العقل والقلب بين حقائق القران وأبحاث العلماء

 


 

د. طه بامكار
13 November, 2011

 


في مساحة غير محدودة بين المعقول وغير المعقول، كثير منا يُخفي ويُداري خوفه من مواجهة تفكير الاعتياد والانطباع الذي أصبح له قوة الحجة العلمية. كثير منا يُخفي ويداري تأملاته وفهمه المغاير وغير المتوافق مع إسقاطات المجتمع في كثير من الأمور. هذا المقال محاولة لكسر طوق التردد والخوف ومساهمة بإلقاء حجر في بركة التحدي أو بالأحري السباحة عكس النمطية والانطباعية والإسقاط . تعود الناس علي التفريق بين مهام الدماغ ومهام القلب فألصقوا للدماغ مهمة التفكير والفهم والإدراك ويسمونه العقل أو تعارفوا علي ذلك، بينما ألصقوا للقلب مهمة العاطفة وأخواتها من حبٍ وكراهيةٍ وقلقٍ. ولكن ثبت أنه ليس هنالك عضوا ( فيزولوجي) يسمي العقل مهمته الفهم والإدراك كما إعتدنا وانطبعنا علي ذلك... فالذي يفهم ويدرك ويعقل ويفكر ويحب ويكره ويقلق هو القلب الذي في الصدر وليس الدماغ الذي في الرأس. هذا المفهوم الجديد سوف ينعكس سلبا علي كثير من البرامج الخادعة التي تتحدث عن الجزء الأسفل والجزء الأعلي والأيمن والأيسر من الدماغ لأغراض تجارية.
على مدى سنوات طويلة درس العلماء القلب من الناحية الفيزيولوجية وقالوا أنه مجرد مضخة للدم لا أكثر ولا أقل ويخضع لتوجيهات الدماغ مثله مثل باقي أعضاء الجسم. ولكن ثبت علميا أن القلب يُخلق قبل الدماغ في الجنين ، ويبدأ بالنبض منذ تشكله وحتى موت الإنسان مما يعني أنه مستقل. كان الباحثون يعتقدون أن الدماغ هو الذي ينظم نبضات القلب، ولكن العلماء بعد أمدٍ لاحظوا شيئاً غريباً وذلك أثناء عمليات زرع القلب.لاحظوا عندما يضعون القلب الجديد في صدر المريض يبدأ بالنبض على الفور دون أن ينتظر إشارة أو أمر من الدماغ.لذلك أحيانا يموت دماغ الإنسان ولكنه يظل حيا لأن قلبه ينبض وهذا ما يسمونه الموت السريري. إذن القلب يعمل مستقلا بلا توجيهات من الدماغ عكس ما كنا نعتقد بل أثبت العلم الحديث أن القلب هو الذي يصدر توجيهاته للدماغ. البروفسيور Gary Schwartz  اختصاصي الطب النفسي في جامعة أريزونا، والدكتورة Linda Russek يعتقدان أن للقلب طاقة خاصة بواسطتها يتم تخزين المعلومات ومعالجتها أيضاً، ومن ثم فإن الذاكرة ليست في الدماغ بل في القلب ، والقلب هو الذي يحركها ويشرف عليها.
في بحث أجراه الباحثانRollin McCraty  وMike Atkinson   ( تم عرضه في اللقاء السنوي للمجتمع البافلوفي عام 1999( جاءت نتيجة هذا البحث أن هنالك علاقة بين القلب وعملية الإدراك، وقد أثبت الباحثان هذه العلاقة من خلال قياس النشاط الكهرطيسي للقلب والدماغ أثناء عملية الفهم أي عندما يحاول الإنسان فهم ظاهرة ما ، وجدوا أن عملية الإدراك تتناسب مع أداء القلب، وكلما كان أداء القلب أقل كان الإدراك أقل.
في الغرب حيث العلم التجريبي والأبحاث التطبيقية تتواصل جهود العلماء لتُأكد وتُثبت حقائق مطلقة موجودة في القرآن. القرآن بين أيدينا لا نفهمه وقد إتخذناه مهجورا نعم لم نهجره هجرا كاملا ولكن إتخذناه مهجورا أي نهتم بتزيين خطه وشكله ونحتفظ به في دواليبنا كزينة ويصاحبنا في تسفارنا لنثبت أننا مسلمون. أما تجارب وأبحاث الغرب تأتي لتأكد السبق القرآني الذي لم نحسن نحن فهمه وتسويقه. ينبغي علينا الإعتراف أن علم الطب لا يزال متخلفاً !!! وهذه المعلومة ليست مني بل هي من اعتراف علماء الغرب أنفسهم يقول البرفسور Arthur Caplan  رئيس قسم الأخلاق الطبية في جامعة بنسلفانيا: "إن العلماء لم يعطوا اهتماماً بهذه الظاهرة، بل إننا لم ندرس علاقة العاطفة والنفس بأعضاء الجسم، بل نتعامل مع الجسم كأنه مجرد آلة".
إذن هم يجهلون تماماً العمليات الدقيقة غير (الفيزولوجية) التي تحدث في الدماغ ، يجهلون كيف يتذكر الإنسان الأشياء ، ويجهلون كيف ينساها، ولماذا ينبض القلب، ولماذا تزداد نبضاته عند الحزن والفرح والحب والكراهية ، وما الذي يجعل هذا القلب ينبض، أشياء كثيرة يجهلونها، فهم ينشرون في أبحاثهم ما يشاهدونه فقط ، كل شيء لديهم بالتجربة والمشاهدة والحواس..... نحن نتوسد مفاهيم الغرب دون مناقشة أو نتبع ما ألفينا عليه الناس وليس لدينا أدني إستعداد للبحث والمقاربة ، ويسيطر علينا الخوف والتردد عند مواجهة تفكير الإعتياد والإنطباع والإسقاط ، فالقرآن قال قبل 14 قرن أن مركز التفكير والفهم والإدراك هو القلب وليس الدماغ لذلك يخاطب فينا القلب والفؤاد والصدر. يؤكد القرآن ذلك في كثير من آياته . القرآن الكريم يقول القلب محور الإرتكاز في الإنسان، وليس دماغه كما تعودنا، والعلماء والباحثون أثبتوا هذه الحقيقة أخيرا. 
نحن كمسلمين لدينا حقائق مطلقة في القرآن فهو يأكد في كثير من آياته أن القلب هو مركز العاطفة، والتفكير،والتعقل،والذاكرة. القران دائما يخاطب فينا الصدر والفؤاد والقلب فيقول موجها لنا وموضحا أن الذي يعقل هو القلب (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴿الحج: ٤٦﴾) لاحظ هنا القرآن دقيق في كلماته فقال قلوب يعقلون بها.. فالذي يفهم ويعقل هو القلب وليس الدماغ كما إعتدنا أو تعودنا. وهنالك الكثير من الآيات تخاطب فينا مركز الإدراك والفهم وهو القلب وليس الدماغ (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ).لاحظ هنا أيضا.. لهم قلوب لا يفقهون بها وهم بعد ذلك غافلون أي لا يفهمون. وهكذا يؤكد القرآن أن القلب هو مركز الإيمان والعقيدة وليس الدماغ، وفي آية أخري يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ) [المائدة: 41] لو كان الفهم مرتبط بالدماغ لقال الله لم تؤمن دماغهم ولكن قال لم تؤمن قلوبهم لأن القلب هو محور الفهم والإدراك وهو الذي يحدد مدي ودرجات الايمان . فالذين لا يؤمنون ولا يفهمون هم الذين تكون قلوبهم غافلة وليس دماغهم (وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴿الإسراء٤٦﴾. القلب هو مناط المسئولية، والذي يُحرم نعمة الفهم والادراك هو الذي يختم علي قلبه ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّـهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ اللَّـهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿الأنعام: ٤٦﴾. وفي آية أخري يصف الله سبحانه وتعالي المنافقون بقوله ( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) )الفتح: 11]. لم يقل الله ما ليس في عقولهم أودماغهم بل ما ليس في قلوبهم لأن القلب هو مركز الفهم والادراك والإيمان. والقلب أيضا محور الانفعالات ومنها الرعب والخوف ولذلك جعل الله مكان الخوف والرعب هو القلب، فقال تعالي (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) (الحشر (2. وأيضا مركز الطمأنينة هو القلب والإنسان لا يطمئن أبدا إلا بذكر الله (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد: 28 
القران واضح في تحديده مركز الفهم والإدراك في الإنسان فالقلب محور التفكير ومحور الإدراك ومحور الحب ومحور الكراهية ومحور الخوف والسعادة والقلق والارتباك والطمأنينة فالقلب هو محور كل أحساسينا وهذه حقيقية مطلقة منذ أن خلق الله الإنسان. والسنة أيضا تؤكد ذلك فالرسول صلي الله عليه وسلم يقول (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) (متفق عليه). ونتذكر أيضا دعاء النبي صلي الله عليه وسلم ((يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك) ودعاء المؤمنين في القرآن الكريم ((رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران 8 ] . وأيضا فإن الله تعالى أكد لنا أن كل شيء موجود في القلب، وأن الله يختبر ما في قلوبنا ويحاسبنا علي ما نعتقده بقلوبنا وليس بدماغنا كما كنا نعتقد سابقا، يقول تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران: 154 إذن فالذي يهتدي ويتواصل الإنسان به مع الله هو القلب.
أحيانا يذكر الله الفؤاد بدلا من القلب بمعني أنه مركز الإدراك والتفكير (وَاللَّـهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿النحل: ٧٨﴾  أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ولكن جعل لنا وسيلة التعلم السمع والبصر والقلب.( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ )﴿النجم: ١١﴾ في هذه الآية الذي يري ويفهم ويدرك هو الفؤاد أو القلب. 
القران أحيانا أخري يتحدث عن الصدر بمعني القلب وبمعني أنه محور الإيمان (  فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّـهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿الأنعام: ١٢٥﴾ هنا حددت الآية مكان الهداية أي الفهم والإدراك وهو الصدر حتي لا يحسب غافل أن الدماغ الذي في الرأس هو محل الفهم والإدراك ويقول الله سبحانه وتعالي ( أَفَمَن شَرَحَ اللَّـهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿الزمر: ٢٢﴾. للقلب دور مهم في العلم والتعلم لأن القلب يؤثر على خلايا الدماغ ويوجهها، ولذا فإن القرآن قد ربط بين القلب والعلم، قال تعالى )  وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [التوبة: 93].
هكذا يؤكد القرآن الكريم هذه الحقائق ولكننا مازلنا نتوجس خيفة من قول ذلك لأننا إعتدنا علي أن الدماغ هو محور الإدراك وتم تلقيننا بهذا ولا نستطيع تجاوز ذلك. فكثيرا ما نجد واحدا من المثقفاتيه يردد ( ما تبقي عاطفي تفكر بقلبك أبقي منطقي وفكر بعقلك) . مسكين فهو لا يدري ان القلب هو مكان الادراك والمنطق والعاطفة. اللهم أشرح قلوبنا للاسلام وأجعلنا علي نور منك.

Taha Bamkar [tahabamkar@yahoo.com]

 

آراء