الفقه الدستوري الإسلامي المعاصر(6): حقوق الإنسان .. بقلم: د.صبري محمد خليل

د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
تمهيد: كما تناول الفقه الدستوري الاسلامى المعاصر قضيه حقوق الإنسان.
المفاهيم الكلية للمنظور الاسلامى لحقوق الإنسان:ينطلق المنظور الاسلامى لحقوق الإنسان من المفاهيم الكلية التالية:
أولا: التوحيد( الله تعالى هو مصدر الحقوق الاصليه للإنسان):طبقا لمفهوم مفهوم التوحيد فان الحق صفة من صفات ربوبية الله تعالى ، و هذه الصفة لها شكلين من أشكال الظهور : الأول هو  الظهور التكويني كما في قوله تعالى﴿ ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ ، ويترتب عليه تقرير الحقوق التكوينية للإنسان والتي تتمثل في الحقوق التي جعلها الله تعالى  للإنسان حقوقاً بحكم تكوينه، والثاني هو الظهور التكليفى كما في قوله تعالى﴿ فذلك الله ربكم الحق﴾ ،ويترتب عليه الحقوق التكليفيه ، والتي تتمثل في الحقوق قررها الله تعالى للإنسان في شرعه.ويترتب على ما سبق أن مصدر الحقوق الاصليه للإنسان في المنظور الاسلامى لحقوق الإنسان هو الله تعالى.
ثانيا: الاستخلاف ( الاجتهاد الانسانى هو مصدر الحقوق الفرعية للإنسان):
وطبقا لمفهوم الاستخلاف فان الله تعالى استخلف الجماعة في إظهار الحق كصفه ربوبية في الأرض، وذلك بالتزامها بالحقوق الاصليه للإنسان ( التي لا تخضع للتغير في المكان أو التطور خلال الزمان )، والتي مصدرها التكليفى هو الوحي، ومصدرها التكويني هو السنن الالهيه التي ضبط حركه الإنسان.ثم اجتهادها في وضع الحقوق الفرعية للإنسان ( التي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان).
الحقوق الأصلية:  والحقوق الأصلية التي قررها الإسلام للإنسان تنقسم إلى أربعة حقوق رئيسيه تتفرع منها حقوق ثانوية متعددة،وهذه الحقوق الاساسيه
هي: (ا)حق  الحفاظ  على الحياة (ب)حق التعبير (ج)حق المعرفة (د)حق العمل.
أولاً: حق الحفاظ على الحياة: أول الحقوق الاصليه التي قررها الإسلام للإنسان حق الحفاظ  على الحياة ، لهذا عد القرآن الكريم  القتل جريمة ليس ضد الفرد المقتول فقط بل الإنسانية كلها، قال تعالى﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ( المائدة : 32)،وشرع القصص تأكيداً لهذا الحق وحماية له ( ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب)، بل قرر الإسلام  هذا الحق للإنسان قبل أن يولد، فحرم الإجهاض يقول الغزالي ( الإجهاض جناية على وجود حاصل ، فأول مراتب الوجود النطفة في الرحم فتختلط بماء الرجل فإفسادها جناية) (الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج2 – ص 65)،ويتصل بحق الحفاظ على الحياة حق توفير الدولة الإسلامية الحاجات الضرورية للناس من ملبس ومأكل ومسكن وعلاج و تكوين الأسرة ،يقول الإمام ابن حزم الظاهري ) وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد، أن يقوموا بفقرائهم ، ويجبرهم السلطان ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين لهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ،ومن اللباس للشتاء والصيف ،و بمثل ذلك بمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة)( أبن حزم ، المحلي ، ج1- ص 156).  ويتصل بحق الحفاظ على الحياة تحريم الإسلام التعذيب لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)( أن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) ( رواه مسلم) ، وتحريم التخويف لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( لا يحل  لمسلم أن يروع مسلماً )( أبو داود).
ثانياً: حق المعرفة: ثاني  الحقوق الاصليه التي قررها الإسلام  للإنسان هو حق المعرفة، لذا قرر الإسلام إلزامية التعليم  الاساسى التي نستدل عليها بقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)( طلب العلم فريضة على كل مسلم)، وكذلك مجانية التعليم الاساسى  والتي نستدل عليها بقوله تعالى على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( قال لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله) ، يقول الإمام الغزالي (على المعلم  أن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب  على إفادته العلم أجراً، ولا يقصد به جزاءاً ولا شكراً)، كما روى أبن داود  عن أبي شيبه انه قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : يا رسول الله رجل أهدى لي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليس بمال عليها في سبيل الله فقال( أن كنت تحب أن تكون طوقاً  من النار فأقبلها).
ثالثاً: حق التعبير: وثالث الحقوق الاصليه التي أقرها الإسلام للإنسان هو حق التعبير عن الرأي كما يتضح في مفهوم الشورى (وأمرهم شورى بينهم ).
رابعاً: حق العمل: ورابع الحقوق الاصليه التي قررها الإسلام للإنسان  هو حق العمل ، لذا حث القرآن على العمل ﴿ …. فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ( الملك : 15) ،وجعل العمل أساساً للجزاء ﴿ أن ليس للإنسان إلا ما  سعي وأن سعيه سوف يري ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾، وعظمت السنة العمل ( ما أكل طعاماً قط خير من عمل يده وأن نبي الله داود يأكل من عمل يده)( رواه البخاري)،ولحماية هذا الحق سن الإسلام حق الحصول على الأجر المناسب للعمل المناسب لقوله تعالى في الحديث القدسي ( ثلاثة أما خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته… رجل أعطي بي ثم غدر ،رجل باع حراً  فأكل ثمنه  ،رجل استأجر فاستوفي منه العمل ولم يعطه حقه) ( رواه البخاري). كما قرر الإسلام وجوب اختيار الشخص المؤهل للقيام بالعمل المعين وعدم جواز تنحيته وتوليه غيره لهوى أو رشوة أو قرابة ، قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ( من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من أرضى الله منه فقد خان الله ورسوله) ، وقال (صلى الله عليه وسلم)( من أولى من أمر المسلمين شيئاً  فأمر عليهم أحد محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخله جهنم).
ثم اجتهادها في وضع الحقوق الفرعية للإنسان ( التي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان).وهذه الحقوق الأصلية التي قررها الإسلام، أما ويتضمن هذا الاجتهاد الأخذ بإسهامات الأمم المعاصرة في مجال حقوق الإنسان بشرط عدم تناقضها مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة الحقوق الفرعية: أما الحقوق الفرعية للإنسان ، والتي تخضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان، فقد  ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، ويتضمن هذا الاجتهاد الأخذ بإسهامات الأمم المعاصرة في مجال حقوق الإنسان، بشرط عدم تناقضها مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة ..
-للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان (http://drsabrikhalil.wordpress.com).

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى: حروب السيطرة على المعادن النادرة والمياه والطاقةsabri.m.khalil@gmail.comد. صبري محمد …

اترك تعليقاً