زهير عثمان
قراءة معمقة في رهانات الخماسية، توازنات الإقليم، ومأزق القوى المدنية
لا تبدو اجتماعات أديس أبابا، المقررة في الفترة 3–5 يونيو 2026، مجرد لقاء تشاوري روتيني، بل تمثل محطة جديدة في سلسلة جهود دولية وإقليمية لإعادة بناء “مرجعية سياسية” للأزمة السودانية بعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب مدمرة أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية والعسكرية للبلاد
لم تقتصر الحرب على كونها صراعاً بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أدت إلى تراجع فاعلية الدولة المركزية في أجزاء واسعة من البلاد، مع بروز سلطات أمر واقع متعددة، وتعمّق الانقسام الاجتماعي، وتزايد التدخلات الإقليمية والدولية، مما جعل أي تسوية تقليدية عاجزة عن الإحاطة بتعقيدات المشهد
منطق الخماسية- إنتاج “سقف سياسي” لا تشكيل حكومة
تضم الآلية الخماسية (الاتحاد الأفريقي، إيقاد، جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) أطرافاً متعددة المصالح، وتدخل الاجتماعات بتصور مبدئي يقوم على نقاط توافق عامة- وحدة السودان، وقف الحرب، الحفاظ على مؤسسات الدولة، وإطلاق عملية سياسية شاملة
الهدف هنا لا يتمثل في توقيع اتفاق نهائي أو تشكيل حكومة انتقالية فورية، بل في إنتاج وثيقة مرجعية أو “إعلان مبادئ” يمكن أن يشكل سقفاً سياسياً لأي حوار سوداني مستقبلي عندما تنضج الظروف الميدانية
ويعكس هذا المنطق دروس الإخفاقات السابقة في مسارات مثل جدة وبرلين وغيرها، حيث طغى التركيز على الترتيبات الأمنية دون تأسيس مرجعية سياسية مدنية قادرة على حمل عملية الانتقال
كما تسعى الخماسية، ضمنياً، إلى “أفريقنة” العملية السياسية عبر منح دور أكبر للاتحاد الأفريقي وإيقاد، بما يحد من الانتقادات المتعلقة بالهيمنة الدولية المباشرة، ويمنح العملية غطاءً إقليمياً أكثر قبولاً
توازنات الإقليم- تقاطع المصالح واختلاف الحسابات
مصر (أولوية الدولة المركزية)- تنظر القاهرة إلى السودان باعتباره جزءاً من أمنها القومي؛ لذا فإن هاجسها الأساسي هو منع انهيار الدولة أو تفككها، وهو ما يدفعها لدعم أي صيغة سياسية تحافظ على مؤسسات الدولة والمؤسسة العسكرية، مع تفضيل حلول انتقالية لا تستبعد القوى السياسية الرئيسية بشكل كامل
الجزائر (الدفاع عن الدولة الوطنية)- تتحرك الجزائر من منطلق حماية مفهوم الدولة ورفض التدخلات الخارجية
وهي تميل إلى دعم الحلول التوافقية التي تضمن وحدة السودان واستمرارية مؤسساته، مع حساسية واضحة تجاه أي مسارات قد تقود إلى التفكيك أو إنشاء كيانات موازية
إثيوبيا (إدارة التوازنات) و تتعامل إثيوبيا مع الملف بوصفه جزءاً من معادلات القرن الأفريقي؛ لذا تتحرك وفق حسابات دقيقة تجمع بين منع انتقال عدم الاستقرار إلى أراضيها، والحفاظ على توازنات إقليمية تمنع ظهور مركز قوة سوداني مهيمن، مما يفسر ميلها لدعم ترتيبات سياسية متعددة الأطراف
مأزق القوى المدنية أزمة تمثيل وسردية سياسية
العقبة الأكبر أمام أي مسار سياسي لا تتعلق فقط بتباين الرؤى الإقليمية، بل تتمثل في الداخل المدني السوداني نفسه
الخلاف لم يعد محصوراً في الموقف من الحرب، بل في سؤال جوهري- من يملك حق تمثيل “المدنيين”؟
لا يتوقف المأزق عند أزمة التمثيل التقليدية بين التحالفات السياسية، بل يمتد إلى فجوة أعمق مع الفاعلين الجدد الذين أفرزتهم الحرب؛ من لجان مقاومة، وإدارات أهلية، ومبادرات مجتمعية في الأقاليم، التي باتت تمارس دور “سلطة الأمر الواقع” الخدمية
إن أي محاولة لإنتاج مرجعية سياسية بمعزل عن هؤلاء تضع “شرعية التوافق” على محك هش؛ إذ يطرح السؤال الجوهري نفسه: مَن يملك تفويضاً أخلاقياً أو قانونياً للتحدث باسم السودانيين في ظل تآكل هياكل الدولة؟
إن تجاهل هذه القواعد الاجتماعية والاكتفاء بالنخب المركزية قد يحول إعلانات أديس أبابا إلى وثائق معزولة لا تجد لها صدىً على الأرض
سيناريوهات محتملة
توافق ضعيف- صدور إعلان مبادئ عام حول الوحدة ووقف الحرب دون الخوض في القضايا الخلافية الكبرى (السيناريو الأكثر احتمالاً).
تعثر وانقسام- مقاطعات مدنية وتباين في المواقف يؤدي إلى مخرجات رمزية تضعف أثر الاجتماع وتُبقي المشهد مفتوحاً على مزيد من الاستقطاب
توافق واسع- سيناريو يتطلب تنازلات سياسية كبرى داخل المعسكر المدني، وهو أمر لا تزال الظروف الحالية غير مهيأة له.
ما وراء الاجتماع- نحو مرحلة ما بعد الاستنزاف
إن تعدد المبادرات الدولية -من منبر جدة إلى مسار القاهرة وصولاً إلى اجتماعات أديس- يطرح تحدياً تقنياً يتجاوز مجرد التنسيق؛ فهو ينذر بـ “تشتيت المرجعية” بدلاً من توحيدها. وبينما تراهن القوى الإقليمية على “مرحلة ما بعد الاستنزاف”، يبرز سيناريوان قاتمان- الأول هو الانزلاق نحو “ليبنة” المشهد السوداني، حيث تصبح السلطات الموازية واقعاً مكرساً لا يقبل الانصهار؛ والثاني هو التوجه نحو فرض “وصاية دولية ناعمة” عبر مرجعية سياسية خارجية تفتقر إلى الملكية الوطنية
وفي كلتا الحالتين، تبدو هذه التحركات أشبه بمحاولة إدارة أزمة وجودية بأدوات دبلوماسية تقليدية، ما يرفع من وتيرة التساؤل: هل نحن أمام بداية حل، أم أمام إعادة تدوير للاستقطاب في ثوب سياسي جديد؟
لا يختبر اجتماع أديس أبابا قدرة الخماسية على إنتاج وثيقة توافقية فحسب، بل يكشف عن عمق الأزمة السودانية ذاتها
ويبقى التحدي الأكبر ليس في صياغة إعلان مبادئ جديد، بل في إمكانية ظهور كتلة مدنية سودانية قادرة على التحول إلى شريك سياسي موحد عندما تُفتح نافذة التسوية فبدون ذلك، ستظل هذه الاجتماعات محطات في مسار طويل من إعادة تدوير الأزمة، أكثر من كونها بداية فعلية لحلها.
zuhair.osman@aol.com
