باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 21 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. نازك حامد الهاشمي
د. نازك حامد الهاشمي عرض كل المقالات

الفيدرالية وبناء الدولة في إفريقيا (قراءة نقدية في كتاب Federalism and the New Nations of Africa في ضوء التجربة السودانية)

اخر تحديث: 20 يوليو, 2026 10:46 مساءً
شارك

د. نازك حامد الهاشمي
شهدت القارة الإفريقية خلال منتصف القرن العشرين مرحلة تاريخية مفصلية تمثلت في حصول عدد كبير من دولها على الاستقلال بعد عقود طويلة من الاستعمار. ولم يكن الاستقلال مجرد انتقال سياسي من السيطرة الاستعمارية إلى السيادة الوطنية، بل كان بداية مرحلة معقدة تمثلت في بناء الدولة الحديثة، وتأسيس مؤسسات قادرة على إدارة المجتمعات المتعددة، وتحقيق الاستقرار السياسي، ووضع أسس تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة. وجدت الدول الإفريقية الناشئة نفسها أمام مجموعة من التحديات المتشابكة. فمن ناحية، ورثت حدودًا سياسية رسمتها القوى الاستعمارية دون مراعاة كافية للتكوينات الاجتماعية والثقافية واللغوية القائمة، مما أدى إلى قيام دول تضم داخل حدودها مجموعات متعددة الهويات والانتماءات. ومن ناحية أخرى، ورثت هياكل اقتصادية وإدارية صُممت بدرجة كبيرة لخدمة المصالح الاستعمارية، حيث اعتمدت معظم الاقتصادات الإفريقية على تصدير المواد الأولية، مع ضعف التصنيع ومحدودية القدرة على خلق قيمة اقتصادية مضافة.
كما اتسمت البنية التحتية التي خلفها الاستعمار بعدم التوازن، إذ تركزت الاستثمارات في مناطق محددة ترتبط غالبًا بالموانئ أو بمراكز استخراج الموارد، بينما ظلت مناطق واسعة تعاني من ضعف الخدمات وفرص التنمية. ولذلك لم تكن قضية التنمية في إفريقيا بعد الاستقلال مجرد مسألة مرتبطة بتحقيق معدلات نمو اقتصادي، وإنما ارتبطت بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على بناء مؤسسات فعالة، وتحقيق توازن بين مختلف المناطق، وإدارة التنوع الاجتماعي والسياسي بطريقة تمنع تحول الاختلافات الداخلية إلى مصادر دائمة للصراع.
أظهرت التجارب الإفريقية أن التنمية المستدامة لا يمكن فصلها عن طبيعة النظام السياسي والمؤسسي الذي يدير عملية توزيع السلطة والموارد داخل الدولة. فالدولة القادرة على تحقيق التنمية تحتاج إلى مؤسسات شرعية وفعالة، وإلى نظام سياسي قادر على تحقيق المشاركة والعدالة بين مختلف مكوناتها الاجتماعية والجغرافية.
وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة بين شكل الدولة وإدارة التنوع والتنمية من القضايا المركزية في الفكر السياسي الإفريقي. فقد اتجهت العديد من الدول بعد الاستقلال إلى تبني نموذج الدولة المركزية باعتباره وسيلة للحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع التفكك، إلا أن هذا الخيار أدى في حالات عديدة إلى تركيز السلطة والموارد في المركز، وتقليص قدرة الأقاليم على المشاركة الفعلية في إدارة شؤونها.
في المقابل، ظهرت أطروحات دعت إلى تبني ترتيبات أكثر لامركزية، وعلى رأسها الفيدرالية، باعتبارها إطارًا يمكن أن يحقق التوازن بين وحدة الدولة وخصوصيات أقاليمها. وتقوم الفيدرالية على مبدأ توزيع الصلاحيات بين مستويات مختلفة من الحكم، بما يسمح بمشاركة أوسع للمناطق في إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة.
ومن بين الأعمال الفكرية المبكرة التي تناولت هذه الإشكالية كتاب Federalism and the New Nations of Africa الذي حرره ديفيد ب. كوري (David P. Currie) عام 1964م، في مرحلة كانت معظم الدول الإفريقية حديثة الاستقلال وتواجه تحديات تأسيس الدولة الوطنية وبناء مؤسساتها الأولى.
ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن الفيدرالية قد توفر إطارًا مناسبًا لتنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، بما يسمح بإدارة التنوع السياسي والاجتماعي، وتقليل احتمالات الصراع، وتعزيز قدرة الدولة على الاستجابة لاحتياجات مختلف المناطق. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه لم ينظر إلى الفيدرالية باعتبارها مجرد ترتيب دستوري، بل باعتبارها وسيلة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومكوناتها الداخلية. فالفيدرالية، وفق هذا التصور، تمنح الوحدات الإقليمية دورًا أكبر في عملية الحكم والتنمية، وتحولها من مجرد مناطق تابعة للمركز إلى شركاء في إدارة الدولة. كما أنها تنطلق من فكرة أن التنوع الداخلي لا يمثل بالضرورة مصدرًا للصراع، وإنما يمكن أن يصبح عنصرًا إيجابيًا إذا تم تنظيمه ضمن مؤسسات سياسية عادلة وفعالة. غير أن نجاح الفيدرالية لا يعتمد على وجود النصوص الدستورية فقط، وإنما يرتبط بوجود مؤسسات قادرة على تطبيقها. فالنظام الفيدرالي يحتاج إلى إدارات محلية كفؤة، ونظام مالي واضح لتوزيع الموارد، ومؤسسات سياسية قادرة على إدارة الخلافات بين مستويات الحكم المختلفة.
ومن هنا، فإن دراسة الفيدرالية في السياق الإفريقي لا ينبغي أن تنطلق من اعتبارها حلًا جاهزًا أو نموذجًا موحدًا قابلًا للتطبيق في جميع الدول، وإنما باعتبارها أداة سياسية ومؤسسية تعتمد فعاليتها على البيئة التي تعمل داخلها. فقد تسهم الفيدرالية في تحقيق مشاركة أوسع وتوزيع أكثر عدالة للسلطة والموارد، لكنها قد تتحول إلى إطار شكلي إذا لم تدعمها مؤسسات قوية، ونظام إداري فعال، وعقد اجتماعي يقوم على المواطنة المشتركة.
لم تكن التحديات التي واجهت الدول الإفريقية بعد الاستقلال منفصلة عن طبيعة الدولة التي ورثتها من المرحلة الاستعمارية. فقد قامت الإدارة الاستعمارية في كثير من الحالات على نموذج شديد المركزية، كان هدفه الأساسي السيطرة السياسية والإدارية وإدارة الموارد بما يخدم مصالح القوى الاستعمارية. ولذلك لم تبدأ الدول الإفريقية عملية بناء الدولة من فراغ، بل ورثت مؤسسات وهياكل إدارية واقتصادية صُممت في سياق مختلف عن احتياجات الدولة الوطنية الجديدة.
اقتصاديًا، أدى الإرث الاستعماري إلى استمرار نمط إنتاج يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الخام، مع ضعف القطاعات الصناعية المحلية، مما جعل العديد من الاقتصادات الإفريقية عرضة للتقلبات الخارجية المرتبطة بأسعار السلع الأولية في الأسواق العالمية. كما أدى عدم التوازن في توزيع الاستثمارات والبنية التحتية إلى نشوء فجوات تنموية بين المناطق المختلفة، حيث أصبحت بعض المراكز الحضرية أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الوطني، بينما ظلت مناطق أخرى تعاني من ضعف الخدمات وفرص التنمية.
أما سياسيًا واجتماعيًا، فقد شكلت الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية أحد أبرز تحديات بناء الدولة. فقد جمعت هذه الحدود في كثير من الحالات بين مجموعات ذات تاريخ وثقافة ولغة مختلفة داخل إطار سياسي واحد، دون أن يصاحب ذلك مشروع وطني واضح لبناء هوية سياسية مشتركة. ولهذا وجدت الدول الإفريقية نفسها أمام مهمة مزدوجة تتمثل في الحفاظ على وحدة الدولة من جهة، وبناء شعور بالمواطنة المشتركة يتجاوز الانتماءات المحلية من جهة أخرى.
وفي مواجهة هذه التحديات، اختارت العديد من الدول الإفريقية تعزيز مركزية السلطة باعتبارها وسيلة للحفاظ على وحدة الدولة ومنع النزعات الانفصالية. إلا أن هذا الخيار، رغم أنه وفر في بعض الحالات قدرًا من الاستقرار السياسي، أدى كذلك إلى استمرار اختلالات مرتبطة بتركيز السلطة والموارد في المركز، وتقليص قدرة الأقاليم على المشاركة في تحديد أولوياتها التنموية. ومن هنا برزت الفيدرالية باعتبارها محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين المركز والأقاليم. فبدل أن تكون الدولة مجرد جهاز مركزي يدير المناطق من الأعلى، تقوم الفيدرالية على توزيع الصلاحيات بين مستويات مختلفة من الحكم، بما يسمح للأقاليم بالمشاركة في إدارة شؤونها مع الحفاظ على وحدة الدولة.
تكشف التجارب الإفريقية اللاحقة أن نتائج تطبيق الفيدرالية لم تكن متشابهة، بل اختلفت باختلاف طبيعة المؤسسات السياسية، وطريقة إدارة الموارد، ومستوى بناء الهوية الوطنية.
وتمثل نيجيريا واحدة من أبرز التجارب الفيدرالية في إفريقيا، حيث جاء تبني النظام الفيدرالي استجابة لحقيقة اجتماعية وسياسية تتمثل في وجود مجموعات إثنية ودينية متعددة داخل دولة واحدة. وقد ساهم النظام الفيدرالي في توفير إطار سياسي يسمح بمشاركة أوسع للمناطق المختلفة، كما ساعد في إدارة بعض التوترات المرتبطة بالتنوع الداخلي. ومع ذلك، كشفت التجربة النيجيرية حدود الفيدرالية عندما ترتبط القضايا الأساسية بتوزيع الثروة والموارد. فقد ظل الصراع حول عائدات النفط، خاصة في المناطق المنتجة، يمثل أحد أبرز مصادر التوتر بين الحكومة المركزية والأقاليم. وعلى الرغم من وجود مؤسسات فيدرالية، بقيت مسألة العدالة في توزيع الموارد تحديًا مستمرًا، مما أثر على تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المناطق. وتوضح التجربة النيجيرية أن الفيدرالية يمكن أن توفر إطارًا لإدارة التنوع، لكنها لا تستطيع وحدها حل مشكلات الاقتصاد السياسي إذا بقيت قضايا توزيع الثروة والسلطة دون معالجة عادلة.
أما التجربة الإثيوبية فقد قدمت نموذجًا مختلفًا، حيث قامت الفيدرالية على أساس الاعتراف بالهويات الإثنية ومنح القوميات المختلفة صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها. وكان الهدف من هذا النموذج معالجة المظالم التاريخية المرتبطة بالتهميش السياسي والثقافي لبعض المجموعات. إلا أن التجربة أظهرت أن الاعتراف بالتنوع يحتاج إلى توازن دقيق بين حماية الخصوصيات المحلية وبناء هوية وطنية جامعة. فقد أدى التركيز الكبير على البعد الإثني في تنظيم الوحدات الفيدرالية إلى استمرار التوترات حول العلاقة بين الهوية المحلية والهوية الوطنية، وأثار تحديات مرتبطة بحدود الحكم الذاتي وطبيعة الانتماء السياسي للدولة.
أما جنوب إفريقيا فقد قدمت حالة مختلفة نسبيًا، حيث ارتبط نظام تقاسم السلطة واللامركزية بعملية انتقال سياسي واسعة بعد نهاية نظام الفصل العنصري. وقد ساعد وجود مؤسسات دستورية قوية، ونظام قانوني واضح، ومشروع سياسي قائم على بناء دولة المواطنة، في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار مقارنة بتجارب إفريقية أخرى. ومع ذلك، فإن التجربة الجنوب إفريقية لا تخلو من تحديات، خاصة فيما يتعلق باستمرار الفوارق الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يؤكد أن الفيدرالية أو اللامركزية لا تؤدي تلقائيًا إلى تحقيق العدالة التنموية، وإنما تحتاج إلى سياسات اقتصادية ومؤسسات قادرة على معالجة الاختلالات التاريخية.
وتُظهر الحالة السودانية بصورة واضحة الإشكالية التي يناقشها كتاب Federalism and the New Nations of Africa، إذ يجمع السودان بين معظم التحديات التي واجهت الدول الإفريقية بعد الاستقلال، ومنها: التنوع الاجتماعي والثقافي، وضعف المؤسسات، واختلال توزيع الموارد، والمركزية التاريخية في إدارة الدولة. فقد ورث السودان دولة واسعة متعددة الأقاليم والمكونات الاجتماعية، إلا أن التحدي الأساسي لم يكن في هذا التنوع بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي أدارت بها الدولة هذا التنوع. فقد عانت العلاقة بين المركز والأقاليم من اختلالات تاريخية، حيث تركزت السلطة السياسية والموارد الاقتصادية بدرجة كبيرة في العاصمة، بينما ظلت مناطق واسعة تعاني من ضعف التنمية والخدمات وفرص المشاركة السياسية. ومنذ الاستقلال، لم تنجح النخب السياسية السودانية في بناء عقد اجتماعي جامع قادر على تنظيم العلاقة بين مختلف مكونات الدولة. فقد غلب على الحياة السياسية صراع مستمر حول السلطة، مما أدى إلى ضعف عملية بناء المؤسسات الدستورية، وأعاق تطوير نظام حكم مستقر قادر على تحقيق التوازن بين المركز والأقاليم. كما أسهم تكرار الانقلابات العسكرية في إضعاف البناء المؤسسي، حيث أصبحت عملية الوصول إلى السلطة وإدارتها مرتبطة في مراحل عديدة بالقوة السياسية والعسكرية أكثر من ارتباطها بقواعد دستورية مستقرة. ونتيجة لذلك، لم تحصل قضايا التنمية طويلة المدى وبناء المؤسسات على الأولوية المطلوبة، وظلت السياسات العامة في كثير من الأحيان محكومة بالاستجابة للأزمات بدلًا من التخطيط الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، تكشف تجربة الفيدرالية في السودان أن المشكلة لم تكن فقط في غياب نموذج دستوري مناسب، وإنما في غياب البيئة المؤسسية القادرة على إنجاح أي نموذج للحكم. فقد تبنت البلاد في مراحل مختلفة صيغًا للامركزية وتقسيمًا إداريًا للأقاليم، إلا أن استمرار ضعف المؤسسات، وعدم وضوح توزيع الموارد والصلاحيات، جعل هذه الترتيبات محدودة التأثير. وهنا تتضح العلاقة بين التجربة السودانية وأطروحة الكتاب؛ فالفيدرالية يمكن أن تكون أداة مهمة لإعادة تنظيم الدولة وتحقيق مشاركة أوسع، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أزمة سياسية عميقة مرتبطة بطبيعة المؤسسات والعقد الاجتماعي. فنجاح أي نظام فيدرالي يتطلب وجود مؤسسات قوية، وعدالة في توزيع الموارد، ونظامًا سياسيًا يقوم على المواطنة والمشاركة الفعلية.
يمثل كتاب Federalism and the New Nations of Africa إسهامًا مهمًا في مرحلة مبكرة من النقاش الفكري حول طبيعة الدولة الإفريقية بعد الاستقلال. فقد حاول معالجة إحدى القضايا الأكثر تعقيدًا التي واجهت الدول الجديدة، وهي كيفية تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية والمكونات الإقليمية داخل الدولة متعددة الهويات.
وتكمن أهمية الكتاب في أنه أدرك، منذ وقت مبكر، أن بناء الدولة الإفريقية لا يمكن أن يعتمد فقط على إنشاء مؤسسات سياسية مركزية، وإنما يحتاج إلى ترتيبات قادرة على استيعاب التنوع الداخلي وتحقيق قدر من المشاركة السياسية. ومع ذلك، فإن قراءة الكتاب في ضوء التجارب الإفريقية اللاحقة تكشف أن مقاربته، رغم أهميتها، ظلت مرتبطة بدرجة كبيرة بالتصور الدستوري والمؤسسي للفيدرالية، أكثر من ارتباطها بتحليل الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحدد قدرة هذا النموذج على النجاح. فقد أظهرت التجارب العملية أن وجود ترتيب فيدرالي لا يؤدي بالضرورة إلى إنتاج مؤسسات فعالة أو تحقيق تنمية متوازنة. فقد تمنح الفيدرالية الأقاليم صلاحيات دستورية واسعة، لكنها تحتاج إلى مؤسسات إدارية وسياسية قادرة على ممارسة هذه الصلاحيات بصورة مستقلة ومسؤولة.
ومن هنا، فإن أحد جوانب القصور في المقاربة الفيدرالية التقليدية يتمثل في التركيز على كيفية توزيع السلطة أكثر من التركيز على كيفية ممارستها. فالمشكلة في كثير من الدول الإفريقية لم تكن فقط في غياب ترتيبات دستورية مناسبة، وإنما أيضًا في ضعف المؤسسات التي تتولى تنفيذ هذه الترتيبات، واستمرار أنماط سياسية قائمة على تركيز السلطة في يد شخص أو مجموعة محدودة من النخب، وضعف المساءلة، وهيمنة النخب السياسية على عملية صنع القرار.
كما أن التجارب الإفريقية أوضحت أن الفيدرالية لا تعمل في فراغ اجتماعي. ففي المجتمعات التي تكون فيها الهوية الوطنية ضعيفة مقارنة بالانتماءات المحلية أو الإثنية، قد تتحول الفيدرالية من وسيلة لإدارة التنوع إلى إطار يعيد إنتاج الانقسامات القائمة. ولذلك فإن نجاح أي نظام فيدرالي يتطلب بناء مفهوم قوي للمواطنة، بحيث تصبح العلاقة بين الفرد والدولة قائمة على الحقوق والواجبات المشتركة، وليس على الانتماء الإثني أو الجهوي.
ومن جهة أخرى، لم يحظ الجانب الاقتصادي في بعض الطروحات الفيدرالية بالاهتمام الكافي. فالتوازن بين المركز والأقاليم لا يتعلق فقط بتوزيع الصلاحيات السياسية، وإنما يرتبط أيضًا بكيفية توزيع الموارد والثروة الوطنية. وقد أثبتت تجارب مثل نيجيريا أن وجود نظام فيدرالي لا يمنع استمرار الصراعات إذا بقيت آليات توزيع الموارد محل خلاف.
عليه، فإن أهمية الكتاب تكمن في كونه فتح باب النقاش حول العلاقة بين شكل الدولة وإدارة التنوع، إلا أن قراءته في ضوء التجارب الإفريقية اللاحقة تكشف الحاجة إلى تجاوز الإطار الدستوري للفيدرالية نحو تحليل أوسع يشمل الاقتصاد السياسي، وطبيعة المؤسسات، ودور النخب السياسية، ومستوى بناء الهوية الوطنية.
وتوضح دراسة الفيدرالية في إفريقيا، كما يعكسها كتاب Federalism and the New Nations of Africa والتجارب التي جاءت بعده، أن فعالية أي نظام للحكم لا ترتبط فقط بتصميمه الدستوري، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل المبادئ القانونية إلى ممارسة سياسية واقعية. فالفيدرالية قد توفر إطارًا مناسبًا لإدارة التنوع وتحقيق مشاركة أوسع للأقاليم، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة مشكلات مرتبطة بتاريخ الدولة، وضعف المؤسسات، واختلال توزيع الموارد، وغياب العقد الاجتماعي الجامع. وفي المقابل، فإن المركزية ليست ضمانًا تلقائيًا للاستقرار، فقد تؤدي إلى تعميق الفجوات بين المركز والأقاليم إذا لم تقترن بالعدالة والكفاءة المؤسسية.
ومن ثم، فإن التحدي الأساسي أمام الدول الإفريقية لا يتمثل في المفاضلة بين نموذج فيدرالي وآخر مركزي فقط، وإنما في بناء دولة قادرة على تحقيق التوازن بين الوحدة والتنوع، وبين السلطة والمشاركة، وبين التنمية والعدالة. ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى الفيدرالية باعتبارها وسيلة ضمن مشروع أوسع لبناء الدولة، وليست بديلًا عن هذا المشروع. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على توزيع الصلاحيات بين مستويات الحكم المختلفة، وإنما على وجود مؤسسات شرعية وفعالة، وعقد اجتماعي يقوم على المواطنة، ونظام سياسي يضمن وصول الموارد والخدمات إلى جميع المواطنين على أساس المساواة.
وتؤكد التجربة الإفريقية أن إدارة التنوع لا تتحقق بإلغاء الاختلافات، وإنما بتنظيمها ضمن إطار وطني مشترك. فالدولة القادرة على تحقيق الاستقرار ليست بالضرورة الدولة التي تفرض التجانس، بل الدولة التي تستطيع تحويل التنوع إلى مصدر للقوة والتكامل. وفي الحالة السودانية، يتمثل الدرس الأساسي المستفاد من التجارب الإفريقية ومن أطروحة الكتاب في أن نجاح أي نظام للحكم يعتمد على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق العدالة في توزيع السلطة والثروة، وترسيخ مفهوم المواطنة باعتباره الأساس المنظم للعلاقة بين الفرد والدولة.

فعندما تصبح الأقاليم شركاء حقيقيين في عملية التنمية، وعندما تقوم المشاركة السياسية على الحقوق المتساوية لا على الانتماءات الأولية، يمكن للفيدرالية أن تتحول من مجرد ترتيب دستوري إلى أداة فعالة لبناء دولة أكثر عدالة واستقرارًا. وبذلك، فإن مستقبل الدولة الإفريقية لا يرتبط فقط بالشكل الدستوري الذي تختاره، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات فعالة، وصياغة عقد اجتماعي جامع، وتحقيق التوازن بين متطلبات الوحدة الوطنية وحق المجتمعات المحلية في المشاركة وإدارة شؤونها ضمن إطار الدولة الوطنية.

  Currie, David P. (ed.). Federalism and the New Nations of Africa. Chicago: University of Chicago Press, 1964.

nazikelhashmi@hotmail.com

الكاتب
د. نازك حامد الهاشمي

د. نازك حامد الهاشمي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
التمرد لا يحتاج لغابة .. بقلم: كباشي النور الصافي
منبر الرأي
البعث السوداني ينعي المناضل والقائد الوطني عضو القيادة القطريه السابق الاستاذ يوسف همت
منشورات غير مصنفة
أفهم يا جمال وأرحل .. بقلم: حسن فاروق
منبر الرأي
الجنوب.. ومستقبل السُّودان من خلال الماضي (4 من 15) … بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
منبر الرأي
عن الفرس والصفويين والمجوس ومصائب أخرى .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

شعب السودان هو الذي يقرر ختام المهزلة .. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
منبر الرأي

ممنوع دخول السترات الصفراء!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
منبر الرأي

الإنقاذ وحيلة “التكوين العكسي” .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

د. محمد بدوي مصطفى
منبر الرأي

استشاريّة النساء والولادة بجامعة الخرطوم تنادي بتختين الطفلة (الختان 3، ملحق). بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

د. محمد بدوي مصطفى
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss