نزار عثمان السمندل
تتمدّد الحرب في السودان فوق الأعصاب اليابسة كوحشٍ لا يكتفي بابتلاع المدن والبيوت والطرقات، وإنما يواصل مطاردة التفاصيل الصغيرة التي تُبقي الناس أحياء.
عطشٌ يجرّح الحناجر، ويتسلل إلى المطابخ، وإلى أكواب الشاي المرتجفة على الأرصفة، حتى صار الماء نفسه طرفاً في المعركة؛ سلعة نادرة، ومشقة يومية، طلقة مُضافة وامتحاناً قاسياً لقدرة الأهالي على الاحتمال. فالحرب التي بدأت بالرصاص، انتهت إلى مطاردة البشر في أكثر حقوقهم بدائية.
سنوات النار لم تترك للسودانيين رفاهية التفكير في الغد. الكهرباء تنطفئ لساعات طويلة، ثم تغيب أياماً كاملة، فتخرس محطات المياه، وتدخل الأحياء في حصار من نوع آخر. أصوات المولدات تختلط بأصوات القذائف، والناس يخرجون مع الفجر بحثاً عن برميل ماء، كما يخرج القتلة إلى جبهاتهم المفتوحة على الخراب.
الخرطوم التي كانت تستيقظ على صخب الأسواق وروائح الخبز والشاي، تصحو اليوم على طوابير طويلة تحت شمس حارقة، وعلى وجوه شاحبة تحمل الأواني الفارغة كأنها تحمل ما تبقى من أعمارها.
في الأحياء الطرفية، يبدو الزمن معطوباً.
أطفال يجرّون أوعية بلاستيكية أكبر من أجسادهم، ونساء يقطعن مسافات طويلة بحثاً عن بئر، أو صهريج، أو عربة كارو تحمل شيئاً من الماء. حتى الدواب تحولت إلى جزء من شبكة الإمداد الرئيسية في العاصمة المنهكة، بينما ترتفع الأسعار بوتيرة تلتهم ما تبقى من دخول الناس، وتتراجع جودة المياه إلى حدود تثير الخوف من الأوبئة والتلوث وأمراض الأمعاء.
العامل الذي يقضي أكثر من عشر ساعات متنقلاً بعربته البدائية بين الأزقة والشوارع المتربة، لا يعود في نهاية يومه سوى ببضعة جنيهات بالكاد تعوّض ما استنزفه الحر والانتظار والطريق الطويل. يشتري برميل المياه بخمسة آلاف جنيه، ثم يبيعه بأربعة أضعاف تقريباً حتى يغطي كلفة النقل والجهد.
دورة مرهقة يتحول فيها الماء إلى تجارة اضطرار، وإلى مهنة شاقة تُبقي آلاف الأسر معلقة بين العطش والفقر.
داخل البيوت، تتبدل الحياة قسراً.
أسر كاملة اعتادت منذ أكثر من عام شراء المياه بصورة يومية، رغم الانهيار المعيشي وتآكل القدرة الشرائية. بعض ما يصل إلى المنازل يحمل لوناً أو رائحة تثير الشك، لكن الحاجة تدفع الناس إلى استخدامه في الطهي والغسيل، وأحياناً في الشرب، بعدما اختفت البدائل الصحية، وصار الخوف من العطش أقوى من الخوف من المرض.
بائعات الشاي اللواتي كنّ يقتاتن من هامش ضئيل، دخلن بدورهن في طاحونة الإنهاك. عبوتا مياه يومياً، وفحم، وسكر، وشاي، وأكواب، ثم حساب طويل ينتهي غالباً بلا ربح حقيقي. الدخل المحدود يتبخر قبل نهاية النهار، بينما الغياب الرسمي يزداد ثقلاً فوق المشهد، فسلطة الأمر الواقع تعيش في بلد آخر، لا ترى طوابيره ولا تسمع صرير أوعيته الفارغة.
صاحبة مطعم صغير تحصي خسائرها كل مساء بعينين متعبتين. أسعار المياه والثلج تلتهم الإيرادات، والعمل كله يتحول إلى محاولة يائسة للإبقاء على الأبواب مفتوحة.
زوجها أقعده المرض، وأطفالهما الخمسة يواصلون الدراسة وسط مصروفات تتكاثر مثل كابوس يومي، فيما الأم تواصل الوقوف أمام قدور الطعام كأنها تحرس ما تبقى من حطام البيت.
حتى الجزار الذي كان يقلقه ركود السوق، صار يرى في أزمة المياه خطراً أكبر من كساد المهنة. الماء بالنسبة إليه ليس خدمة ثانوية، وإنما شرط لبقاء العمل والحياة معاً.
أما في شرق النيل والوادي الأخضر، حيث يعيش عشرات الآلاف تحت شمس الخرطوم الثقيلة، فقد صار العطش وجهاً يومياً للحرب. بعض المناطق تتكئ على جهود أهلية لصيانة آبار المياه الجوفية، بعد انكماش الاستجابة الرسمية إلى حدودها الدنيا، بينماا يواصل السكان انتظار انفراج يبدو بعيداً مثل هدنة مستحيلة.
السلطات تتحدث عن انقطاعات الكهرباء، وتراجع إنتاج الطاقة، وضغط الصيف، وتَعِدُ بانفراج تدريجي مع اكتمال تشغيل المحطات. غير أن السودانيين الذين طحنهم النزوح والخوف وفقدان الأمان، لم يعودوا يملكون ترف الإصغاء إلى الوعود.
الحنفيات الجافة أكثر بلاغة من التصريحات.
البلاد تبدو كلها واقفة عند حافة عطش طويل.
صراع صامت للبقاء، لا تصنعه البنادق وحدها، وإنما تصنعه أيضاً الحنفيات الصرعى، والعتمة الثقيلة، والانتظار الذي يلتهم ما تبقى من أرواح الناس يوماً بعد يوم.
