عبد المنعم عجب الفَيا
كتب الطيب صالح*:
“لبثت دهرا، لا يخطر لي ان أزور أمريكا، أيام كان دخولها سهلا، والعقل أكثر استعدادا لتقبل المناخات الجديدة والتجارب الجديدة،. وما كان ذلك لقلة الفرص.
حين سافر منسي رحمه الله الي أمريكا، لم يمل من حثي على المجيء إلى أمريكا والاستقرار فيها كما فعل هو، ادرك فورا بقدرته المرهفة على انتهاز الفرص، أن تلك البلاد الشاسعة المتخمة الثراء بدت له كأنها (سائبة) ليست ملكا لأحد، تنطوي على احتمالات لا حدود لها.
كنت اقول له: “يا اخي. إذا كان لا بد من منفى، فليكن عند الإنجليز. هؤلاء قوم على علاتهم، عرفناهم وعرفونا. أما ان يقوم الإنسان من منفى يعرفه إلى منفي لا يعرفه ويبدأ من جديد؟ لا يا عمي، خلني حيث انا، وانت أمريكا مبروكة عليك”.
ثم ذهب صلاح أحمد محمد صالح الي واشنطن، مرة ملحقا، ومرة سفيرا، فكان هو أيضآ يزين لي أمر المجيء إلى واشنطن. كذلك لم يخل الأمر من دعوات من جامعات ومؤسسات ثقافية.
الأمريكان، رغم ما نعلم من لؤمهم السياسي أحيانا، إلا ان جامعاتهم والحق يقال، تتبع نحو الكتاب والشعراء والمبدعين عموما سلوكا لا مثيل لتحضره واستنارته. لا توجد في العالم، جامعات تحتفي بهذا الصنف من الناس، كما تحتفي الجامعات الأمريكية.
من أمثلة هذا السلوك الجميل، انهم يدعون الكاتب أو الشاعر، ويجعلونه استاذا زائرا لمدة عام او عامين، فيتفرغ الي عمله الإبداعي، ومن وقت إلى آخر يعمل محاضرة أو يعقد سيمنارا.
لا توجد جامعة عربية واحدة، حسب علمي، تفعل هذا. وفي العام الماضي، منحت جامعة شيكاغو العالم الحبر الدكتور احسان عباس، الدكتوراة الفخرية.
كانت جامعة الخرطوم قبل مجىء هذا العهد، تسلك ذلك السلوك المتحضر. كانت من الجامعات القليلة في العالم العربي، وربما كانت الجامعة الوحيدة، التي تمنح دكتوراهات فخرية. الآن، الله أعلم، لكنني أرجح أن الظلام الذي نزل على البلد، قد طمس ذلك البصيص من الضوء.
عشرات المبدعين العرب، استفادوا من سخاء الجامعات الأمريكية، منهم صديقنا يوسف ادريس رحمه الله. كانت عبقرية يوسف ادريس ومزاجه لا تتفقان مع المناخ الأمريكي، فيما احسب، فظل رغم زياراته الي أمريكا، يراها لا كما يشتهي الأمريكان، الأمريكان الرسميون بالطبع. أما الشعب، فتلك قصة أخرى.
لم أعدم دعوة من هذه الجامعة أو تلك، فلم استجب لها، لأن أمريكا لم تكن من البلاد التي تغريني زيارتها. وما كان ذلك عن جهل أو كراهية، فقد أحببت بعض كتابها وشعرائها ونقادها وفلاسفتها، إنما البلد في مجموعها لم تكن تعني لي شيئا.
كنت أحب، لو تيسر لي، ان أزور أمريكا اللاتينية مثلا.، خاصة البرازيل، علما بأن معلوماتي عن ذلك الجزء من العالم كانت، وما تزال، أقل كثيرا من معلوماتي عن أمريكا.
وفي أول عهدي بإنجلترا بادرت الي زيارة فرنسا والدنمارك. مفهوم امر فرنسا، ولكن لماذا الدنمارك؟
بلى، لبثت زمنا اتقلب في البلاد، ولا احس باية رغبة في التحرك نحو الولايات المتحدة الأمريكية. ماذا يمكن أن يكون في أمريكا؟ تخيلتها يومئذ كأنها نسخة باهتة من العالم الانجلوسكسوني الحقيقي.
من الذي يترك لندن إلى نيويورك أو ديترويت أو حتى واشنطن؟ يقايض نهر (التمس) بأنهار ليس لاسمائها رنين. الهدسن والبتوماك، والله اعلم ماذا. ربما استثني نهر المسسبي، بسبب سحر الجنوب وروايات وليم فولكنر ومارك توين.
ومنطقة البحيرات في إنجلترا بكل ما علق بها من ضباب رومانسي بسبب الشعراء الكبار الذين عاشوا حولها وتغنوا بها، أين بحيرات أمريكا بصناعاتها الثقيلة ودخانها وبؤسها؟
ماذا يمكن أن يكون في أمريكا؟ ها هنا منبع اللغة الانجليزية والثقافة والحضارة الانجلوسكسونية الأصلية، وما أمريكا إلا صدى، مجرد صدى، من ذلك الصوت.
في عام ١٩٦٠ أرسلتني هيئة الإذاعة البريطانية الي نيويورك، فوجدت مدينة مثل الكابوس، كما خيل لي، اقامها خيال رجل أو رجال مجانين، وتأكد لي أسوأ ما تخيلته عن أمريكا.
بعد ذلك اتيحت لي فرصتان للعمل مع الأمم المتحدة في نيويورك فابيتهما، وظللت قانعا بنصيبي من الحضارة الغربية بانجلترا وشيء من فرنسا. اما أمريكا، فماذا في أمريكا؟
طبعا، ولأن الدهر لا تنتهي دعابته، فقد عشنا وراينا إنجلترا، أصل العالم الانجلوسكسوني، في سبيلها إلى أن تصبح بمثابة صدى لأمريكا ونسخة باهتة منها.
كان منسي رحمه الله، حين أذكر له محاسن العيش مع الإنجليز يقول:
“يا شيخ بلا انجليز بلا كلام فارغ. أصلك انت ما تعرفش أمريكا. انت تعال وحتشوف العجب”.
هوامش:
- مقال من كتاب (للمدن تفرد وحديث: الغرب) كتاب رقم ٤ بسلسلة مختارات الطيب صالح، وهذه المختارات تجميع للمقالات التي كان ينشرها بمجلة المجلة اللندنية في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بما في ذلك ما ظل ينشره اسبوعيا تحت عنوان (نحو أفق بعيد) بالصفحة الأخيرة من المجلة المذكورة.
- كتب الطيب صالح هذه الخواطر عند أول زيارة له إلى أمريكا، ثم توالت زياراته إليها بدعوات من جامعات ومراكز ثقافية وقد كتب عن هذه الزيارات مقالات شيقة ومحفزة على التفكير والتأمل.
عبد المنعم عجب الفَيا
٤ ديسمبر ٢٠٢٥
abusara21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم