بثينة تروس
زيارة رئيس وزراء حكومة الأمل كامل إدريس، ووفده الباهظ التكاليف إلى الفاتيكان ومقابلة البابا لاوون الرابع عشر، بحثاً عن السلام وهو غاية كل سوداني نادى بـلا للحرب، تذكّر بالمثل القائل (سيد الرايحة يفتش خشم البقرة)، المثل الذي يضرب لعديم الحيلة الباحث عن ضالته في المكان الخطأ، فإن كان الأمر روحيا، فأولى البحث عنه في الإسلام، آخر ما أنزلته السماء لأهل الأرض، وفيه من الحلول ما يكفي حاجة البشرية للسلام. لكن آفة الإسلام في (باباواته) من علماء السلطان، الذين يزينون باطل حكومة الإخوان المسلمين ومليشياتها، ويسوقون للجهاد والاستنفار وبقر البطون وأكل الأكباد، حتى بلغ بهم الأمر إهداء الأطفال جماجم الموتى للعب بها. يلوون أعناق الحقائق في حرب طرفاها مسلمان، ويحولونها من صراع جنرالات على السلطة والثروة، وحرب بالوكالة لأطماع دولية، إلى (حرب كرامة) مقدسة، رغم أن البرهان نفسه وصفها بأنها حرب عبثية.
وفد جماعة الأمل يتحدث بلسانين، في روما سلام، وفي السودان (بل بس). يخاطبون المساكين بسردية الجيش المنتصر، بينما يراقب الرأي العام بسخرية فرحتهم بالعائدين من صفوف الدعم السريع إلى حضن يسعهم بلا حساب ولا عقاب على جرائم الحرب، بل تفتح لهم منابر الإعلام، ويفسح لهم المكان في مجالس الجنرالات. وفي المقابل، يعلم وزراؤهم القادمون إلى كراسي الحكم من جوار بلدان الفاتيكان، أنه لا حل لأي حرب ولو استمرت ألف عام مهما كانت شعاراتها وقداستها، إلا بوضع السلاح والجلوس إلى التفاوض. ففي النهاية سيتصالح الجنرالات فوق تلال جماجم الشهداء، وعلى خراب الأوطان، وثروات تجار الحرب. أما قادة الحكومة، فلا يشغلهم سوى نيل رضا الجيش والكيزان ليبقوا في الكراسي، ثم يدبجوا سيرهم الذاتية بدماء الضحايا.
وشهدنا أن كامل إدريس منذ تعيينه، لا يجرؤ حتى على دعم إيقاف الحرب أو النظر في مطالب الناس الماسة، خوفاً من فقدان المنصب، وحتى لا يصطدم بمشروع الحركة الإسلامية القائم على استمرار الحرب تمهيداً للعودة إلى السلطة والفساد. أما وزير الإعلام، القادم من بريطانيا، المحطة التالية للوفد بعد روما، فهو الوزير الذي جمع الثقافة والإعلام والسياحة والآثار، قبل أن يقيله البرهان ثم يعيده بعد أن شفعت له حفلة التملق البراؤوني والكيزاني، حين شارك في رجم صنم بلاستيكي لمجسم حميدتي بالتكبير والتهليل، وكأنهم يخوضون حروب الجاهلية في القرن السابع. لكنه عاد إلى الوزارة منزوع الصلاحيات بعد انتزاع صفة الناطق الرسمي منه، فلا يعلن ولا يلعن. وها هو اليوم في الفاتيكان يقف بأدب جم ومسكنة، يتوسل سبل السلام.
وتتواصل جولة (الاستهبال المبارك) من نشاط الإسلاميين داخل السفارة الي الظهور في أعرق المنابر الأكاديمية للحوار والنقاش، داخل اتحاد كامبريدج، وكأن الحكومة راعية للمتعلمين وحامية للحريات، بينما سجونها تعج بالإعلاميين والصحفيين، والمحامين، والطلبة، والناشطين. بل من شدة العبث ان تتصور أن محكمة الأبيض أدخلت طفلاً في دار التربية العقابية لعامين بتهمة إثارة الحرب ضد الدولة.
لقد ألقى كامل إدريس محاضرته عن (أبعاد مبادرة السلام السودانية وجهود تحقيق الاستقرار). ويمكن اختصار كل الحلول المرجوة منها حتى لراعي الضأن في الخلاء في كلمتين وقف الحرب. ومن المفارقات أن جامعة كامبريدج، التي تضم أكثر من 24 ألف طالب من أنحاء العالم، وتخرج فيها عظماء مثل تشارلز دارون صاحب نظرية التطور، تستقبل وفداً يهاجم كل من دعا إلى السلام أو طالب بفتح ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية، ويتهمهم بالخيانة والعمالة وبيع الوطن.
وفي التوقيت نفسه في ظل حكومتهم، كان تلاميذ مدرسة يعودون إلى منازلهم بعد قطع اليوم الدراسي بسبب انعدام المياه، وهم يهتفون (دايرين شنو؟ دايرين موية)، مطالبين بأبسط حقوق الحياة، بعدما بلغ سعر برميل المياه ثلاثين ألف جنيه. أطفال جوعى ومرضى، لم يتعافوا نفسياً من أهوال الحرب ولا من انقطاع التعليم، أصلاً، فكيف بالحياة الكريمة أو الدراسة في الجامعات الراقية التي وقف أمامها الدكتور كامل إدريس متحدثاً عن أهمية التواصل مع المؤسسات الأكاديمية الدولية لتوضيح الأوضاع في السودان؟ في النهاية، لا يحتاج السودانيون من وزراء حكومة الامل إلى محاضرات في روما، ولا صور تذكارية مع البابا او في أروقة كامبريدج، بقدر حاجتهم إلى شجاعة تقول الحقيقة هذه الحرب يجب أن تتوقف أما ما عدا ذلك، فليس سوى استبهال كيزاني فوق أنقاض وطن ينزف.
tina.terwis@gmail.com
