من السودان إلى المشرق العربي، قراءة نقدية في جذور التمييز العرقي والطبقي داخل المجتمعات العربية، وكيف أعادت الثقافة والقبيلة والتاريخ إنتاج صورة الإنسان الأسود بوصفه “الآخر” رغم شعارات الدين والمساواة والهوية المشتركة.
أنا، محمد بدوي، ابن بيئة سودانية تدرك معنى التمييز، وتشهد يوميا كيف يمكن للون البشرة أو الانتماء القبلي أن يتحول إلى أداة إقصاء وقهر، اخترت منذ سنوات أن أقترب أكاديميا وأدبيا من جذور هذه القضية. ولذلك جاءت رسالتي للماجستير من جامعة ليون الثانية الفرنسية حول “النزعة الزنجية في الشعر العربي لدى الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري”، ذلك الشاعر الذي لم يكن يكتب القصيدة بوصفها ترفا لغويا، بل باعتبارها صرخة وجودية في وجه عالمٍ قسم البشر إلى سادة وعبيد، وإلى أعراق ترى نفسها أعلى من غيرها.
لقد كان الفيتوري واحدا من أهم الأصوات الشعرية العربية والإفريقية التي رفعت لواء الإنسان الأسود في القرن العشرين. ففي قصائده، لا يظهر الأسود باعتباره ضحية فقط، بل إنسانا يحمل ذاكرة حضارية وروحية عميقة. كتب الفيتوري عن إفريقيا بوصفها الأم الكبرى، وعن الزنجي الذي سُلب اسمه وكرامته وتاريخه، لكنه ظل قادرا على الغناء والمقاومة. ولعل قصيدته الشهيرة “قلها لا تجبن” أو نصوصه التي تغنت بإفريقيا الثائرة ضد الاستعمار، كانت تعبيرا عن وعيٍ مبكر بأن قضية السود ليست قضية لون، بل قضية عدالة إنسانية كاملة.
حين اتجهت لدراسة الأدب الزنجي العربي، وجدت أن السودان يكاد يكون نموذجا مركبا لهذه الإشكالية؛ فهو بلد عربي وإفريقي في آن، لكنه عاش تناقضات الهوية بأقسى صورها. بعض القبائل ما تزال تنظر لنفسها باعتبارها “أنقى” أو “أرفع” عرقيا من غيرها، في مفارقة مؤلمة لدين يقول بوضوح: “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى”. هذه العقدة التاريخية لم تصنع فقط نزاعات اجتماعية، بل ساهمت في الحروب والانقسامات والاقتتال الأهلي الذي دفع السودان ثمنا باهظا له عبر عقود طويلة.
ومن السودان إلى إفريقيا الأوسع، وجدت نفسي أمام حركة “الزنوجة” أو “النيغريتود”، تلك الحركة الفكرية والأدبية التي قادها الرئيس السنغالي والشاعر الكبير ليوبولد سيدار سنغور، والذي حاول أن يعيد الاعتبار للإنسان الإفريقي بعد قرون من الاستعمار الأوروبي الذي صور الأسود باعتباره كائنا أدنى حضاريا وثقافيا. سنغور، ومعه إيمي سيزير وليون داماس، لم يدافعوا فقط عن إفريقيا، بل سعوا إلى بناء وعي جديد يقول إن الثقافة الإفريقية ليست هامشا للحضارة الغربية، بل جزء أصيل من الإنسانية.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أخذت القضية شكلا أكثر تعقيدا ودموية. فالولايات المتحدة التي تحتفل اليوم بمرور مائتين وخمسين عاما على تأسيسها، ما تزال تحمل في داخلها تناقضا أخلاقيا عميقا؛ إذ قامت هذه الدولة الحديثة، التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، على نظام اقتصادي اعتمد لعقود طويلة على استعباد ملايين الأفارقة الذين جُلبوا بالقوة عبر المحيط الأطلسي فيما عرف بتجارة العبيد.
تشير الدراسات التاريخية إلى أن ما يقارب اثني عشر مليون إفريقي تم اقتلاعهم من أوطانهم بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مات الملايين منهم في السفن الأوروبية قبل الوصول إلى الأمريكيتين، فيما بيع الناجون في أسواق النخاسة للعمل في مزارع القطن والتبغ وقصب السكر. ومن دون هذا العمل القسري، يرى كثير من المؤرخين أن الاقتصاد الأمريكي المبكر لم يكن ليحقق تلك الطفرة الهائلة التي صنعت ثراء الولايات الجنوبية ثم ساهمت في بناء القوة الاقتصادية للولايات المتحدة لاحقا.
لقد كان السود في أمريكا يبنون المزارع والسكك الحديدية والموانئ، بينما كانوا يُحرمون من أبسط حقوق الإنسان. حتى بعد إلغاء العبودية رسميا عام 1865، استمرت قوانين الفصل العنصري لعقود طويلة، فكان الأسود ممنوعا من الجلوس مع الأبيض في الحافلات أو دخول المدارس نفسها أو حتى استخدام المرافق العامة ذاتها. ولم يكن الأمر مجرد قوانين، بل ثقافة كاملة قائمة على الإذلال والإقصاء والعنف.
وقد شهد القرن العشرون نضالا شرسا قاده السود الأمريكيون من أجل استعادة إنسانيتهم، بدءا من مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس وصولا إلى الحركات الحديثة مثل “حياة السود مهمة”. لكن الأدب كان دائما أحد أهم أسلحة المقاومة. فقد كتب لانغستون هيوز شعرا ينطق بألم الزنجي الأمريكي وحلمه بالمساواة، فيما كشفت توني موريسون، الحائزة على نوبل، في رواياتها عن الآثار النفسية العميقة للعبودية والعنصرية، وكيف يمكن للقهر أن يتحول إلى ذاكرة جماعية تورث من جيل إلى آخر.
وحين نقرأ الأدب الأسود الأمريكي أو الإفريقي، ندرك أن القضية لم تكن مجرد لون بشرة، بل معركة من أجل الاعتراف الكامل بإنسانية الإنسان الأسود. ولذلك لم يكن غريبا أن تظهر شخصيات سياسية وثقافية معاصرة، مثل كامالا هاريس، بوصفها رمزا لصراع طويل ضد التمييز، حتى وإن ظلت الولايات المتحدة نفسها تعاني انقساما حادا حول قضايا الهوية والهجرة والعرق.
واليوم، ومع عودة دونالد ترامب إلى المشهد السياسي بوصفه الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، يشعر كثير من أبناء الأقليات بأن البلاد تعود تدريجيا إلى خطاب قومي أبيض يستبعد الآخر ويعيد إنتاج الخوف من المهاجرين والسود والمسلمين واللاتينيين. ويرى قطاع واسع من الأفروأمريكيين أن الاحتفال بمرور 250 عاما على تأسيس الدولة الأمريكية لا يمكن أن يكون احتفالا كاملا ما لم يتم الاعتراف بالدور التاريخي للسود في بناء هذه الأمة، وبالظلم الذي تعرضوا له عبر قرون طويلة.
إن المأساة الحقيقية ليست فقط في التاريخ، بل في استمرار آثاره حتى الآن؛ فالإحصاءات الأمريكية الحديثة تشير إلى وجود فجوات واضحة بين السود والبيض في الدخل والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل وحتى معدلات السجن والعنف الشرطي. وكأن العبودية انتهت قانونيا، لكنها بقيت كامنة داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
إن الحديث عن العنصرية اليوم ليس ترفا فكريا ولا محاولة للنبش في الماضي، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية، لأن العالم الذي لا يواجه تاريخه بصدق، سيعيد إنتاج مآسيه بصورة جديدة. ومن السودان إلى أمريكا، ومن شعر الفيتوري إلى روايات توني موريسون، ومن سنغور إلى لانغستون هيوز، يبقى الأدب شاهدا على أن الإنسان الأسود لم يكن مجرد ضحية، بل كان دائما صانعا للجمال والمقاومة والوعي.
ولعل ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو إعادة تعريف معنى الإنسانية بعيدا عن اللون والعرق والقبيلة. فالإنسان لا يولد أعلى من غيره، بل تصنعه أخلاقه ومعرفته وعدالته. أما الحضارات التي تبنى على القهر والعنصرية، مهما بلغت قوتها، فإنها تظل تحمل في داخلها بذور سقوطها الأخلاقي.
لهذا كتبت هذا المقال، لا لأدين شعبا أو أمة بعينها، بل لأقول إن قضية العنصرية ليست قضية السود وحدهم، بل قضية كل إنسان يؤمن بأن الحرية والكرامة لا ينبغي أن تكون امتيازا عرقيا، بل حقا أصيلا لكل البشر.
Mohamed@Badawi.de
بقلم: د. محمد بدوي مصطفى
