اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
5.0. الغش المشرعن:
كتب الأستاذ سليمان احمد سليمان سعيد من محلية قلي – كوستي قائلاً:” ضجت منصات التواصل الاجتماعي غضبا مؤخراً بمقطع فيديو تقشعر له أبدان المربين والغيورين على مسيرة التعليم في بلادنا، لطالبة سودانية تذرف دموع “التباكي” ليس ندماً على تقصير، بل اعتراضاً صريحاً على “أمانة” مراقبات قمن بواجبهن في منعها من الغش. وبجراءة تثير الدهشة، وقفت الطالبة “تتحسبن” وتدعو على من أدوا أمانتهم، وكأن الحق قد انقلب باطلاً، والباطل صار استحقاقاً”.
يرى الأستاذ سليمان أن (أخطر ما في هذا الفيديو ليس مجرد محاولة الغش، فالتجاوزات الفردية واردة، لكن الكارثة تكمن في “الاستحقاق المزيف”.) ويقصد من ذلك (أن تتحدث الطالبة بلسان “المظلومة” وهي تعترف بحملها لقصاصات الغش ولم تستطع فتحها بسبب قوة المراقبة). ونتفق مع الأستاذ سليمان أن (هذا مؤشر خطير على فجوة أخلاقية وتجهيل متعمد لقدسية العلم.) ويفسر الأستاذ ذلك بغياب “المعلم” وهيبة “الامتحان” عن مخيلة الطالبة واستبدالها بعقلية الفهلوة والنجاح الزائف. ويسترسل الأستاذ سليمان بالقول (في زمنٍ قد يخشى فيه البعض من الصدام مع “انفلات الشباب”، وقفت المراقبتان سداً منيعاً لحماية سمعة الشهادة السودانية. إن هؤلاء المراقبات هن “حراس القيّم” الحقيقيون؛ فبأمانتهن تظل للشهادة السودانية قوتها ومصداقيتها بين دول العالم. لو كان الأمر بيدي، لكان التكريم والاحتفاء من نصيبهن، فهن من يحفظن للتعليم ما تبقى من وقار.) ويرى الأستاذ سليمان أن هذه الطالبة (لا تحتاج لقرار فصل أو توبيخ إضافي، فقد وضعت نفسها في “سجن الكلمات”. إن حديثها المسجل يمثل إدانة أخلاقية واجتماعية تلاحقها، ويظهرها في موقف لا تحسد عليه؛ فالحق أبلج والباطل لجلج. لقد عاقبت نفسها حين ظنت أن “الحسبنة” تُقبل في موضع المعصية، وتناست أن الله هو “الحق” الذي لا يرضى بأن يُبنى النجاح على زور.)ويختتم الأستاذ سليمان مقاله (بان حماية الشهادة السودانية تبدأ من حماية كرامة المراقب وتجريم ثقافة “الغش المشرعن”. فالعلم بلا أخلاق هو بناء بلا أساس، ومصيره الانهيار عند أول اختبار حقيقي للحياة.)
ولقد ضجت الاسافير بالكثير من هذه الممارسات في اختبار الشهادة السودانية هذا العام 2026 وليس حادثة ود الحليو بضواحي كسلا ببعيدةة.
وفي كلا المثالين السابقين استحق المراقبون الإشادة والتكريم في عدم السماح بالغش والتلاعب في الاختبار.
ولكن هل في كل مرة تسلم الجرة؟
تشير كثير من المؤشرات الى فساد في (الاختبارات). والاختبار – كما نعلم – عبارة عن علاقة تعاقدية بين الطالب والمدرسة، حيث يؤدي الطالب في نهاية تعليمه امتحاناً، بشرط أن يكون مستوفياً لشروط الاختبار الجيد، قائماً على أسس علمية وتعليمية، وخالياً من الأخطاء، مع صحة المحتوى وشموليته. لكن اليوم يتم وضع العديد من الاختبارات من خارج المناهج الدراسية، مما يجعلها تفتقر إلى صدق المحتوى (content validity)، وغنية بالأخطاء العلمية والفنية. كما يجري الغش من قبل بعض الطلاب تحت أعين بعض الإدارات، وأحياناً بتواطؤ مع بعض المراقبين في غرف الاختبار.وفي مثل هذه الظروف والملابسات، ومع مثل هذه الأخطاء، يغادر الطالب المدرسة ويودع تعليمه في المدرسة الثانوية بأسوأ انطباع أو شعور يمكن أن يحمله.
يجلس معظم الطلاب للاختبارات ثم يغادرون المدرسة ولديهم اعتقاد جازم بأن الاختبارات مزحة كبيرة، اذ يلاحظون بعض الممارسات السيئة وبعضهم قد يعتبرها من اعمال البطولة أن يغش في الاختبار مثلاً. لقد أصبح الغش وتسريب الاختبارات ظاهرة تقصم ظهر التعليم في بلادنا، حيث يمارس كثير من الطلاب الغش باستخدام حيل كثيرة تحت أعين المراقبين في قاعة الاختبارات. ويلعب بعض المعلمين عديمي الضمير دوراً رئيسياً كميسّرين لعملية الغش هذه. وهذه الممارسات ستولد على المدى القريب والبعيد جيلاً من محترفي الغش، يبدأون حياتهم المهنية بالحصول على ورقة مزورة تؤهلهم للحصول على وظيفة في الحكومة أو المؤسسات الخاصة، ومن ثم سيكون لدينا جيل من:
· قضاة مرتشين
· وكلاء نيابة فاسدين
· ضباط شرطة زائفين ومزوّرين
· رجال أعمال انتهازيين
· أطباء ومهندسين ومحامين وفنيين غير مؤهلين
· أمهات غشاشات
· أئمة مساجد كاذبين
· وربما علماء إفتاء منافقين أفّاكين
وعلى مثل هؤلاء الأشخاص الخادعين أصحاب المهن تقوم إدارة وبناء الدولة! وأي دولة تقوم ركائزها على الغش في التعليم ومؤهلات الاحتيال، سينتشر الفساد في ربوعها. ونرى الآن كيف تتم إدارة العديد من شؤون العباد والبلاد عن طريق الرشوة والغش والمحسوبية والحظوة، لأن سلوك الغش كان أمراً طبيعياً وغير مُجرَّم منذ أيام التلمذة الأولى في المدرسة. ثم تكون الكارثة عندما يتم تأمين وظائف لمثل هؤلاء المهنيين بنفس الطريقة الفاسدة التي حصلوا بها على مؤهلاتهم الدراسية، ذلك لأن هشاشة القوانين وتطبيقها أمّنت لهؤلاء الفاسدين الملعب، لأنهم أمنوا المساءلة والعقاب فأساؤوا الأدب.
5.1 ما المخرج؟
نحن ]الآن[ نعيش أجواء ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، ونعيش في ظل التغيير مع تعثره، ولكن…نؤمن بأن مصير أي أمة من الأمم يبدأ من الصف الدراسي، وأن مصير الدولة مرتبط بمخرجات التعليم بشكل عام، والتعليم العام بشكل خاص، كأساس للبناء والتنمية. ونؤمن أن التعليم وسيلة لتحقيق الحرية والرفاهية، ونأمل أن تتم جميع عمليات التعليم والتعلم بممارسات سليمة تتسم بالنزاهة والصدق والعدالة، وهي شعارات الثورة. كما نؤمن أيضا أن إصلاح التعليم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تطبيق نظام تقييم أكاديمي عادل، عبر اختبارات مدرسية نزيهة…وعليه، فإننا نعتقد أن إدارة ملف الاختبارات القومية بصورته الحالية قد ألحق ضرراً بالغاً بالتعليم في السودان، الأمر الذي يتطلب تدخلاً سريعاً لمعالجة هذه المشكلات. وفي هذا السياق نقدم هذه الموجهات في البحث عن منطقة إنزال آمنة لتحقيق تطلعات أمتنا السودانية، فنحن بحاجة إلى ما يلي:
· أن ندرك أن التعليم يمر بأزمة حقيقية تتطلب معالجة سريعة وشاملة.
· التفكير في أن اختبارات الشهادة الأساسية السودانية والشهادة الثانوية لم تعد معايير موثوقة لقياس مخرجات التعليم في السودان، حيث انتشرت ظاهرة الغش على جميع المستويات، وتسرب الاختبارات أحيناً أخرى.
· لم تعد هذه الوثائق في شكلها الحالي صالحة كمعيار للقبول في مؤسسات التعليم العالي في السودان، بسبب المعالجات الإحصائية التي تؤدي إلى تضخم وتراكم الدرجات العليا، مما تسبب في إرباك سياسة القبول في الجامعات كما حدث منذ عامين.
· يجب ملاحظة الهدر التعليمي في الجامعات وعدم القدرة على مواصلة الدراسة نتيجة لقبول طلاب بشهادات زائفة حصلوا عليها بعضهم بالغش في اختبارات الشهادة الثانوية.
· تكلف عملية إجراء الاختبارات القومية السنوية مليارات ومليارات من الجنيهات، وهي أضعاف ميزانية وزارة التربية والتعليم السودانية، بينما الناتج التعليمي ضعيف. وعليه فإننا نرى تحويل هذا المبلغ الضخم لدعم رواتب المعلمين وتدريبهم، وإصلاح البيئة المدرسية لجعل المدارس جاذبة للأطفال. يتبع>>>
تنويه:
ننوه الى أنه تم نشر هذه المقالات بعنوان: ” شهادات التعليم العام في السودان بين الجرح والتعديل – مشروع لإعادة صياغة الشهادة السودانية” في: (مجلة القلزم للدراسات التربوية والنفسية واللغوية – العدد الثاني عشر (مزدوج) – صفر 1444- سبتمبر 2022 م
aahmedgumaa@yahoo.com
