بعد اسبوع من العدوان الجوي المصري علي مئات المعدنين السودانيين بمناجم جبل العقيدات (منطقة شمال الوادي)، والذي خلف وراءه وفيات بلغت في اقل الروايات مأساوية نحو ٤٢ شهيد و مئات المصابين، ما اثار حالة من المرارة في اوساط السودانيين بما فيهم الاوساط الداعمة لسلطة الانقلاب والحرب، وكان من تداعياتها الاعتداء علي سائقي الشاحنات المصرية ومقتل اثنين واصابة ثالث والذي تفيد اخر المتابعات ان مرتكبه جندي يتبع للقوة المشتركة الحليفة للجيش .. لا تزال ردود الافعال والتفسيرات قاصرة عن احتواء الحدث المأساوي!
فالرواية المصرية التي خرجت للعلن تتشبث (باهداب السيادة/وامن الحدود/ والأمن القومي/ وحماية الموارد/ وانفاذ القانون) و تزعم انها تتعامل مع (عصابات) اخترقت حدودها، و تمثل خطر أمني اكبر، يتمثل في نشاط مسلح، و تهريب مخدرات .. الخ كما تزعم انها القت منشورات قبل ان تتعامل مع المجموعات (المخترقة) بالقوة الجبرية الجوية!!
تلك الرواية مبتسرة، فهي لا توضح ما هو محتوي المنشورات التي القاها الطيران الحربي، وماهو مضمونها او كم امهلت المجموعات من وقت للاستجابة (للمنشورات)، كما لم توضح الرواية المصرية ما طبيعة الفعل بعد القاء القذائف (والمنشورات)؟ هل قامت بضبط أي افراد او ضبط (زعماء المجموعات والمسؤولين -المقاولين الذين جلبوا اؤلئك العمال- فمن استهدفتهم الغارة المصرية كانوا مجرد عمال بينما المستفيدين من العمل هم مقاولون ورجال اعمال/ارباب العمل، و لايضير رب العمل موت العمال لأنه سيجلب غيرهم) وهل اخلت المصابين و (دفنت الموتي)؟!! كل هذا طبعاً بتصديق فرضية ان (الغارة) وقعت داخل اراضي مصر؛ وهي الفرضية التي لم يقدم بيان الجيش أي دليل عليها حتي الأن.
لكل ذلك فإن الرواية المصرية طابعها تبريري محض، وتفقد المصداقية..
وهو تبرير فج لايحترم الدماء التي سالت، ولا الارواح التي ازهقت، كما لايحترم مشاعر ذوي الضحايا الذين صدمتهم بل فجعتهم المأساة..
لا احد يعترض علي ان تحمي مصر -او اي دولة أخري- حدودها، او ان ترعي مصالح امنها القومي، لكن كما يقال، فإن الأمور تقدر بقدرها، وان استخدام القوة يستلزم مراعاة ضوابط الاستعمال -التناسب- فان كانت القوات تتعامل مع اختراق للحدود كما زعمت؛ فهل كان التعامل -الحربي- الجوي هو الخيار الوحيد؟ وطالما كان هناك مجال لاقاء (منشورات) فلماذا لم يتم استصحاب قوة عسكرية راكبة او محمولة جواً مع الطائرات الهجومية ليتم ضبط الحالة باقل خسائر ممكنة؟ ليتم انفاذ القانون كعملية حقيقية!
فأي قانون هذا الذي يتم انفاذه بابادة واعدام (تجمع كامل) وعبر القصف بصواريخ الطائرات؟؟
بالمقابل فان الرواية السودانية (الرسمية) التي صدرت عن سلطة البرهان وكامل ادريس بدورها لم ترتقي لمستوي المأساة، اذ اكتفت بالحديث عن تكوين لجنة تقصي حقائق من النيابة والاجهزة الشرطية والامنية! برغم انها -الرواية السودانية- تستبطن ان ما وقع من هجوم وقع داخل الاراضي السودانية -وان لم تصرح بذلك بوضوح- ومع ذلك فانها تميل الي تجنب مصادمة القاهرة والتصدي لروايتها الرسمية، وبدلاً عن ذلك تتجه رواية برهان-كامل ادريس الي امتصاص الواقعة والانحناء لعاصفة الانتقاد و تحفز الرأي العام ضدها وضد حليفتها الشمالية حتي تمر او تهدأ !!
بين الروايتين الرسميتين (المصرية والسودانية) تنهض هناك الرواية الشعبية، وتلك رواية لا تجامل ولا تهادن ولا تعرف اللغة الدبلوماسية (وان كان يعيبها احيانا عدم التوثيق الدقيق، فهي بالتالي لاتعتمد لدي الجهات العدلية او حتي الاعلامية الدولية او الوطنية) وتلك هي الرواية الاقرب الي الارض و الواقع، و هي الاقرب الي الوجدان كذلك لأنها رواية المئات ممن شهدوا الحدث او عايشوا لحظات اعقبته مباشرة!
تلك رواية الناجين، ورواية المسعفين (فزع الرشايدة) ..
وعندما تكون الرواية الرسمية ضعيفة وهشة تتراوح بين التبرير والانحناء، فان الرواية الشعبية تسود و تسيطر، وتهزم روايات السلطات الرسمية، والسبب بسيط هو (القرب الي الحقيقة) فكلما كانت الرواية حقيقية او قريبة من الحقيقة فانها تنتصر علي الروايات الكاذبة ولو حشد لها مال السلطة وذهبها .
تخطئ السلطات السودانية والمصرية ان ظنت ان فاجعة شمال الوادي ستمر دون عواقب؟ وان ظنت ان سقوط الروايات الرسمية امام رواية شعبية حدث عابر؟
لقد ظلت السلطات (هنا وهناك) تكذب في كل يوم تقريباً وبنت عالم خاص بها من تلك الاكاذيب، عالم من (الاكاذيب المستقرة) لكن فشل واحد و انهيار (كذبة واحدة) ستجعل كامل عالمها من (الاكاذيب المستقرة) عرضة لانهيار سريع.. و فاجعة شمال الوادي كفيلة بتدمير عوالم الاكاذيب المستقرة في الشمال والجنوب معاً وفي وقت متزامن.
- ابونوره اوهاج
