم هذا ليس لعبا. يا أخي الواحد لكي يصبح حدادا أو نجارا لازما له من خبرة. كون أن يجيء واحد وُليْد، ضابط، يصبح الصباح فتجده أصبح حاكما، ويمضي يجرب في البلد لحد أن يُتعب البلد ويَتعب هو، كما فعل أخونا جعفر النميري (فهذا غير مقبول). النميري هذا من جيلي ومن دوري، ولكن لسبب ما، (عند) هؤلاء الناس لا أدري ما هو، ماذا يجعل واحدا أن يقول أنه قادر على حكم بلد. أنا أظن أن الحكم هذا حكاية صعبة للغاية، (حتى أن) الواحد يخاف منها. زمان نحن كنا نعرف في تراثنا أن الصحابة رضوان الله عليهم، كان عمر بن الخطاب العظيم، يأتي للرجل ويقول له أريد أن اجعلك عاملا، فيهرب الرجل، يشرد، ينجو بجلده. لأن الحكاية ليست لعبا. فهؤلاء الناس عندهم الجرأة، والله أعلم، (كذلك عندهم) عدم الحساسية، وذلك أنه يظن أنه بما أنه يستطيع قيادة الدبابة، فهو كذلك يستطيع أن يحكم البلد. وقد جلبوا علينا شرا كثيرا، لأن السودان حقيقةً كان بلدا رائعا، ولا تزال فيه بقايا. كان فيه الناس مسلمون، وإسلامهم حسن. فيهم تسامح، تكافل، ترابط. وكان المطلوب من الحكومة أنها أولاً ألا ترتكب الأخطاء. ثانيا، أن تساعد الناس. فقط هذه هي كل الحكاية. أما أن تعمل ثورة وتغير تبدل، فما أظن ذلك قد نفع معنا.
الأستاذ أمين عبد السلام الوصابي: تمثل الرواية جنسا أدبيا رفيعا ومهما، لأن الرواية أصبحت في الوقت الحاضر تنافس الأعمال الشعرية. ومن هنا فإن النماذج الروائية التي نقرأها في الوقت الحاضر، معظمها تحمل طابع الرمزية، يصعب على القارئ فهمها واستيعاب مضمونها. السؤال: ما مدى اقتراب الرواية العربية بصفة عامة بالواقع في الوقت الذي تعتبر الرواية نسج خيالي أكثر منها نسج واقعي.
والله هذا أيضا سؤال ممتاز، وأيضا هو سؤال يخص الدكاترة، لكن معليش، الأمر سيّان، نخوض في هذا البحر. لأن قضية الواقع والخيال- العالم المتخيل، هذه قضية كبيرة في الأدب طبعا. وهناك أناس يقولون أنه لا يوجد واقع أصلا، لأن الرواية واضح أنها عالم مفتعل. ولكن أيضا لديها صلة من نوع غريب بالواقع. أنا أعجبتني أبيات الحسن بن هانئ غفر الله له، وكتبتها في مقدمة “مريود”. أنا لا أقول أبو نواس، لأن الواحد إن قال أبو نواس، فمباشرة الناس ربما استعاذوا بالله. ولكنه شاعر كبير. وهذا الذي يهمنا. أبو نواس، تعرفون الأبيات طبعا، قال: غير أني قائل ما أتاني من ظنوني/ مكذِّبٌ للعيان/ آخذ نفسي بتأليف شيء/ واحد في اللفظ شتى المعاني/ قائمٌ أو قائمٍ، إذا أحببت، يقولون يا مولانا قائمٌ أم قائمٍ؟ قائمٌ على افتراض أنها خبر لمبتدأ محذوف، وقائمٍ (على افتراض) أنها صفة، أم ماذا؟ يمشي الحال؟ أنا أحب قائمٌ الغريبة. قائمٌ في الوهم حتى إذا ما رُمتَه/ رُمتَ مُعمّى المكان. وليس أبلغ من هذه الأبيات في التصوير. وأنا وجدتها في الديوان رمتُهُ ولكني أردتها رمتَهُ، لأنه كان يخاطب شخصا. فأنا أعرف أنها مكتوبة رمتُهُ، ولكني أفضل حتى إذا ما رمتَه. يعني أنت أيها السامع، القارئ، لما أنت تجري خلف المعنى الأنا وضعته، ستجري خلف معمى المكان. طيب أبو نواس قال ماذا أيضا؟ أبو نواس في مسألة الرمز مثلا- والكلام كثير عن الرمز والهوية والأشياء هذه، فهو عندما يصف يقول: أديرا علي الكأس تنكشف البلوى، وهذا مطلع ذاته مريع: تنكشف البلوى وتلتذ روحي طيب رائحة الدنيا، إلى أن يقول: عقارٌ – وإذا أخطأت صححني بالله، أبوها الماء والكرم أمها/ وحاضنها حر الهجير إذا يحمى. ثم إنه يقول لك: شآمية أو عراقية الأنساب، عراقية، لا لا، أنت يا أخي لخبطتنا الله يجازيك. قال: يهودية الأنساب، أي نعم، يهودية الأنساب مسلمة القرى/ عراقية المغزى/ شاآمية المنشأ أو لعلها العكس، مجوسية قد فارقت أهل دينها/ لبغضتها النار التي عندهم تُكوى. يعني شوف فكرة الهوية التي يقول عليها إخواننا الفرنسيون ال identité، ملمومة من أشياء كثيرة جدا. فالحكاية هذه طويلة، وأنا أترك هذه الحكاية. إذا أخونا منذر يود أن يتكلم فيها أظن أن تمنحوه الفرصة، منذر العياشي.
الأستاذ نبيل عبد السلام خياط مدير العلاقات العامة بنادي مكة الثقافي الأدبي: عندما تبدأ في كتابة قصة فما الذي يدعوك للكتابة؟ ولادة الحدث أم وجود الشخصية أم هما معا؟ وما مدى ارتباط كل من الحدث والشخصية.
أووو. هذه حكاية عويصة للغاية. أنا على أي حال تجربتي ليست كتجارب الناس الآخرين. أنا يكون لدي شيء يستمر معي مدة طويلة جدا. أحداث وأفكار وافتراضات أحيانا. وتتجمع بعضها مع بعض، ولكني أحاول أن انتظر إلى أن تتحول الأحداث إلى ما يشبه الأحلام. ولذلك أنا دائما أقول أنني لا أصور الواقع، ولا أعرف ما هو الواقع حقيقةً. الواقع معقد إلى درجة أن الانسان حتى من الناحية الحسابية البحتة يستطيع أن يهمله. وكما يقولون فال intangible، أي الأشياء المستحيل حسبانها، كثيرة، فهذا ما يحدث لي.
الأستاذ عبد الحميد الدرهلي: يبدأ المذيع في الإذاعة المسموعة والمرئية في المملكة بأسعد الله أوقاتكم بكل خير. هل المراد في بكل خير مقبول أو يتلاءم مع اسعد الله أوقاتكم؟ وأنتم لكم باع كبير في الإعلام والمذياع، هل تبدون رأيكم حيال ذلك مع توجيه النصيحة لتصحيح هذه العبارة إن أمكن؟
والله أنا أجدها عبارة جميلة. يعني أسعد الله أوقاتكم بكل خير، إلا أذا كان اللغويون اعترضوا عليها. ما له يا أخي! يعني زيادة في السعادة. أنا فقط كانت تغيظني عبارة- لما كنت أعمل مديرا لوزارة الاعلام القطرية- قضيت الكذا سنة الأنا اشتغلتها هناك، أحاول أن أصلح شيئا وما قدرت على ذلك إلى أن سافرت. كان يغيظني جدا المذيعون في التلفزيون، يقولون ماذا؟ “وقتا ممتعا نرجوه لكم”. دائما هكذا. يا أخي، أقول له، لا تقلها مرة أخرى! ومرات لا داع لقول أي شيء، لأن المتفرج يعرف إن كان الشيء ممتعا أم لا. وخصوصا المذيعات، ويقلنها كذا منغمة: “وقتا ممتعا أرجوه لكم”. هذه فقط تغيظني، ما تبقى كله لا بأس به.
على كل حال كان وقتنا ممتعا بصحبتكم والاستماع إليكم واستضافتكم هذه الليلة. وأيضا سعدنا بهذا الحضور الطيب. وفي نهاية هذه الإثنينية يسر صاحب الإثنينية أن يقدم هذه اللوحة لضيفنا الكبير الطيب صالح. وهناك لوحة أيضا من الفنان خالد خضر بهذه المناسبة. وتفضلوا جميعا على مائدة العشاء.
wmelamin@hotmail.com
