د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم
اولا: الفكر السياسى الغربى:
ا/ الخلط والتطابق “مذهبى الثيوقراطية و الكهنوت”: وهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية ،علاقة تطابق وخلط ، ومضمونه إسناد السلطتين: الدينية “المطلقة والمقيدة ” والسياسية، إلى فرد أو فئة ، ينفرد أو تنفرد بها دون الجماعة (الحاكم فى مذهب الثيوقراطيه ورجل الدين فى مذهب الكهنوت).
نقد: هذا الحل مرفوض إسلاميا للاتى:
- الإسلام – وخلافا لهذا المذهب – يميز بين التشريع كوضع الهي ثابت ،
والاجتهاد ككسب بشرى متغير. - وهو يتعارض مع عموم مفهوم الاستخلاف ، وما يترتب عليه من إسناد
السلطتين الدينية والسياسية للجماعة ، كما سنوضح بالتفصيل ادناه. - ليس في الإسلام سلطة دينية مطلقة ” اى التحليل و التحريم بدون نص
قطعي” ، حتى يتم اسنادها الى الحكام او العلماء او غيرهم، قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ) (النحل:116). - ان الحكام و العلماء لا ينفردون فى الاسلام بالسلطة الدينيه المقيده” التى عبر عنها النص القرانى بمصطلح الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ” ، لأن هذه السلطة المقيدة ،مخوله- بموجب عموم الاستخلاف – لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين – ومنها الحكام
والعلماء- فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد، كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104)، - كما ان السلطه السياسية – التي عبر عنها القرانب مصطلح الأمر- مخوله بموجب عموم الاستخلاف ايضا لجماعه المسلمين ، أما الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله اذا جار، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ). واتساقا مع ما سبق فان طاعه الحكام فى المنظور السياسى الاسلامى ليست مطلقه – كما فى مذهب الثيوقراطيه- بل مقيدة ” مشروطه ” قال الرسول (صلى الله عليه وسلم ) ( لا طاعة في معصية).
ب/ الفصل “العلمانية:”:
ترجمه عربية لمصطلح (Secularism) وهو صيغة نسب لكلمه( secular) التى تعنى فى اللغه اللاتينية الدنيا او العالم، فأصله اللاتينى يفيد معنى ماهو الدنيوى مقابل ماهو دينى . وهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطه الدينية “كممثل للدين” والسلطه السياسية “كممثل للدوله “علاقة فصل.
نقد: هذا الحل مرفوض إسلاميا للاتى:
- هذا الحل لا يعبر عن الحل الإسلامي للمشكلة الذى ىجعل العلاقه بين
الدين والدوله علاقه وحده وارتباط “وليس خلط”، وتمييز ” وليس فصل” كما سنوضح بالتفصيل ادناه. - ان جوهر الدعوة إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة- التى يشكل الاسلام
هيكلها الحضارى- أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الإسلاميه ، بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، وهو جوهر التغريب والإستلاب الحضارى .
ثانيا: المنظور السياسى الإسلامى “ الجمع بين الوحدة’الإرتباط’ والتمييز”:
أما الحل الذى يتسق مع جوهر المنظور السياسى الاسلامى، فهو الحل الذى يجعل العلاقة بين السلطتين الدينية والسياسية:
اولا: علاقة وحدة وإرتباط – وليست علاقة خلط أو تطابق كما في مذهبى الثيوقراطية والكهنوت‐ لأن السلطة في الإسلام مقيدة بمفاهيم وقيم وقواعد كليه مصدرهاالوحى كالشورى والعدل والمساواه…
ثانيا: علاقة تمييز – وليست علاقة فصل كما في العلمانية – لأن الإسلام يميز بين التشريع كوضع الهى ثابت، والإجتهاد ككسب بشرى متغير ، ثبت في صحيح مسلم عن حديث بريده بن الحصيب قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) (إذا حاصرت حصناً ،سألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله ، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)، ولما كتب الكاتب بين يدي عمر بن الخطاب(رضي الله عنه)حكماً حكم به ، فقال :هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال ” لا تقل هذا، ولكن قل هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب” .
مدنية السلطة ودينية اصول التشريع: ويترتب على ما سبق ان المنظور السياسى الاسلامى يتجاوز كل من:
الثيوقراطية” دينية السلطة والتشريع : التى تقول بدينية السلطة” اى لها سلطه دينية مطلقه لا يجوز نسبتها غير الله تعالى” والتشريع معا، وبهذا تنفى مدنية السلطة .
العلمانيه” مدنية السلطه والتشريع”: كما يتجاوز العلمانية التى تقول بمدنية السلطة والتشريع، فتنفى دينيه التشريع.
الجمع بين مدنية السلطة ودينية اصول التشريع: وهو يقول بمدنيه السلطة ، من خلال تقريره ان الحاكم نائب ووكيل عن الجماعة ، لا ينفرد دونها بسلطه دينيه او سياسيه . ودينية اصول التشريع ،من خلال تقريره ان مصدرها ثوابت الدين النصية، خلافا لفروعه التى مصدرها متغيرات الدين الإجتهادية.
– الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
sabri.m.khalil@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم