العلمانية: قراءه نقدية .. بقلم: د.صبري محمد خليل

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com

تعريف العلمانية: الأصل اللاتيني لمصطلح العلمانية (Secularism ) يفيد معنى ما هو دنيوي مقابل ما هو ديني . وهى نزعه تعمل على الفصل بين الدين والدولة . وقد كانت العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية، استنادا إلى قول المسيح (عليه السلام) ” أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” (متى
17: 21)  ، إلا أنها تحول إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة ، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون . فالعلمانية إذا احد أركان الليبرالية، وهى تقوم – اتساقا مع المنهج الليرالى – على أساس عدم تدخل الدولة في النشاط الديني والحياة الدينية للمجتمع ، سواء بشكل ايجابي بالدعم والتشجيع ، أو بشكل سلبي بالمنع والحظر، ليصبح النشاط الديني  بذلك مقصورا على الأفراد. ورغم ما يدخل في تركيب كلمه العلمانية من حروف كلمه العلم، إلا  انه  لا علاقة بين العلمانية نزعه والعلم منهاجا، والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفى مثل هذه الصلة  (د. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ، ص187).
المواقف المتعددة  من العلمانية : وقد تعددت المواقف من العلمانية ، غير أن هناك ثلاثة مواقف أساسيه منها وهى :
أولا : القبول المطلق :اى قبول العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة ،ودون تمييز بين سلبياتها وايجابيتها .
التغريب: كما سبق الاشاره فان أن العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية  ، إلا أنها تحول إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة ، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على هذا فان موقف القبول المطلق للعلمانية هو شكل من اشكال التغريب الذي مضمونه أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ) بالقيم والآداب والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية  .
ثانيا :الرفض المطلق: اى رفض العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة ،ودون تمييز بين سلبياتها وايجابيتها .
التكفير:هذا الموقف يواجهه إشكاليه تكفير كل من يتبنى أو يدعو إلى العلمانية، بينما الأقرب للصواب هو رفضها لمبرر ديني هو: أنها لا تعبر عن جوهر الحل الاسلامى لقضية العلاقة بين الدين والدولة ، رغم أنها كانت  في الأصل جزء من الديانة المسيحية ، استنادا إلى قول المسيح (عليه السلام) “
أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” (متى  17: 21) ، فهي ركن من أركان الديانة المسيحبه، وهو ركن لا يقوم على مجرد القول ” أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” بل يقوم على هذا المبدأ وعلى تطبيقاته المتكررة في آيات الإنجيل)(د. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ، ص 198) ، ورفضها  لمبرر  حضاري هو أنها شكل من إشكال التغريب .
ثالثا : الموقف االنقدى : وهو الموقف الذي يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح العلمانية ، حيث أن للمصطلح دلاله أصليه – تاريخيه  واحده – هي فصل الدين عن الدولة ، كما أن له دلالات  لاحقه – خاصة متعددة ، وبالتالي فان رفض الدلالة الاصليه التاريخية للمصطلح، لا يترتب عليه رفض أو قبول دلالاته اللاحقة- الخاصة إلا بعد تقييمها.
كما يقوم هذا الموقف على التمييز بين سلبيات للعلمانية التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة… و ايجابياتها التى تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الثيوقراطيه…  يقول المفكر الاسلامى  احمد كمال أبو المجد انه يجب تحليل المكونات المختلفة للعلمانية ” إذ أن فيها عناصر لا نعتقد أنها تتعارض بالضرورة مع الإسلام ، كاعتبار السلطة السياسية ذات أساس مدني مستمد من رضا المحكومين، ونفى الصفة الثيوقراطيه عنها ،وكالتسليم بحق أتباع الديانات المختلفة في ممارسه شعائرهم الدينية بحريه، إلا إذا صادمت ما يعرف بالنظام العام والآداب العامة، وهى فكره ترتبط بالدولة ولا ترتبط بالإسلام ، أما فصل الدين عن الوله، بمعنى إقصاء الدين عن أن يكون له دور في تنظيم أمور المجتمع فإنها المكون الرئيسي من مكونات العلملانيه الذي لا يسع مسلما قبوله ” (احمد كمال أبو المجد، نحو صيغه جديدة للعلاقة بين القومية العربية والإسلام،مجله المستقبل العربي ،
العدد26 – ابريل1981 ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، ص115 الحل الاسلامى : مدنيه السلطة ودينيه التشريع : كما يقوم هذا الموقف على أن الحل الذي يعبر عن جوهر الحل الاسلامى الصحيح لمشكله العلاقة بين
الدين والدولة   – هو الحل الذي يقوم على اعتبار أن علاقة الدين بالدولة
هي علاقة  وحده وارتباط (وليست علاقة خلط ودمج كما في الثيوقراطيه )، اى يقوم على دينيه التشريع وليس السلطة كما في الثيوقراطيه، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم وقواعد كليه ثابتة” كالشورى والعدل والمساواة …”، والمقصود بالتشريع هنا مصدره الرئيسي ، من خلال تقرير أن أصول
الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ،   كما يقوم هذا الحل  على اعتبار أن
علاقة الدين بالدولة هي علاقة تمييز ( وليست علاقة فصل كما في العلمانية)، اى يقوم على  مدنيه السلطة وليس التشريع كما في العلمانية ، لان الإسلام ميز التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير.
رفض الثيوقراطيه  : فالإسلام كدين يرفض الثيوقراطيه ( الدولة الدينية بالمفهوم الغربي ) ، والتي مضمونها انفراد فرد أو فئة بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لانفراد هذا الفرد أو الفئة بالسلطة الروحية ( الدينية ) دونه ، لأنه يرفض إسناد السلطة الدينية أو الروحية ، إلى فرد أو فئة تنفرد بها دون الجماعة  اى الكهنوتية أو رجال الدين، قال تعالى  (  واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) الأكثرون من المفسرين قالوا ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم، ، فضلا عن أن الثيوقراطيه تؤدى إلى تحويل المطلق (الدين) إلى محدود (الدولة أو السلطة) أو العكس ، وبالتالي إضفاء قدسيه الدين و اطلاقيته على البشر واجتهاداتهم المحدودة بالزمان والمكان ، و هو ما رفضه الإسلام حين ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت  ، والاجتهاد ككسب بشرى متغير.
الدولة الاسلاميه دوله مدنية : كما أن الدولة المدنية ( التي مضمونها الدولة  التي تقوم على إسناد السلطة السياسية للشعب، وبالتالي فان السلطة فيها نائب ووكيل عنه ، له حق تعيينها ومراقبتها وعزلها) تتسق مع الفلسفة السياسية الاسلاميه ، لأنها تقوم على  إسناد السلطة السياسية – التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر- إلى الجماعة (الشعب) ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾، وبما يتسق مع إسناد السلطة الروحية ( الدينية) – التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر – إليها ﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ . كما الدولة المدنية تتسق مع تعريف علماء أهل السنة للبيعة  بأنها عقد مرضاه واختيار ،  وما يترتب على ذلك من اعتبار الحاكم نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول الماوردي ( البيعة عقد مرضاة واختيار لا يدخله اكراة ولا إجبار)، ويقول أبو يعلي (الخليفة  وكيل للمسلمين ) (المارودي، الأحكام السلطانية، ص 7 ).
/////////

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى: حروب السيطرة على المعادن النادرة والمياه والطاقةsabri.m.khalil@gmail.comد. صبري محمد …

اترك تعليقاً