في المدرسة يعلمونك الدرس ثم يختبرونك ،أمّا الحياة فتختبرك ثم تعلمك الدرس.
حكمة
(1)
رغم كل ما نعرفه عن الحكم العسكري الأول في السودان من أعمال ، فلن ننسىأنه منح نفسه السلطة التشريعية والتنفيذية ، وباع أرض”حلفا “بثمن بخس.وغطس التاريخ المُبجل في الماء وغرق واندثر؛لكن ” عبود ” رغم ذلك زار الولايات المتحدة الأمريكية عام 1961 بعد أن دعته ، وأحسنت الدولة العظمى استقباله. ويذكر لنا التاريخ أن رأس الدولة “عبود ” كان قد درس الهندسة سابقاً في “كلية غردون التذكارية” . واستطاع في لقاء خاص أن يُقنِع الرئيس الأمريكي”جون كيندي”بتمويل جزء من طريق الخرطوم بورتسودان ، الذي يبدأ بالخرطوم – مدني كمنحة . وانتزع منه الوعد ، وقد كان؛ حتى احتارت استشارية الرئيس الأمريكيلاحقاً ( كيف يوافق الرئيس على تمويل مشروع طريق يتكلف الكثير ؟!) .
لعبت المعونة الأمريكية لاحقاً،على إغراء الدول الناشئة بتجربة هدايا المعونة الأمريكية ، ومن بعدها ، تتعود على نمط الاستهلاك الجديد، وترتبط اقتصادياً كدولة مستهلكة ، تدعم اقتصاد الدولة العظمى .
(2)
انقضى الدهر مثل دوران الأرض ،لا أسرع ولا أبطأ . لكن عجلة الزمان أسرع في التغيير . كانت أوائل الستينات قضية ألقت الصدفة فيها بحكام أمريكا والاتحاد السوفيتي والسودان في زمن واحد ،مع توافق أنجُم غريبة التكوين والمنشأ والمصائر .
” نيكيتا خروشوف” رئيس الكرملين الذي جاء بعد رحيل “جوزيف ستالين “.وأعاد فوز الديمقراطيين رونق الحياة الأمريكية بالرئيس “جون كيندي” ، أحب الرؤساء وأصغرهم سناً عند تولي الرئاسة ، إذ له مقولة مشهورة : ( لا يجب أن نسأل ماذا فعلت بلادنا لنا ، ولكن يجب أن نسأل ماذا فعلنا لها ).
زار “عبود ” الاتحاد السوفيتي عند رئاسة “نيكيتا خروشوف” وأيضاً زار أمريكا عند رئاسة ” جون ف.كندي ” . وكانت أعوام 1963 و1964 ، أعوام الأفول ، غير الطبيعي .ميّزها التاريخ عما بعدها ،فقد اغتيل الرئيس كيندي عام 1963 و ذهب الفريق “عبود ” إلى إذاعة أم درمان ليتنحى عام 1964 بعد ثورة أكتوبر،وأُقيل ” نيكيتا خروشوف”عام 1964 .
(3)
هل يحب أصحاب السلطة عندنا الآن أمريكا كما يحبها شبابنا ؟
نعم ،.. يحبونها،
ويسعون سعياً حثيثاً ليزوروها.ومن بعد تَرِكة القيد الإيديولوجي الثقيل الذيبرر لهمالعداء للآخرين المُختلِفين. وتجارب ربع القرن هي التي أجبرتهم على ابتلاع الموسى ، والندم المبطن عما بدر منهم في بداية عصر الغلو و تهديم المؤسسات بدل إصلاحها وتطويرها. وما فعلوه في السِّر من أجل السلطة ، يتعين الآن أن يفعلوه في العلن دون استحياء :
قالوا : ( نريد أن نقيم علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية ) .أظنهم يحسدون بعضهمحين يحدّثون أنفسهم بحسرة: ( كيف يزور أمريكا مستجدِّي المناصب السيادية، ولا يزورها الحرس القديم من القادة )!؟.
(4)
كان ولايزال الحرس القديم في بلادنايحبون الولايات المتحدة الأمريكية من الباطن ، ويخفون ذلك الحب المرضي المُخيف ، حتى لا نكشف العلاقة القديمة المتجددة ، التي تمتد في جوف الخفاء . تعوّدنا سماعِهم يقولون دائماًما لا يفعلون ، لعلها ” التقيَّة ” !. لن تهزأ بعقولنا بالونات الاختبار التي تسُب أمريكا ،فلم يَدنُ بعد موعد “عذابها “رغم مضي ستة وعشرين عاماً على تاريخ الحملة الأولى عندوُثوب حركة الإخوان المسلمين بالليل لسرقة السلطة. وجاءت الرغبة اليوم صادحة وفي العلن:
(نحن نرغب في علاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ) .
– ولماذا الآن !؟
(5)
ليس من السهل على الدولة الثيوقراطية التي تطبق قوانين الماضي السحيق في معاملة البشر ، أن تتحدث عن الديمقراطية ، أو الانتخابات ، و نعلم أنه من الصعب على أهل السلطة إنفاق أموالٍ يضنُّون بها على شعوبهم ، فكيف ينفقونها من أجل انتخابات لا يؤمنون بها؟! .أمِن أجل الحِوار و الانتخابات والشفافية و مراقبة الانتخابات ؟ .
لا أظن ذلك . إن وراء الأمر سرٌ دون شك ، وأذهان شعوبنا الذكية ، القارئة منها وغير القارئة، تعلم السرّ وما يُخْفى .تحدّث أصحاب النفوذ عندنا عن تعطل السكك الحديدية والخطوط الجوية والنهرية وبسبب ” المقاطعة “تمإقامةالحواجز أمام حركة المال الأجنبي في الدولة ، المشبوه وغيره ، فما العمل ؟
إذا أعدنا النظر في قصة الدولة التي بدأت أول عهدها بتطبيق منهج ” الشاطر ” الإخواني المصري في ” التمكين ” : بغسل الخدمة المدنية والشُرطيّة والعسكرية والدبلوماسية والقضائية والأكاديمية في الجامعات من كافة غير المنتمين لحركة الإخوان المسلمين . وظنوا أنهم بذلك يسابقون المشيئة بالتمكين ، يهزئون بمشيئة رب العزة الذي جلّت قدرته ولكن هيهات!. أيريدون أن يساعدوا المشيئة بالتمكين ؟! . ألا يستحون من الفجور في مقام الربوبية ؟، وهم أدعياء العقيدة ، ويقولون ” ما لدُنيا قد عمِلنا ” !. ويقولون إنهم قد تنادوا لنصرة الدِّين !!. ألم يقرؤوا الذكر الحكيم :
{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ }الحج41
ألم يتدبروا أن الآية تتحدث عن المشيئة الإلهية والقدرة على التمّكين التي يهبها المولى من فضله لعبادِه الذين اصطفى، لا الذين يمكّنون أنفسهم بالمظالم !!
(6)
لم الإصرار على قيام الانتخابات ؟
فكم من مرة يتهمون معارضيهم بأنهم عملاء ، ويأتمرون بأوامر الأجنبي ، ولكنّا نعيد السؤال من جديد :
لماذا الإصرار على إقامة الانتخابات ، والدولة على شفا إفلاس مُدقِع ؟. إنها القضية التي يحاولون إخفاءها. لا بد أن هنالك شروطٌ لتطبيع العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ورفع العقوبات ، وأن الانتخابات ومشاركة الجميع جزء أصيل من هذه الشروط . ولن يُقنعنا أحد بأن أحزابَ لم نسمع بها من قبل ، تستضيفها التلفزة السودانية في أول المساء ، ويتحدث فيها من يدعون أنفسهم قادتها عن الفروع الحزبية في الأقاليم ، ومرشحيهم!. قال أحد السّياديين إن الأحزاب الي ستدخل الانتخابات قد بلغت 45 حزباً ، ومنهم من قال 95 حزباً !!
لِمَ الإصرار على الانتخابات ، وهي لا تمثل قناعة لكم ؟! ، وقد قمتم بتعديل دستوركم ، وكان من الممكن تعديل فقرة صغيرة تمدد لرئيس الدولة خمسة سنوات أخرى ، أوقل مدى الحياة!؟ ولبرلمانكم كما تشاءون، فهو تعديل للدستور وبأغلبية الثلثين من برلمانكم الحالي ، فما المانع ؟! .
المانع أن قضية الانتخابات لابد أن تكون ضمن الاشتراطات السرّية التي أكدهامُجدداً الدستوريون الذين قدموا من زيارة واشنطن . ولا بد أن تشارك في الانتخابات أحزاب معارضة ، وإن لم تكن هناك أحزاب ، فليصنعوا هم أحزاب معارضة لخدعة الدولة العظمى التي تقاطع السودان !!!
(7)
رؤيتنا أنهم سوف يتوسلون ولو واحدة من الطوائف الكبرى ، يجرّونها جرّاً إلى الانتخابات ، بالترغيب وبالترهيب لو استطاعوا ، لأن تفتيت الطوائف وحده لميستوفِ الشروط.وهم يعلمون أن الدولة العظمى اعتادت أن تمُد الجزرة أمام الجياع ، وتستبدلها في اللحظة الحاسمة باستخدام العصا ، وتختفي الجزرة آخر المطاف.لقد فعلت دولتنافيما مضى المطلوب منهاوصولاًللاعتراف بدولة جنوب السودان الوليدة ، و قد سلّموا 80% من ناتج البترول السوداني للدولة الوليدة ، وأقاموا الاستفتاء على انفصال الجنوب بدون ترسيم الحدود بين البلدين !!، ولم تتم تسوية قضية ” أبيي” التي انتمت لشمال السودان منذ 1905 ،ولا نعرف كيف تسللت إلى مفاوضات ” مشاكوس” و “نيفاشا” ؟!.ومن بعد مباركة دولتنا الانفصال في احتفال داوٍ في ” جوبا “، كان السلطويون ينتظرون المكافأة من الرئيس الأمريكي !!!. ولم تأتِ الجزرة أبداً .لم يلغ الحظر ، ولم تلغ الديون ، والمحاكمة تنتظر!.
لماذا إذن تُعاد القضية الخاسرة ؟
دعونا نغمض أعيننا ، ونقرأ المستقبل من معطيات الواقع الراهن:
لن تُرفع العقوبات ولن تُعفى الديون ولن تموت قضية الجنائية ، بل سوف تفتح عينيهاوتنهض من غيبوبتها السريرية ،لتبحث عن ” الأحبة ” ! .
وغداً لناظره قريب .
7 مارس 2015
عبدالله الشقليني
abdallashiglini@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم