محمد صالح عبدالله يس
ومن أعجب ما تبتلى به الدول في أزمنة الفتن أن تتوارى الوجوه الحقيقية للخصومات حتى يتحول المنفذ خصما ويحمل صاحب الواجب تبعات ما لم يصنع ويصبح الرجل الذي لم يكن إلا أمينا على تنفيذ القانون هدفا لسهام وجهت في الأصل إلى غيره وتلك سنة قديمة ما زالت تعيد نفسها كلما اضطربت السياسة واشتد صخبها وغلبت حرارة الهوى على برودة العدل ومن الروايات والقصص التي حكاها لي الاخ اللواء شرطة احمد مدني انا والدته الاستاذة نفيسة ضوالبيت عبدالدائم حكت له انه عندما اعلنت الجمعية التأسيسية في جلستها المشهرة في نوفمبر 1965 حل الحزب الشيوعي بعد الندوة التي تحدث فيها الطالب شوقي محمد علي والذي اساء فيها الي الدين الاسلامي وعلي الرغم من شوقي لم يكن ينتمي للحزب الشيوعي لكن الاحزاب السودانية من الامة والاتحادي وجبهه الميثاق استغلوا الحادثة ووظفوها لتقليم اظافر الحزب الشيوعي الذي كان لديه احدي عشر نائبا في البرلمان واستطاعت الاحزاب من تعديل الدستور ليتسني لهم التخلص من غريمهم التقليدي ونجحوا في طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان حسن الطاهر زروق عزالدين علي عامر أحمد سليمان المحامي وفاطمة احمد ابراهيم جوزيف قرنق المحامي والرشيد نايل واخرين وأعقب ذلك إجراءاتٌ قضائية انتهت إلى الحكم بمصادرة دارالحزب ومصادرة ممتلكاته وباءت محاولات رئيس القضاء بابكر عوض الله لاحتواء الموقف فتقدم باستقالته للرئيس اسماعيل الازهري وقد اسند تنفيذ أمر المحكمة إلى القمندان مدني وكان يومئذ مساعدا لمدير عام الشرطة ومديرا لشرطة الخرطوم ولم يكن الرجل يومها صاحب رأي في النزاع ولا شريكا في صناعة القرار وانما كان قائما على وظيفة اقسم ان يؤديها كاملة بلا نقصان ولا يعرف فيها الا وجه القانون كما انتهى اليه القضاء بغض النظر عن صحتها اوعدم صحتها ولم يكن لمدني بد من التمييز بين القرار وتنفيذه سبيلا فالوظيفة العامة كثيرا ما تجعل الموظف العام كمنصة ومراة تتهشم عليها عصي الخصوم وإن لم يكن هو صانع الصورة ولا محدث الشقوق فيها وهكذا تحولت الأنظار من القضاء الذي حكم إلى منفذه الذي حمل أمرها فكأن الخصومة قد انتقلت من ساحات العدالة إلى شخص لم يكن له من الأمر إلا أداء ما أوجبه عليه قسم الوظيفة والعمل بها ويومئذ تبارت أقلام في صحف الخرطوم وأخذ بعض كتاب الأعمدة ينسجون حول الرجل ما شاءت لهم الخصومة أن تنسج حتى جاوز بعضهم حدود النقد السياسي إلى درك آخر انبعثت فيه فيه العصبيات من مراقدها واستدعى فيها الانتماء الجهوي ليكون مادة للاساءة والتجريح كأن الأوطان تقاس بمواطن الميلاد لا بمكارم الرجال وكأن الكفاءة توزن بلهجات الناس وسحناتهم وذكرت الاستاذة نفيسة ان احد الرسامين نشر يومئذ رسما كاريكاتوريا ذيله بعبارة( امكدادة في قلب الخرطوم ) وأحاطها بإشارات ورموز تستدعي صورة دارفور وأهلها ولم يكن ذلك ليخفى مرماه على فطنة القارئ إذ لم يكن المقصود اسم امكدادة وإنما كان المقصود أن يستثار في نفوس الناس شعور دفين والعودة بهم الي ثقافة القرون المظلمة التي يقدم فيها الأصل على الفعل والنسب على الكفاءة والإقليم على الوطن وذلك من افحش ما تبتلى به الأمم إذا ضاقت صدورها عن منازلة الرأي بالرأي لجأت إلى منازلة الإنسان بما لا يد له فيه ولا اختيار له عليه فهو لم يختار اثنيته او موطنه الذي ولد فيه فهذه مقادير واقدار ليس للانسان فيها خيار ورحم الله الشاعر محمد سعيد العباسي في رائعته (يافتاتي ) التي خلدها الفنان الطيب عبدالله ( آ لان السواد يغمرني ليس لي يافتاتي يدُ) فحين تفقد الثقافة إنسانيتها، تتوحش وحين تتوحش الثقافة يصبح الآخر مشروع عدو وحين يصبح الآخر عدوًا في المخيلة قد لا يبقى بين الكلمة والرصاصة إلا لحظة .ان ادانة الحزب الشيوعي في المحكمة كان من اكبر الاخطاء التي ارتكبتها المؤسسة القضائية السودانية وهي (المحاكمة) التي اوردت السودان موارد الهلاك حيث اهتزت الثقة في القضاء وتضعضعت ثقة المواطنين في المؤسسات الحزبية وشرعنت التدخلات العسكرية في الشأن السياسي السوداني وتحولت الدولة السودانية من التداول السلمي للسلطة الي اكبر منتج ومفرخ للانقلابات العسكرية التي لم يتعافي منها الي يوم الناس هذا
غير أن مدني لم يعرف عنه أنه نازل خصومه بلسانه ولا أنه جعل من منصبه سلما للانتصار لنفسه. فقد كان من أولئك الرجال الذين يؤمنون أن الوقار أبلغ جواب وأن الأيام خير من يتولى محاكمة الوقائع وأن الضجيج مهما علا فإنه لا يلبث أن يخبو أما العمل الصامت فيبقى شاهدا لا تُطفئه هوج الرياح فآثر الصمت لا عن عجز ولكن عن قوة نفس تعرف أن المهابة لا تستجدى بالخصومات ومضى يؤدي واجبه كما عرفه الناس مستقيما في عزيمته ثابتا في خلقه لا يستخفه مديح المادحين ولا يضيره جفاء المجافين.
ولقد كانت تلك المحنة كاشفة عن معدن الرجل أكثر مما كانت كاشفة عن خصومه إذ ظهر فيها أن رجال المؤسسات قد يحملون أوزار السياسة وهم منها برأءَ وأن الموظف الأمين قد يدفع ثمن قرارات لم يصنعها لأن الناس في ساعات الغضب لا يفرقون بين اليد التي تكتب الحكم واليد التي تنفذه وهناك فارق كبير بين صاحب السلطان وصاحب الواجب وقد خلد هذه الحادثة رئيس الوزراء محمد احمد محجوب بمقولته الخالدة (امكدادة ماذنبها ) مضي القمندان مدني ومضي صاحب الكاراكاتير ومضي المحجوب ولكن الجملة ظلت باقية خالدة
وهكذا مضى القمندان مدني مهدي سبيل غير عابئ بما أثارته الأقلام ولا ملتفت إلى ما أثقلته عليه الأهواء لأنه كان يعلم أن السيرة لا يكتبها يوم واحد ولا تمحوها مقالة واش وأن الرجال لا تعرف أقدارهم بما يقال في مواسم الفتن والابتلاءات وإنما بما يبقى لهم بعد أن تسكت الأصوات وتنقضي الخصومات ويجلس التاريخ وحده في مجلس القضاء لا يحابي أحدا ولا يظلم أحدا وإذا كانت الأيام تحفظ للسياسيين خطبهم فإنها تحفظ لرجال الدولة صبرهم. وكان صبر القمندان مدني سبيل في تلك المحنة صفحة من صفحات التاريخ تروي للأجيال صعوبه ما يلقاه الموظف الأمين المنضبط ليس تنفيذ الواجب وإنما احتمال سوء الظن حين يختلط الواجب بالسياسة ونواصل
ms.yaseen5@gmail.com
