تأمُلات
كمال الهِدَي
منذ الساعات الأولى لهذه الحرب اللعينة لم يساور العقلاء أدنى شك أن من بين أهدافها القذرة قهر السودانيين وإفقارهم وتجويعهم وتشريدهم. ولو أن بعض السذج والعاطفيين ركزوا قليلاً خلال ساعاتها الأولى تلك، وربطوا بين تصريحات البشير التي عبر فيها عن خوف مزيف من أن يصبح السودان سوريا جديدة، وعبارة الخال الرئاسي ” نشيل بقجنا نمشي وين؟”، لو أنهم تأملوا هذه العبارات جيداً وفهموا التهديدات المبطنة من ورائها لكفونا عناء الكتابة حول ضرورة رفضها. لو فهموا باكراً لما احتجنا للتذكير كل يوم بأن الحرب إفقار ودمار وخراب، ولما أهدروا وقتاً ثميناً قبل أن يتراجع بعضهم عن تفكيرهم العاطفي الساذج ويدركوا متأخراً جداً أن الموقف الصحيح كان هو رفضها حتى لا تستمر.
والمثير للقرف والاشمئزاز أن إعلاميين وناشطين كثر ظلوا يدعمون استمرارها نراهم هذه الأيام يكتبون عن الفساد وانهيار الاقتصاد والتفلتات الامنية، وكأنهم لم يدركوا أن كل ذلك من أبرز إفرازات أي حرب في الدنيا.
والمفارقة العجيبة أنهم اطلقوا عليها ” حرب الكرامة”، وخصصوا لها صحيفة تحمل ذات الاسم.
وبالطبع لو اجتمع الجن والإنس ليقنعوا أي عاقل بأن أي إعلامي مبتدئ لا يمكن أن يفوت عليه أن الحروب تهدر كرامة البشر ولا تصونها، حتى لو عاش هؤلاء البشر في أعظم دول العالم، لا في السودان الذي كان مدمراً أصلاً قبل اندلاع الحرب، لكن ماذا نقول في بعض من يريدون الثراء ولو على جماجم أبناء وطنهم.
طبيعي جداً أن تسوء ظروف السودانيين مع استمرار الحرب، ويبدو أن من تعمدوا اطلاق اسم “الكرامة” عليها كمفارقة لعلمهم التام بأن أحد الأهداف هو أن تُهدر كرامتنا، يبدو أنهم سيدخلوننا إلى مرحلة جديدة من الهلاك عنوانها “الموت بالأغذية المسمومة” ، فبدلاً من دعم المزارعين السودانيين نراهم قد قرروا فتح المجال لاستيراد الخضروات والفواكه، حتى تُغرق أسواقنا بالمنتجات الزراعية المتشبعة بمياه المجاري.
وهم بذلك يصطادون عدة عصافير بحجر واحد، فبجانب تعريض صحة المزيد من المواطنين للخطر والفتك ببعضهم، سيضمنون توقف المزارعين السودانيين عن حرث أراضيهم، بسبب المنافسة غير المتكافئة لتتعطل الزراعة كلياً في البلد، مثل ما حصل مع المصانع التي دُمرت خلال الاشهر الأولى للحرب. وعلاوة على ذلك سيستمر ارتفاع الدولار وهو ما سيسعد ذاك الوزير الحاقد على أهله وشعبه.
بلد مثل السودان يستورد خضروات وفواكه ولا يزال هناك متعلمون كثر لم يزل القلم بلمهم فيصرون على ارخاء آذانهم لمن يخوضون في حديث الكرامة.
السؤال الذي يدور بذهني ونحن نشهد تفاقم الأزمات: بماذا يشعر الإعلاميون الذين أثروا من الحرب والدمار ونشر الجهل، وماذا سيقولون لربهم في ذلك اليوم الموعود، وشعبهم يموت وتتدمر حياته وبلده بهذا الشكل المروع. فالكلمة مسؤولية ودور الإعلامي هو نشر الوعي لا تجريف العقول.
