باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
حامد التجاني علي
حامد التجاني علي عرض كل المقالات

الفاشر وأسئلة المآل: حين تصبح الثقافة والتراث والإبداع تحت الحصار

اخر تحديث: 26 أكتوبر, 2026 11:39 مساءً
شارك

حامد التجاني علي
هذه المقالة نشرت فى مجلة Transition الذي يصدرها مركز هاتشستن بجامعة هارفارد؛ تم ترجمتها وتعديل بعد اجزائها للنشر بعد موافقة المركز.
Ali, Hamid Eltgani. (2025). El Fasher at the Crossroads: Conflict, Cultural Heritage, and Contemporary Creativity at Risk. Transition Magazine, Issue T138 – Sudan. Transition Magazine (University of Harvard Hutchins Center)
تقف مدينة الفاشر اليوم في قلب واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تعقيدًا في تاريخ السودان المعاصر. فقد أدى الصراع المسلح إلى تدمير أجزاء واسعة من المدينة، وأسفر عن سقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من سكانها، لتتحول من مركز تاريخي وثقافي وتجاري في إقليم دارفور إلى ساحة مواجهة مفتوحة تحمل آثار الحرب بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. ومن بين ضحايا هذه المأساة كان والدي، التجاني علي، رحمه الله، الذي بقي في المدينة حتى وفاته، شأنه شأن كثير من أبنائها الذين آثروا البقاء رغم ظروف الحصار والمخاطر. إن ذكره هنا لا يأتي بوصفه تجربة شخصية فحسب، بل باعتباره جزءًا من الذاكرة الجماعية لمدينة دفعت ثمنًا باهظًا للحرب.
الفاشر، أو “فاشر السلطان” كما عُرفت تاريخيًا، ليست بالنسبة إليّ مجرد مكان للنشأة، وإنما فضاء تشكلت فيه منظومة من القيم والعلاقات الاجتماعية التي أسهمت في تكوين وعيي المبكر. فقد شهدت فيها مراحل تعليمي الأولى، وعشت تفاصيل الحياة اليومية في مدينة اتسمت بتنوعها الاجتماعي، وحيوية أسواقها، وترابط أحيائها. وكانت العلاقات بين السكان تقوم على الثقة المتبادلة والتكافل والمسؤولية الاجتماعية، بحيث لم يكن الجوار مجرد تقارب مكاني، بل إطارًا اجتماعيًا وأخلاقيًا ينظم الحياة اليومية ويعزز الانتماء للمجتمع.
ورغم سنوات الاغتراب الطويلة، ظلت الروابط التي نسجتها تلك المرحلة حاضرة في حياتي، إذ حافظت على علاقات وثيقة مع كثير من الأصدقاء والجيران الذين جمعتنا سنوات الدراسة والنشأة. ولم تكن تلك العلاقات مجرد امتداد لذكريات الماضي، بل تعبيرًا عن قوة رأس المال الاجتماعي الذي ميّز الفاشر عبر تاريخها، وأسهم في ترسيخ قيم التعايش والتضامن بين مكوناتها المختلفة. ومن هذا المنطلق، فإن تناول الفاشر في هذا المقال لا ينطلق من الحنين إلى المكان فحسب، بل يستند إلى قناعة بأن فهم حاضر المدينة ومستقبلها يقتضي فهم تاريخها الاجتماعي، ومؤسساتها المحلية، والعوامل التي أسهمت في بناء تماسكها، ثم في تعريضه للاهتزاز بفعل الحرب.
وفي إطار هذه النشأة، وكغيري من أبناء جيلي، بدأت علاقتي بعالم العمل في سن مبكرة، حتى قبل الالتحاق بالتعليم النظامي. كنت أرافق والدي إلى متجره فى سوق حجر قدو، فأجلس إلى جواره أراقب حركة البيع والشراء، وأستمع إلى أحاديث الزبائن التي كانت تعكس اهتمامات المجتمع وقضاياه اليومية. لم يكن المتجر مجرد مكان للتجارة، بل كان فضاءً اجتماعيًا يلتقي فيه الناس ويتبادلون الأخبار والآراء، الأمر الذي أتاح لي، منذ الصغر، التعرف إلى طبيعة المجتمع المحلي وتنوعه. وكان الزبائن، بما عُرفوا به من كرم ومودة، يقدمون لنا الحلوى أو التمر أو البسكويت والفاكهة، وفي مواسم الإنتاج الزراعي كانت أسواق الفاشر تمتلئ بثمار البرتقال والمانجو القادمة من سهول جبل مرة، بما تحمله من جودة ووفرة أصبحت جزءًا من ذاكرة الطفولة.
في تلك الفترة لم تكن هنالك رياض للأطفال في الفاشر ولم نسمع به، لذلك كانت الخلوة تمثل المرحلة الأولى من التعليم بالنسبة لمعظم الأطفال. ولم تكن الخلوة مدرسة نظامية بالمفهوم الحديث، بل مؤسسة تعليمية واجتماعية يتعلم فيها الأطفال مبادئ القراءة والكتابة من خلال الحروف العربية، إلى جانب حفظ القرآن الكريم وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية. وقد تلقيت تعليمي الأول في خلوة عمي الشيخ هاشم جالي جاموس، رحمه الله، وهو أحد معلمي القرآن الذين عُرفوا بالاحترام والمكانة الاجتماعية في المدينة وكان شيح عذب اللسان صافي القلبإنه كان من الصالحين.
وكان الشيخ، يربطنا به سلة قربى، يحرص كل يوم المرور على منزلنا لإلقاء التحية على الأسر والاطمئنان، بصورة مباشرة، ليؤكد ذهابنا إلى الخلوة. وقد عكست هذه الممارسة طبيعة المسؤولية الجماعية التي كانت تميز المجتمع المحلي، حيث لم تكن تربية الأطفال مسؤولية الأسرة وحدها، بل كانت مسؤولية يشترك فيها الجيران والمعلمون وسائر أفراد المجتمع. ورغم تلك المتابعة الدقيقة، كان الأطفال، شأنهم شأن أطفال كل زمان، يحاولون أحيانًا التهرب من الذهاب إلى الخلوة بابتكار أعذار مختلفة أو استغلال بعض المهام المنزلية لإطالة الوقت. وكنت، في بعض الأحيان، أبادر إلى قضاء حاجات بسيطة للجيران، كشراء السكر أو الشاي أو الملح من المتجر مجاور، مستمتعًا بالتجول في شوراع المدينة أكثر من رغبتي في حضور الدروس. غير أن هذه المحاولات لم تكن تؤخر سوى يوم واحد، إذ كنا نعود في اليوم التالي لنجد أن ما فاتنا من الحفظ والدروس قد تراكم علينا.
وعلى الرغم من أن تجربة الخلوة ارتبطت في ذاكرة الأطفال بشيء من الانضباط الصارم، فإنها أسهمت إسهامًا جوهريًا في بناء مهاراتنا الأساسية. فقد اكتسبنا فيها القدرة على قراءة القرآن الكريم، ومهارات أولية في القراءة والكتابة، إلى جانب قيم الصدق، الانضباط والالتزام واحترام المعلم، وهي جميعًا شكلت قاعدة متينة سهلت انتقالنا لاحقًا إلى التعليم النظامي وأسهمت في نجاحنا الأكاديمي.

وبينما كانت ساعات الصباح الأولى تقضي غالبًا بين المدرسة أو الخلوة، فى بعض الأوقات كان والدي يأخذني، بصحبة أخي الأصغر، إلى متجره في السوق، وهو المكان الذي أصبح، منذ طفولتي، أكثر فضاءات المدينة قربًا إلى نفسي. ومع انتقالي إلى المرحلة الابتدائية، أصبحت العادة أن أتوجه إلى المتجر مباشرة بعد انتهاء اليوم الدراسي، وهناك انتهت معاناتي اليومية مع الخلوة، إذ وجدت في المتجر عالمًا مختلفًا يجمع بين التعلم والمتعة وتحمل المسؤولية. وكانت مكافأتي المفضلة بعض أنواع الحلوى التي اشتهرت بها تلك الفترة، مثل حلاوة حربة وحلاوة دروبس، وهي منتجات اختفت مع مرور الزمن، بعدما عجزت عن منافسة المنتجات الحديثة من الشوكولاتة والآيس كريم.
ولا تزال صورة سوق الفاشر حاضرة في ذاكرتي بوصفه أحد أجمل الفضاءات العامة في المدينة وأكثرها حيوية. ففي البداية كنت مجرد مراقب، أتابع حركة الناس، وأستمع إلى أحاديث التجار والزبائن، وأراقب عمليات البيع والشراء في وقت كانت الأسعار لا تُثبت على السلع، بل تُحدد بالمفاوضة والثقة المتبادلة. ومع مرور الوقت بدأت أتعلم عد الأرقام، وحساب الأسعار، وتقدير قيمة السلع، وفهم أساليب التفاوض، وهي خبرات عملية سبقت ما تعلمته لاحقًا في قاعات الدراسة.
وأذكر أن والدي خرج ذات يوم لأداء الصلاة، وقال لي قبل مغادرته ” «إذا سأل أحد عني فأخبره أنني في المسجد.” غير أن بعض الزبائن حضروا في غيابه واستفسروا عن أسعار عدد من السلع. فأجبتهم بما كنت قد تعلمته من متابعتي اليومية للعمل، وأتممت عمليات البيع، ثم وضعت النقود في مكان آمن لعدم امتلاكي مفتاح محفظة النقود. وعندما عاد والدي راجع المبيعات، وتأكد من صحة الأسعار والحسابات، بدت عليه علامات الرضا والاعتزاز، وأخذ يروي تلك الحادثة لأصدقائه بفخر. وكانت تلك الواقعة نقطة تحول؛ فمنذ ذلك اليوم أصبحت شريكًا فعليًا في إدارة المتجر، وتدرجت في تحمل مسؤولياته.
ومع ازدياد مسؤولياتي في المتجر، بدأت ألاحظ أن اهتمام والدي لم يكن مقتصرًا على التجارة. فقد كان يخصص جزءًا متزايدًا من وقته للشأن العام وخدمة المجتمع، فيدعو وجهاء الحارة أو الحي للمساهمة في دعم التعليم، ويتوسط في حل النزاعات بين المجموعات المختلفة، ويسهم في تسوية كثير من الخلافات خارج الأطر القضائية الرسمية، مستندًا إلى ما كان يحظى به من ثقة واحترام بين الناس. كما ظل منزلنا مفتوحًا باستمرار للأقارب وأفراد الأسرة الممتدة؛ فمن قصد المدينة للعلاج، أو لمواصلة تعليمه، أو لإنجاز معاملة رسمية، كان يجد في بيتنا مكانًا للإقامة والدعم. وقد أسهمت هذه البيئة في ترسيخ قناعة مبكرة لدي بأن خدمة المجتمع ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي أيضًا قيمة اجتماعية وثقافة راسخة تتجسد في المبادرات الفردية والعمل الأهلي. ولم أكن أدرك آنذاك أن ذلك المتجر في سوق الفاشر كان أول مدرسة تعلمت فيها مبادئ الاقتصاد؛ ففيه تعرفت إلى الأسعار، والعرض والطلب، والثقة في المعاملات، ورأس المال الاجتماعي، وهي مفاهيم سأعود إليها بعد سنوات طويلة بصفتي باحثًا وأستاذًا للاقتصاد والسياسات العامة.
في تلك الفترة، كان التعليم الثانوي في إقليم دارفور محدودًا للغاية؛ إذ لم يكن يضم سوى أربع مدارس ثانوية، اثنتان منها في مدينة الفاشر. وكانت إحدى المدرستين توفر السكن الداخلي للطلاب، بينما كانت الأخرى تستقبل طلابها دون توفير الإقامة. ونتيجة لذلك، كان كثير من الطلاب القادمين من المناطق الريفية والبلدات المجاورة يعتمدون على شبكات القرابة والمعرفة الاجتماعية للعثور على مكان يقيمون فيه طوال العام الدراسي. وكانت الأسر في الفاشر تنظر إلى استضافة هؤلاء الطلاب بوصفها واجبًا اجتماعيًا وإسهامًا في دعم التعليم، أكثر منها مجرد عمل من أعمال الضيافة.
وكان منزلنا واحدًا من تلك البيوت التي ظلت أبوابها مفتوحة لأفراد الأسرة الممتدة وأبناء القرى المجاورة. فقد أقام معنا، على مر السنين، عدد من الطلاب الذين قدموا لمواصلة تعليمهم، وكانوا يشاركوننا الحياة اليومية، ويتلقون، عند الحاجة، ما يتيسر من الدعم المادي والمعنوي. ولم يكن هذا السلوك استثناءً، بل كان جزءًا من ثقافة اجتماعية راسخة تقوم على التكافل وتحمل المسؤولية الجماعية تجاه التعليم وأبناء المجتمع.
ولم يقتصر دور منزلنا على استقبال الضيوف، بل أصبح أيضًا ملتقى لأبناء المنطقة في كثير من القضايا العامة. فقد كان والدي يحظى بثقة واسعة بين الناس، الأمر الذي جعله مقصدًا للراغبين في تسوية النزاعات والخلافات قبل اللجوء إلى القضاء النظامي. وكانت تُعرض عليه قضايا متنوعة، بعضها شديد التعقيد، فيسعى إلى التوفيق بين الأطراف والوصول إلى حلول تحقق العدالة وتحفظ السلم الاجتماعي، مستندًا إلى الأعراف المحلية وما يحظى به من احترام ومصداقية. كما شارك، في مناسبات عديدة، في لجان الصلح والتحكيم التي كانت تُشكَّل لمعالجة النزاعات المجتمعية والقبلية، وأسهم في تقدير التعويضات والتوصل إلى تسويات تحظى بقبول الأطراف المختلفة.
وقد عُرف والدي بحسن الإصغاء، وسعة الصدر، والتروي في إصدار الأحكام، إلى جانب حرصه على الإنصاف والحياد. ولم يكن يغادر الفاشر إلا نادرًا، وغالبًا استجابة لطلبات الوساطة في نزاعات وقعت في مناطق أخرى من دارفور. ومع مرور الوقت، أصبح مرجعًا لكثير من المسؤولين المحليين، بمن فيهم ولاة الإقليم، الذين كانوا يلجؤون إلى مشورته في القضايا المرتبطة بالسلم الأهلي والتماسك الاجتماعي، إدراكًا منهم لأهمية الدور الذي تضطلع به القيادات المجتمعية في حفظ الاستقرار وتعزيز التوافق بين مكونات المجتمع.
ولم أدرك آنذاك أن ما كنت أشاهده يوميًا في منزلنا لم يكن مجرد ممارسات اجتماعية متوارثة، بل كان نموذجًا للحوكمة المحلية غير الرسمية؛ حيث كانت الثقة، والوساطة، والأعراف المجتمعية تؤدي وظائف أساسية في إدارة الشأن العام وحفظ السلم الأهلي، في ظل محدودية حضور مؤسسات الدولة. وقد شكّلت تلك الخبرات المبكرة جزءًا من اهتمامي اللاحق بقضايا الحوكمة والسياسات العامة وبناء المؤسسات.
كان والدي ينتمي إلى حزب الأمة، وظل طوال حياته منخرطًا في الشأن العام، مؤمنًا بأن المشاركة السياسية والعمل المجتمعي يشكلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق العدالة والاستقرار. ومع تصاعد الأزمة في دارفور في مطلع الألفية الجديدة، لم يُخفِ مواقفه المؤيدة للمعارضة، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله عدة مرات. ورغم ما تعرض له من احتجاز وضغوط، لم يتراجع عن قناعاته، وظل متمسكًا بما كان يراه حقًا لأهل دارفور في التمثيل العادل، والمشاركة السياسية، والتنمية المتوازنة.
ولم تكن مواقفه السياسية منفصلة عن شخصيته أو عن الدور الذي اضطلع به داخل المجتمع؛ فقد كانت امتدادًا طبيعيًا لما عُرف عنه من حرص على الإنصاف، وسعي دائم إلى الإصلاح، وإيمان بأن معالجة المظالم والحفاظ على السلم الأهلي لا يتحققان إلا بالعدل واحترام كرامة الإنسان. وكان هذا الالتزام ينعكس في حياته اليومية، سواء في وساطاته لحل النزاعات أو في دعمه للمحتاجين، إذ لم يكن يتردد في تقديم العون لكل من يقصده، حتى أصبح منزله مقصدًا للناس، كما أصبح اسمه مقترنًا بخدمة المجتمع أكثر من أي صفة أخرى.
وعندما اندلعت الحرب في السودان ووصلت إلى الفاشر، ألححنا عليه مرارًا في مغادرة المدينة حفاظًا على سلامته، لكنه رفض ذلك بإصرار. وكان يردد” كيف سيذكرني الناس إذا غادرت المدينة وهي تحت الحصار؟” لم يكن هذا الموقف تعبيرًا عن رغبة في البقاء، بقدر ما كان انعكاسًا لشعور عميق بالمسؤولية والانتماء تجاه المدينة التي عاش فيها عمره كله، وخدم أهلها على مدى عقود. واختار أن يبقى حتى وافته المنية، شأنه شأن كثير من أبناء الفاشر الذين آثروا البقاء إلى جانب مجتمعهم في أصعب الظروف.
ولا أرى في قصة والدي استثناءً؛ فهي واحدة من قصص كثيرة جسّدها رجال ونساء في مختلف أنحاء السودان، ممن تمسكوا بمجتمعاتهم وتحملوا كلفة الحرب دفاعًا عن قيمهم ومبادئهم. غير أن الفاشر اكتسبت، خلال هذه الحرب، دلالة تتجاوز حدودها الجغرافية، إذ أصبحت رمزًا لصمود المجتمع المحلي، وميدانًا لاختبار قدرة السودانيين على الدفاع عن فكرة الدولة الوطنية في مواجهة الانقسام والعنف. ومن هنا يبرز السؤال الذي يسعى هذا المقال إلى استكشافه: لماذا أصبحت الفاشر، على وجه الخصوص، نقطة ارتكاز في الصراع حول مستقبل السودان ووحدته؟
قراءة مقاومة في تاريخ المدينة والإقليم:
تاريخ الفاشر مرتبط على نحو وثيق بدارفور؛ فالأولى مدينة، بينما الثانية إقليم تاريخي يسبق في وجوده السودان الحديث، ويمتد تاريخ دارفور عميقًا في إرث وادي النيل، وهي حقيقة لا تغيب عن الوعي السوداني.
على الرغم من أن كثيرًا من الدراسات التي تناولت دارفور تركّز على تاريخها الحديث، فإن الصلات الأقدم بين دارفور ووادي النيل والحضارة النوبية ما تزال من المجالات التي لم تحظ بالبحث الكافي، وقد أسهمت عوائق عديدة، من بينها الصراعات والحروب المتواصلة ومحدودية التمويل، في الحدّ من أعمال التنقيب الأثري في مواقع تاريخية مهمة، ولا سيما في منطقة وادي هَوَر، المعروف أيضًا باسم “النيل الأصفر”.
وكان النيل الأصفر أحد روافد نهر النيل، ينبع من تشاد ويجري لمسافة تقارب 1100 كيلومتر قبل أن يلتقي بالنيل شمال دنقلا القديمة خلال الفترة المطيرة الأفريقية (9500–4500 سنة مضت). ووفقًا للأبحاث التي نشرها صغيرون وآخرون (2010)، وكذلك الدراسات التي نشرها كرُوبيلين وآخرون في مجلة Science عام 1987، فقد سكن هذه المنطقة رعاة الماشية، كما شكّلت مركزًا تجاريًا مهمًا للممالك النوبية، رابطًا بين وسط أفريقيا وغربها من جهة ووادي النيل من جهة أخرى. وفي هذا السياق التاريخي نشأ اسم “السودان”؛ بمعنى “أرض السود”، وهو اسم كان يشمل تاريخيًا أجزاءً واسعة من غرب أفريقيا. وتشير نتائج فحوص الحمض النووي الحديثة لبعض قبائل دارفور، مثل البرتي والميدوب والزغاوة، إلى أصولها المرتبطة بشمال شرق السودان، بما يوحي بأنها تنحدر من النوبيين الذين أسسوا مملكة كوش. ومن خلال تتبع روافد النيل، تحرك النوبيون شمالًا نحو مصر، وشرقًا نحو إثيوبيا والصومال، وجنوبًا نحو جبال النوبة، وغربًا نحو دارفور.
غير أن التاريخ الاستعماري شوّه هذه الحقائق، إذ أُلحق تاريخ السودان بالتاريخ المصري، وهُمِّش وجود الحضارة النوبية بوصفها حضارة مستقلة. ومع ذلك، قدّم بعض المؤرخين أدلة أرشيفية تشير إلى أن الحضارة النوبية، التي نشأت في السودان، تُعد من أقدم الحضارات الإنسانية، كما ظلت الأهرامات شاهدًا على الرقي الثقافي والفني الذي بلغه النوبيون؛ قبل أن يمتد تأثيرهم إلى الثقافة المصرية.
لقد كُتب تاريخ السودان من خلال عدسة استعمارية؛ ركّزت بصورة غير متناسبة على وادي النيل، ولم تُبدِ اهتمامًا كافيًا بدراسة نشأة الأقاليم السودانية الأخرى وتطورها وحقوقها التاريخية، وأسهمت هذه السردية التاريخية المشوّهة في تهميش إسهام دارفور في الحضارة القديمة؛ وهو إسهام جرى حجبه ومصادرته عمدًا من قبل السلطة الاستعمارية البريطانية خدمةً لمصالحها الإدارية والأيديولوجية. ومن هذا المنظور، فإن محنة الفاشر اليوم تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في السرديات السائدة حول الحضارة النوبية، فهذه الحضارة نشأت في السودان، ثم امتدت موجاتها شمالًا نحو مصر. وتوجد، بحسب الكاتب، شواهد كثيرة تدعم الرأي القائل إن الفراعنة ارتبطوا تاريخيًا بالأرض النوبية، وعندما كان الفراعنة يتحدثون عن الأنهار، فإنهم كانوا يشيرون إلى النيل وروافده الواقعة ضمن المجال النوبي.
لأجل ذلك لا يمكن اختزال أهل دارفور في السرديات المعاصرة التي تقدّمهم بوصفهم ضحايا فحسب؛ بل هم ورثة حضارة عُرفت بالصمود والإبداع والذكاء وروح المبادرة، كما أن تاريخهم بوصفهم محاربين وأصحاب حنكة سياسية؛ يقف على النقيض من التصورات الاستعمارية التي وصمت الهوية الأفريقية بالبدائية والخطر.
ظلّ النظام الاستعماري يعمل بصورة منهجية على محو الهوية الأفريقية، وإنتاج انقساماتٍ عميقة وشكوك متبادلة بين مكوّنات الشعب السوداني، وقد حكم البريطانيون السودان لمدة خمسةٍ وستين عامًا، من 1899 إلى 1956. وخلال هذه الفترة أسّسوا نظامًا إداريًا قائمًا على البنى القبلية لإدارة البلاد؛ فعلى سبيل المثال، في عشرينيات القرن العشرين، شرع البريطانيون في مشروع واسع من “الهندسة الاجتماعية” تمثّل في إنشاء تصنيف إداري يعتمد على الفوارق الثقافية واللغوية القائمة. وقد طُبِّقت قوانين المناطق المغلقة Closed Districts Ordinances، إلى جانب إجراءات أخرى مثل قوانين ملكية الأراضي لعام 1925، والتي قامت بترسيم الحدود القبلية بصورة قانونية وإدارية. وفي دارفور، على سبيل المثال، جرى حصر أفراد قبيلة الزغاوة داخل ما عُرف بـ “دار زغاوة”، ومُنعوا من التنقل إلى مدن دارفور الأخرى، فضلًا عن التنقل إلى بقية أنحاء السودان.
وفي عام 1932، أدخلت الإدارة الاستعمارية نظام الإدارة الأهلية Native Administration الذي جرى تقنينه عبر مرسوم المحاكم الأهلية، وقد منح هذا النظام زعماء القبائل سلطات قضائية وإدارية واسعة. ورغم أنه قُدِّم بوصفه آلية لتسهيل الحكم، فإنه أسهم في إذكاء التنافس القبلي على السلطة والموارد، وأدى في بعض الحالات إلى قمع الأقليات حتى داخل البنية القبلية الواحدة.
وكان من أخطر آثار هذه السياسات أن قوانين المناطق المغلقة في عشرينيات القرن العشرين منعت السودانيين الشماليين من دخول جنوب السودان أو العمل فيه. وقد عمّقت هذه السياسات الانقسام، وأنتجت فعليًا كيانين سياسيين داخل دولة واحدة، الأمر الذي أسهم في اندلاع حروب طويلة أودت بحياة الملايين، وانتهت في النهاية إلى انفصال السودان. وبذلك لم تكن السياسات الاستعمارية مجرد أدوات إدارة، بل كانت آليات لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد على نحوٍ أنتج الانقسام البنيوي الذي ما تزال آثاره ممتدة حتى اليوم.
تُتيح الأزمة الراهنة فرصةً للتأمل وللبحث عن الحكمة الكفيلة بتجاوز تحدّيات السودان. وتمثّل الفاشر اليوم رمزًا للمقاومة في مواجهة قوى الاستعمار المعاصر، وأشكال الاستغلال التي يفرضها منطق الرأسمالية المتوحّشة في سعيها المحموم وراء الموارد. إن الهجمات المستمرة التي تنفذها مليشيات تتكوّن من تشكيلات متعددة الجنسيات، وما ذلك إلا أحد إفرازات نظام عالمي يقوم على تراكم الثروة، عبر استغلال المناطق الغنية بالموارد. وفي هذه اللحظة المفصلية، لم تعد الفاشر مجرد مدينة، بل غدت شهادة حيّة على روح السودان الوثابة، ونداءً لاستعادة هويته التاريخية، فمن خلال الحفاظ على وحدته وتراثه الثقافي، يستطيع السودان أن يقف في مواجهة قوى الانقسام ويعيد تأكيد مكانته بوصفه مهدًا للحضارة والقوة.
وتتجذّر الأهمية التاريخية للفاشر بوصفها العاصمة التاريخية لسلطنة دارفور، ولا سيما في عهد السلطان عبد الرحمن الرشيد في القرن الثامن عشر، فقد اتخذت السلطنة من الفاشر مقرًا لحكمها نظرًا لموقعها الاستراتيجي الذي وفّر مراعي واسعة، كما أتاح الوصول إلى طرق تجارية رئيسة تربط بين مصر ووسط أفريقيا وغربها. وقد استقطبت المدينة العلماء الدينيين والمحاربين، إلى جانب أسرٍ مؤثرة مثل كاكوم بحر العلوم، وأبو اليمن، الذين قدموا من شمال السودان واستقروا فيها بوصفهم مستشارين وزعماء مجتمعات وتجارًا ومعلمين في الخلاوي القرآنية. وكانت قوافل السلطان علي دينار المتجهة إلى مكة لأداء الحج تصحبها دومًا فسيفساء اجتماعية تعكس تنوّع المدينة وتعدّد مكوّناتها. ولهم الفضل في تاسيس آبار علي وكسوة الكعبة المشرفة.
أصبحت الفاشر لاحقًا مركزًا تجاريًّا يربط السودان بعمقه في أفريقيا جنوب الصحراء وبشمال أفريقيا، وشهدت موجات هجرة من ليبيا وتشاد والمغرب ووسط أفريقيا. ورغم هذا التنوع الاجتماعي المعقّد، فإن الانتماء القبلي لم يكن هو المحدد الغالب للحياة في الفاشر، بل سادت روح الواجب المدني والمسؤولية الجماعية، بما عزّز رأس المال الاجتماعي وروح التعايش، وقد تجلّى ذلك في الطريقة التي كان بها الأطفال ينادون أي كبير سن بـ”العم” أو “الأب” أو “أبو”، إدراكًا لدوره المجتمعي بوصفه مساعدًا ومرشدًا، وأحيانًا مُربيًا أو ضابطًا للسلوك عند الحاجة.
ومن بين النماذج البارزة في هذا السياق الحاج أحمد وداعة الله، الملقب بـ”أبو عشرة”، وهو تاجر من مدينة كريمة ينتمي إلى قبيلة الشايقية في شمال السودان، وقد كان رئيس مجلس إدارة مدرسة الفاشر الابتدائية، وكان يعرف كل الطلاب ويزور المدرسة يوميًا، كما برزت شخصيات أخرى مثل العم التهامي، والعم سوريج، والشيخ يوسف إمام الجامع الكبير. ويجدر بنا كذلك ذكر التربويين البارزين أبو علي بشير، الاستاذ احمد جميل الله وعبدالله كرنيك وأبو حمد حسب الله، الذي كان برلمانيًا سابقًا ثم أصبح مديرًا لمدرسة دارفور الثانوية، وقد تميز هؤلاء جميعهم بالحكمة والتفاني العميق في خدمة التعليم، وأسهم التزامهم في تشكيل أجيال كاملة، ودفع كثيرين، من بينهم الكاتب، إلى اختيار مسار الخدمة العامة في المجال الأكاديمي. وقد كان الإيمان السائد بينهم أن الطريق الوحيد للخروج من الفقر والحرمان هو التعليم الجاد، ولذلك انخرطوا في دعم الأنشطة المدرسية، وخاصة الرياضة، بما عزّز روح الانتماء للمدرسة.
وقد استقر هؤلاء القادة في الفاشر، وذابوا في نسيجها الاجتماعي دون انغلاق أو تمايز. ومن بين الشخصيات الأخرى الحاج بابكر نهار، وهو رجل أعمال عُرف ببساطته وكرمه، حيث كان يصطف أمام بيته صباحًا عدد كبير من المحتاجين لتلقي المساعدات الذي يقدمه يوميًا، في مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي الذي يتجاوز الانتماءات القبلية ويعزز تماسك المدينة.
وامتدّ هذا التكافل والجوّ الحيويّ المدني في الفاشر إلى أنديتها الرياضية الشهيرة: الهلال والمريخ والموردة، التي كانت موضوعًا لنقاشات يومية لا تنتهي، وأسهمت في بناء هوية جماعية مشتركة، وكانت الزيارات المسائية إلى مقار الأندية بعد ساعات العمل من أبرز الأنشطة الاجتماعية. أما المجمع الثقافي في الفاشر، بما يضمه من مكتبة ومسرح وقاعات فعاليات، فقد أسهم في إثراء الحياة الثقافية للمدينة، التي احتضنت أيضًا شعراء أمثال عباس العالم ومغنين وفنانين تركوا بصمتهم في وجدانها، كما كان السكان يرتادون المجلس الثقافي البريطاني؛ لحضور محاضرات أو استعارة كتب من مكتبة المجلس.
لقد ظلّ هذا الرصيد الاجتماعي الغني هو السرّ وراء صمود الفاشر في مواجهة القصف وهجمات الميليشيات؛ فقد تمكنت المدينة حتى من صدّ أكثر من 280 هجومًا منسّقًا شنّته الميليشيات، بما في ذلك اعتداءات طالت النازحين في مخيمي زمزم وأبو شوك.
وقد صُممت هذه الهجمات لإحداث الفوضى وإجبار النازحين على التهجير القسري، مع تمركز قناصة في مواقع استراتيجية تهدف إلى تطويق المدينة ومهاجمتها من عدة اتجاهات. ورغم الخسائر الكبيرة، أظهر أهل الفاشر صمودًا لافتًا ورفضوا مغادرة مدينتهم وأهلها، وقد فقدت الميليشيات خلال هذه العمليات عددًا من أبرز قادتها الأكثر قسوة داخل أزقة المدينة وممراتها، قبل أن تسقط في يد مليشيات التتار ليعيثوا فيها نهبًا وتقتيلًا.
وقبل الدمار الذي لحق بالمدينة على يد الميليشيات، كانت الفاشر مدينة نابضة بالحياة ومزدحمة بالسكان؛ فقد تطورت من بلدة لا يتجاوز عدد سكانها 40 ألف نسمة عام 1970 إلى مدينة يقطنها نحو 1.5 مليون نسمة قبل دمارها، من بينهم حوالي 800 ألف نازح داخليًا بحسب نوجنت وزمباكيدس (2009 – الأمم المتحدة).
وكان المصدر الرئيسي للمياه هو سدّ قولو، الذي صُمم لخدمة نحو 50 ألف شخص فقط، ولم يعد قادرًا على تلبية الطلب المتزايد؛ لذلك باتت البحيرات الموسمية والوديان والآبار مصادر تكميلية. ويشير نوجنت وزمباكيدس إلى أن عربات الخيول والشاحنات التي تبيع المياه أصبحت مشهدًا مألوفًا في شوارع المدينة المزدحمة، في حين تجوب سيارات الأجرة القديمة والدراجات النارية الطرق الترابية والرملية، في مظهر يعكس الفوضى التي قد تُشاهَد في مدينة أفريقية نامية.
الفاشر بعد حرب أبريل:
أصبحت الفاشر منطقة مشتعلة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي قامت بها الميليشيا، أو ما يُعرف بقوات الدعم السريع، في 15 أبريل/نيسان 2023. وحتى قبل اندلاع الحرب، كانت هذه القوات تعمل على تعزيز نفوذها في دارفور عبر استقطاب بعض قادة الحركات المسلحة وإغراء الزعماء القبليين.
ومن الملفت أن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) تجنّب زيارة الفاشر، مفضّلًا التركيز على غرب دارفور حيث أقام لفترة طويلة تحت غطاء “المصالحة القبلية”، غير أن الواقع كان يشير إلى أنه كان يعمل على بناء قدراته العسكرية وتطوير ترسانته، إضافة إلى تسهيل الهجرة ومنح صفة التجنيس لمقاتلين مهاجرين من قبائل العطاوة القادمين من النيجر وتشاد ومالي، والذين استُوطنوا في غرب ووسط دارفور، وكان هدف حميدتي واضحًا: الاستعداد للحرب وتأسيس قاعدة نفوذ في دارفور تكون ملاذًا بديلًا في حال فشل محاولته للسيطرة على الخرطوم. وجعل منطقة زروق في دار زغاوة قاعدة عسكرية ومركز للإمداد بغطاء تنموي لتوفير حياة كريمية للرعاة. ومع اندلاع الحرب، أعلنت بعض الحركات المسلحة السابقة، مثل القوة المشتركة، الحياد، إلا أن هذا الموقف كان إلى حد كبير تكتيكيًا، إذ انحازت معظم هذه المجموعات لاحقًا إلى جانب الحكومة السودانية، باستثناءات محدودة.
مع إنفجار الأوضاع في الفاشر بعد فك الحياد، تقاسمت قوات الجيش والحركات المسلحة السيطرة على المدينة؛ إذ خضع شمالها وغربها للفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش، بينما سيطرت القوة المشتركة على وسط المدينة والسوق الرئيسي، في حين سيطرت الميليشيات على الأحياء الشرقية والشمالية الشرقية، وتمركزت في مواقع استراتيجية استخدمت منها القناصة لدفع السكان إلى النزوح؛ كما استهدفت الميليشيات الأحياء المدنية بالقصف العشوائي بهدف تفريغ المدينة من سكانها، وإعادة توطين وافدين جدد من النيجر وتشاد ووسط أفريقيا.
وكان من بين أهداف داعمي الميليشيا السعي إلى تقسيم السودان علي النموذج الليبي، مع خطط لإعلان الفاشر عاصمةً جديدة لكيانهم السياسي. وقد دُفعت إلى المدينة قوات ميدانية بقيادة قادة بارزين مثل الجنرال علي يعقوب وأبو شوك وأمبيلو وشطة وسافنا وغيرهم. وهؤلاء القادة يمثلون العمود الفقري للمليشيا، ومع مرور الوقت قُتل معظم هؤلاء القادة داخل الفاشر، باستثناء أبو شوك وسافنا اللذان التحقا الي معسكر الحكومة لاحقًا.
لكن مع ذلك أُجبر سكان شرق المدينة وجنوبها على الانتقال إلى مخيمات أبو زريقة وقوس باينا وزمزم، غير أن مخيم زمزم نفسه تعرّض لهجوم في أبريل/نيسان 2025، أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى وتشريد أكثر من 400 ألف شخص، وكان هذا المخيم يشكل حاجزًا واقيًا للجزء الجنوبي من الفاشر، كما كان يشكل شريانًا حيويًا لإمداد المدينة بالغذاء والوقود. وبعد تدميره، أصبحت الفاشر محاصرة بالكامل وتتعرض لهجمات يومية، وقد تفاقمت المجاعة وانتشرت الأمراض، وأصبح الوضع الإنساني بالغ القسوة إلى درجة يصعب الإحاطة بها. وتبقى الحاجة ملحّة إلى نداء إنساني عاجل لإنقاذ الأرواح وفتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين. فالمدينة تعيش حصارًا مستمرًا منذ نحو 500 يوم، ورغم ذلك يواصل الجيش وحلفاؤه الدفاع عنها بإصرار شديد. وهنا نتذّكر صمود أهل دارفور وخاصة الشباب الذين أستبسلوا دفاعًا عن المدينة لولا سوء تقديرات بعض قادة الحركات وبطئ تحرك قيادة الجيش لنجدة الفاشر كان يمكن إنقاذ كثير من الأرواح. وقد حاولت الميليشيات اقتحام المدينة أكثر من 280 مرة بدرجات متفاوتة من العنف، فيما ربط داعموها الاعتراف السياسي بتقسيم السودان على النموذج الليبي بقدرتهم على السيطرة على الفاشر وإعلانها عاصمةً لكيانهم.
ويؤمن الفاعلون السياسيون في الفاشر وخارجها، إيمانًا راسخًا بأن سقوط المدينة بيد الميليشيات سيعني انهيار السودان بأكمله، وقد أسهم هذا الاعتقاد في تعبئة السودانيين على امتداد البلاد للدفاع عن المدينة برًا وجوًا، في مواجهة قوى الانقسام. فقد أظهرت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها بما في ذلك القوة المشتركة والمقاومة الشعبية؛ أظهروا شجاعة كبيرة وتمكنوا من صدّ جميع الهجمات، محافظين على المدينة، وإن كان ذلك بتكلفة إنسانية باهظة.
لقد خلّف القصف العشوائي الذي تشنه الميليشيات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة أثرًا بالغًا على المدنيين. فقد أُجبر آلاف السكان على مغادرة منازلهم والفرار إلى مخيم زمزم، الذي لم يعد بدوره مكانًا آمنًا للمدنيين. وتواصل الميليشيات ارتكاب انتهاكات جسيمة، يُنظر إليها على أنها ترقى إلى جرائم إبادة جماعية، على نحوٍ مشابه لما حدث في الجنينة ضد قبيلة المساليت، حيث قُتل أكثر من 15,000 شخص بدم بارد. ورغم جسامة هذه الانتهاكات، فإن استجابة المجتمع الدولي ظلت في معظمها في حدود التصريحات الشكلية دون إجراءات فعلية ملموسة.
يمكن الإشارة في هذا السياق إلى قرار صادر عن الكونغرس الأمريكي (1328 – الكونغرس 118، 2023–2024) أشار بوضوح إلى أن أفعال الميليشيات تندرج ضمن الأفعال ذات الطابع الإبادي. ويفتح هذا القرار المجال أمام تفعيل أدوات القانون الجنائي الدولي وفرض عقوبات على المسؤولين عن هذه الجرائم. كما تتزايد الحاجة بصورة ملحّة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين من انتهاكات الميليشيات. ونظن أنه يمكن تحقيق ذلك عبر ثلاث خطوات رئيسية:
أولًا: ممارسة الضغط على الجهات الداعمة للميليشيات لوقف تزويدها بالسلاح.
ثانيًا: تصنيف الميليشيات بوصفها منظمة إرهابية وفرض عقوبات دولية على عناصرها وقادتها.
ثالثًا: تنسيق الجهود بين الأمم المتحدة والحكومة السودانية لإنشاء ممرات آمنة تتيح للمدنيين الوصول إلى الغذاء والدواء في مختلف المناطق.
معالم تكاد تفقد ملامحها:
وبالتوازي مع هذه الأزمة الإنسانية، يواجه التراث الثقافي والتاريخي للفاشر خطرًا متزايدًا. ومن أبرز المواقع الثقافية المهددة: قصر السلطان علي دينار والجامع الكبير بالفاشر (مسجد الكبير). ويقع القصر على مرتفع يطل على الوادي، ما يمنحه رؤية بانورامية لمركز المدينة ومآذن الجامع الكبير في الأسفل. ويُعد القصر مثالًا بارزًا على العمارة الدارفورية، إذ يتميز بالنقوش المزخرفة، والأقواس المعمارية، والجدران السميكة المبنية من الطوب الطيني، المصممة لتلائم مناخ المنطقة. كما يعكس مزيجًا من العمارة السودانية التقليدية والتأثيرات الإسلامية، بما يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية للمنطقة.
أما الجامع، فقد كان يشكّل فضاءً مركزيًا يعزز من خلاله السلطان سلطته، بوصفه قائدًا دينيًا وسياسيًا في آنٍ واحد. وكان أيضًا موقعًا رمزيًا لمراقبة المجال السياسي والاجتماعي، حيث كان يُتوقع من الجميع أداء الصلاة إلى جانب السلطان، سواء بدافع الطاعة أو طلبًا للنفوذ والقرب.
وخلال الطفولة، كان الناس يزورون القصر ويتأملون ما يضمّه من سيوف ورماح ودروع استخدمت في عهد السلطان، إلى جانب الملابس الاحتفالية مثل العباءات والتيجان، ومقتنياته الشخصية من ألبسة وحُلي وأدوات يومية، ما أتاح نافذة على نمط حياته. كما حفظ القصر وثائق ومراسلات تاريخية، من بينها رسائل متبادلة مع الدولة العثمانية، ما يعكس امتداد الحضور الدبلوماسي للسلطنة.
وتُعرف دارفور أيضًا بتراثها في تلاوة القرآن الكريم، حيث كان السلطان يكرّم القرّاء ويمنحهم الهدايا والجوائز. ويحتوي الجامع على مخطوطات قرآنية مكتوبة بخط اليد ونصوص دينية، بما يعكس مركزية الدين في الحياة السياسية والثقافية لدارفور. وقد تعرّضت هذه المعالم، وما يحيط بها، لتهديدات متزايدة بفعل الصراع وعدم الاستقرار، مما جعلها في دائرة الخطر المباشر. وهي لا تمثل مجرد بقايا تاريخية، بل مفاتيح أساسية لفهم التاريخ الثقافي والسياسي للفاشر ودارفور ككل.
وتشير أعمال فنية ونصوص شعرية تعود إلى نزاعات سابقة في دارفور إلى حضور موضوعات التهجير والهوية والبقاء، غير أن تجدد الصراع الحالي، وما خلّفه من دمار طال أجزاء واسعة من الفاشر بما في ذلك الجامع الكبير، يفرض الحاجة إلى جهود متجددة من قبل الفنانين والمبادرات الدولية والمنظمات غير الحكومية المعنية بالتراث السوداني، لإبراز حجم الدمار والمعاناة، وكذلك أشكال المقاومة الثقافية التي تبديها المدينة.
إن التحديات التي تواجهها الفاشر سواء عبر المواجهات العسكرية، أو الأزمات الإنسانية، أو التهديدات التي تطال مواقعها التاريخية تؤكد الحاجة الملحّة إلى عمل جماعي منسّق. إذ ينبغي للمجتمعات المحلية والفنانين السودانيين والمنظمات الدولية أن تتكاتف من أجل حماية هذا الإرث الفريد. فإن قصر السلطان علي دينار والجامع الكبير ليسا مجرد معالم من الماضي، بل هما رمزان لاحتمال مستقبل تُعيد فيه الثقافة والتاريخ تشكيل معنى الصمود والتعايش في مواجهة العنف والدمار، ومع استمرار الحصار الذي تتعرض له الفاشر، وسقوطها علي يد المليشيا، يظل أهلها مجسّدين لروح السودان التي لا تنكسر. فشجاعتهم تذكّرنا بأن الصمود والوحدة قادران، حتى في أحلك اللحظات، على أن يفرضَا حضورهما.
خاتمةٌ لأمّ المدائن:
إن أولئك الذين يأتون بالدمار يبدو أنهم لم يزوروا هذه المدينة قط، ولم يدركوا جمالها، ولا عمق الحياة في قلبها. فلتكن قصة الفاشر، وقصة والدي وجيراني وأقاربي -وهم أناس مسالمون لم يطلبوا سوى أن يعيشوا ويعملوا ويربّوا أبناءهم في سلام- درسًا تحذيريًا من جهة، وإلهامًا من جهة أخرى، يدفعنا إلى الدفاع عن العدالة والحماية وصون إرثٍ لا يخصّ السودان وحده، بل يتجاوزه إلى الإنسانية جمعاء.
وأستعير هنا عنوانًا شعريًا كثيرًا ما يُطلق على المدن ذات الثقل التاريخي والثقافي؛ فأسمّي الفاشر “أمّ المدائن”، هذه المدينة التي أنجبت الكثيرين، ورعتهم طويلًا، يا تُرى من الذي سيحميها اليوم ويعيد مجدها؟!

hamid.ali@dohainstitute.edu.qa

Author
حامد التجاني علي

حامد التجاني علي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
انقلاب الكيزان (الصهاينة) .. بقلم: بشرى أحمد علي
منبر الرأي
العساكر “هَمْبَلونا” فـ “تْهَمْبَلنا” والمتغابي ماهو غبيان !! .. بقلم: عيسى إبراهيم
منبر الرأي
مامون حميدة يستنكر ؟؟؟ الشيطان يعظ .. بقلم: صاحب الدين بامس الرفاعي
ما بين جوبا وودمدني، السياسة ووجدان الشعوب
منبر الرأي
يا كاتل الروح من الله وين بتروح .. بقلم: علي الكوباني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

النخبة السودانية ومأزق الديمقراطية .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

زين العابدين صالح عبد الرحمن
منبر الرأي

وهنالك دعا زكريا ربه .. رسالة لنا يوم القيامة هل من مجيب

السر جميل
منبر الرأي

القيادات الجديده

محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي

مدارج السالكين إلى مذكرات الرائد زين العابدين -2- .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss