أصداء الوعي
بقلم: آدم أبكر عيسى
(1__________________1)
في عمق التجربة السودانية، حيث تتشابك الجغرافيا مع التاريخ، وتتصارع الهويات مع المصالح، وتراكمت على صدر الوطن جراحٌ لا يكاد يُرى عليها نُدوبها حتى تنفتح من جديد، يقف العقل السياسي واقفَ استنكارٍ أمام نفسه ممزَّقاً بين ما يَدّعي وما يمارس، وبين ما يَعِد وما يُنجِز. إنه وعيٌ يعيش ارتدادات لا تهدأ، صدوعها أعمق من أن تُعالج بالخطابات، وأقدم من أن تُطمس بشعارات المؤتمرات.
ليس حديثنا هنا عن المؤسسات وحدها، بل عن تلك البنية الخفية التي تُشكِّل وعي الكادر السياسي تلك الطبقة التي يُفترض فيها أن تحمل مشعل التغيير، فإذا بها أسيرة لتناقضاتها، يُعيد إنتاجها كل يومٍ من أيام الغياب. إنه كادرٌ وُلد في أحضان القضية، لكنه نشأ في حضن الذات تعلَّم من الجدّ أن الثورة أمانة، ومن الواقع أن المنصب ملاذ فأضاع بينهما بوصلته، وظل يسير ممسكاً بكلا اليدين واحدة ترفع شعاراً، وأخرى تمسك بمكاسبها.
يبدأ الإشكال من البنية السياسية لوعي الكادر ذاته. فالتدرُّج التنظيمي، الذي يُفترض أن يكون سُلَّماً للتمكين والكفاءة، يتحول في كثير من الأحيان إلى درجات في هرم الولاء، لا في معبد القدرة. فالكادر الذي يصعد سريعاً هو الذي أتقن فنَّ التقرُّب، لا فنَّ التفكير والذي يُقصى هو الذي أدلى برأيه في وقتٍ لم يُطلب فيه الرأي. وهكذا تُغربل الأحزاب أبناءها الأصليين، وتحتضن أبناء الإجماع، حتى تصبح المؤسسة نسخةً مُصغَّرة عن سلطتها المفقودة تُكرِم الصامت، وتُعاقِب الواعي.
أما التدريب المستمر، ذلك الحلم النبيل، فيظل حبيس الشعارات إذ تغيب برامج التأهيل الحقيقية، ويُستعاض عنها بالحفظ والترديد، بورشٍ تصوَّر لا تمارس، وبندواتٍ تُخطب فيها النفوس ولا تُحرِّك العقول. وعندها يتخرَّج الكادر وقد تعلَّم كيف يطيع، لا كيف يفكر كيف يُردِّد لا كيف يسأل كيف يُصفِّق لا كيف يراقب. وأخطر ما في الأمر أن هذا الكادر لا يشعر بعجزه، فالجهل المتدرَّب يظن نفسه علماً، كما يظن المرآة العكِسة أنها ترى بنفسها.
وهنا تتشكَّل المفارقة التي تجرح الوجدان السوداني كلما تدثَّرت بالوطنية معارضة السياسات والأنظمة لا ينبغي أن تتحول إلى معارضةٍ للوطن. فبدل أن يُوجَّه النقد نحو السياسات الخاطئة، نجد التماهي مع الخارج يصبح نهجاً حيث يُستدعى الأجنبي لإزاحة الخصم الداخلي، وكأن الوطن ساحةٌ للتصفية لا ميدانٌ للبناء، وكأن تاريخاً طويلاً من التدخلات لم يُعلِّمنا أن الأجنبي لا يدخل باباً إلا ليملك البيت، لا ليُصلح سقفه. بلغ الأمر حدَّ أن أصبح التآمر مع الخارج سلوكاً “مشروعاً” في نظر البعض، يُجمَّل بأسماء الوساطة والتدويل والدعم، وكأن الوطن ليس سوى غنيمة تُقتسم على مائدة الآخرين، لا أمانة تُصان في الداخل. ومن يتأمَّل قلباً سودانياً محباً للوطن لا يجده إلا ينزف في صمت، فقد رأى بلاداً أعطت دمها لتحيا، يُطلب إليها أن تعيش رهينةً لتحيا بغيرها.
وفي هذا السياق، كيف يمكن بناء كادرٍ واعٍ لا تابع؟ وكيف ننتظر من لم يتعلَّم النقد أن يمارس الرقابة؟ إن غياب التقييم الموضوعي للأداء الحزبي ليس فراغاً إدارياً، بل هو ثقافةٌ راسخة الزعيم فوق المحاسبة، ليس لأنه الأفضل، بل لأن المحاسبة تعني الاعتراف بالخطأ، والخطأ في ثقافة الزعيم يعني المساس بهالته؛ وهالة الزعيم، في هذه الثقافة، هي المؤسسة الحقيقية، وما عداه جدران وأبواب. وهكذا تتحوَّل جماعة “الشِّلة” والمصالح إلى بوصلة التوجيه، بدل البرنامج والمشروع فيُقرَّر في المجالس المغلقة ما ينبغي أن يُقرَّر في المؤتمرات العامة، ويُخطَّط للأجيال القادمة بعقولٍ حبيسة المناصب الحالية.
وتتوالد الأزمات في مناخ هذه الثقافة ولادةً لا تنقطع دساتير تُكتب بأيدٍ تحترف الالتفاف، وممارسةٌ عملية تعبث بها الأهواء؛ توريثٌ يصبح قدراً، يأتي بمن لم يخبر شيئاً من تاريخ النضال إلا صوره المعلَّقة وولاءٌ للمشروع يتراجع أمام الولاء للأشخاص، حتى يُسمع في كل يومٍ قولٌ مرادف للولاء “نحن مع فلان”، نادراً ما يُقولون “نحن مع الفكرة”. والرؤساء لا يحبون النقد، بل يقربون أصحاب المدح، فيزرعون حول أنفسهم حدائق من الأصوات المهلِّلة، ويقطعون الأشجار التي تُظلِّلهم برأيٍ مخالف ثم يستغربون حين يأتيهم الجفاف. يتحدَّثون عن الديمقراطية، وهي تغيب داخلهم أولاً يتشدَّقون بالانتخابات، وهم لا يُجرون انتخاباً واحداً داخل تنظيماتهم إلا رتوشاً وأن تسألهم أين مشروعكم؟ تجدهم يُجيبون بأسماء رؤسائهم، وكأن الأحزاب بُنيت لتحمل أسماء، لا أفكاراً.
إن الخروج من هذه الدوامة لا يبدأ من تشكيل أحزابٍ جديدة، بل من صناعة الإنسان الذي يُشكِّل الحزب فالأحزاب لا تُبنى باللافتات، بل بالثقافة السياسية التي تحملها كوادرها. والثقافة السياسية الحقيقية هي تلك التي تُنمِّي في الكادر العقل والفكر الناقد، لا الذاكرة واللسان المُردِّد هي التي تجعل من الوعي الجمعي المجتمعي منتَجاً للنقاش والحوار، لا أداةً للتعبئة والتجهيل. فالكادر الذي يُدرَّب على النقد يصبح قادراً على إنتاج الوعي لا على استهلاكه، ويتحول من مُخاطَبٍ دائم إلى صانع مواقف، يفهم المجتمع لا كجمهورٍ يُخاطَب من المنصة، بل كشريكٍ في صناعة القرار.
وليس خافياً على أحد أن السودان يمتلك ثروةً نادرة هي كوادر الحركة الطلابية جيلٌ صُقلت همته في ساحات الجامعات ومنابر الاحتجاج، تعلَّم المواجهة قبل أن يتعلَّم التفاوض، والهتاف قبل أن يتعلَّم التخطيط. وهذا الكادر، بكل حيويته واندفاعه، لا يمكن أن يظل حبيس شعارات المنصات إنه يحتاج إلى تنشئةٍ سياسية متكاملة تنقله من كادر التظاهر إلى كادر التخطيط، من صانع الضجيج إلى صانع القرار، بحيث يعمل ضمن سياقات المجتمع لا خارجها، ويفهم الواقع بمركَّباته الاجتماعية والاقتصادية لا بخطاباته الاستثنائية. فالثورة التي لا تُترجَم إلى برامج، والغضب الذي لا يُهذَّب إلى مشروع، لا يصنعان دولةً ولا يبنيان مؤسسة.
