القوى المدنية صراع بين عقليتين

 


 

 

أن التضحيات التي يقدمها شباب الثورة في ساحات النضال من أجل (الدولة المدنية) يبين مدي اتضاح الرؤية عند شباب الثورة، و أيضا يتضح ذلك في الشعارات التي يقدمونها بعيدا عن الشعارات الحزبية المدسوسة، أن شباب الثورة ينطلقون من منصة قومية بعيدا عن التحزب و المناطقية و العشائرية، فكانت شعاراتهم قليلة تجسد رؤيتهم في ا(لدولة المدنية الديمقراطية) التي لا يمكن أن تؤسس إلا على التوافق الوطني، يصطحب معه كل المكونات الاجتماعية التي تشكل التنوع الثقافي في البلاد، تنطلق من مباديء و قيم فاضلة ( حرية – سلام و عدالة) هذه القيم ليست قاصرة على آطارات مغلقة بل هي فضاءات مفتوحة يتفاعل معها أصحاب الخيالات الواسعة، لأنها تؤسس على الإبداع. هو العقل الجديد الذي يريد أن يفارق العقل القديم الذي وصم بالفشل و العجز. و البلد في حاجة لعقول تستند على المعرفة و الوعي بقضايا الوطن و مشاكله. و الديمقراطية تفتح قنوات الإبداع لكل مصادر التنوع الثقافي.
قبل الدخول في الحديث عن الانقلاب، و السلطة العسكرية الحاكمة في البلاد. يجب الحديث عن صراع العقليتين؛ و إذا لم تتم الإشارة في الحديث للعسكر، سوف يتهم الشخص من قبل اصحاب العقول التقليدية بمناصرة العسكر و الكوزنة، و يعود ذلك؛ لآن العقل التقليدي بني ثقافته السياسية على الاتهام، لعدم أمتلاكه لأدوات النقد الممنهج. و الغريب هذه الأمر؛ هو العقل السائد وسط أغلبية المثقفين. أن معالجة البناء المدني الذي يشهد صراعا حادا خفيا بين رؤيتين متعارضتين يحتاج لنقد لكي يفسح الطريق للعقل الجديد الذي يعتمد على الشغل الذهني. و العقل الجديد لا يصارع عقل ندا له بل عقلية محكومة بعادات و تقاليد و إرث ثقافي يشكل عائقا لعملية الإصلاح داخل المجتمع، و أيضا يواجه قوى محافظة عريضة.
الرؤية الأولى في الصراع، هي رؤية العقل التقليدي، هي رؤية تقليدية تتحكم في قيادات الأحزاب السياسية يسارية و وسطية و يمينية، و هؤلاء يشتغلون السياسة من خلال التركيز على التكتيك و المراوغة، ليس لهم رؤية واضحة على كيفية بناء الدولة، و لذلك يستعينون بالشعارات في أطروحاتهم السياسية، لأنهم عاجزون عن اعمال الفكر في إنتاج مشروعا سياسيا مفصلا واضحا يحاسبون عليه. هي الرؤية التي أطلق عليها الدكتور قرنق ( السودان القديم) لأنها محصورة في ثقافة لا تستطيع أن تخرج عن حديث السيادة و نقاء العنصر و تنظر للأشياء بعين واحدة، لذلك حصرت نفسها في دائرة السلطة و كيفية الوصول إليها و الحفاظ عليها. هذه العقلية هي عقلية تحمل كل جينات الفشل، لأنها تنطلق من فكرة الاستحواذ على السلطة لبناء مصالحها الذاتية و المجتمعية، و عندما تصل للسلطة تبدأ عملية المراوغة لكي تطيل الفكرة، و لا تستطيع أن تخرج عن أزمتها، لأنها لا تملك منهجا و لا أدوات نقد تنقد بها تجربتها في الحكم و تقييمها، تميل للتبرير دائما. هذا العقل ظل يتحكم على المشهد السياسي منذ الاستقلال و يتنقل بين كل المكونات السياسية، مثالا ما يسمى بالإدارات الأهليةو الطرق الصوفية، هؤلاء ينظرون للقضية من خلال تحقيق مصالحهم لذلك يميلون للذين يكونون في السلطة ليس لهم غرض في عملية التحول الديمقراطي. هذا العقل لابد أن يحاصر و يتراجع، و الصراع الحاد الآن في البلاد هو بداية الحصار لهذا العقل. و إذا كان يتمظهر الآن في العسكر لكن له متدادات ولسعة في المجتمع و الخطورة أنه متمركز في قوى سياسية، لذلك الثورة ليست سياسية فقط بل هي ثورة سياسية – اجتماعية – ثقافية.
الرؤية الثانية في الصراع، العقل الحديث المفتوح، هو عقل جديد في العمل السياسي تسلح بالانفتاح على الفكر الإنساني، لم يحصر نفسه في فكر معين، انطلق من منصة القومية للبناء الوطني لذلك جاء بشعار " يا عنصري يا مغرور كل البلد دارفو" أنطلق من الديمقراطي الاجتماعي و التكافل عندما قال " عندك خت ما عندك شيل" أستخدم كل أدوات السياسة و الفنون و أدابها من أجل أن يوصل رسالته، ظهر العقل بقوة داخل ساحة الاعتصام في الجداريات في الموسيقى في الشعر، لذلك لم يكن أمام العقل التقليدي غير فض ساحة الاعتصام بهذه القسوة و البطش و القوة، لكي توقف إنتاج هذا العقل. عقل ينتقل من التورية و المجاز إلي المباشر في النقد و الحديث عن الإصلاح من خلال "منهج نقدي" لم يقبله العقل التقليدي؛ لأنه لا يستطيع أن يجاري هذا الخطاب الجديد، خطاب يفضح القضايا و يجعلها على مائدة الحوار الجماهيري، و العقل القديم ما يزال متمسكا بأسلوب المراوغة و المناورة و لا يستطيع تجاوزهما، عقل لا يستطيع أن يستخدم غير هاتين الآداتين. لذلك عندما نزلت قيادات " قحت للشارع" لم يتعامل معها بذات اللغة التي تفهمها المناورة و المراوغة. بل تعامل معها بالحديث المباشر و رفض تواجدهما معا، و حملها مسؤولة انتكاسة الثورة، و الفعل ليس بهدف الإقصاء لكن بهدف المواجهة و المحاسبة، و هي أدوات الديمقراطية. لذلك شباب المقاومة لا يصارعون العسكر وحدهم في المواكب التي يسيرونها، يصارعون العقل التقليدي في كل مكونات مؤسسات المجتمع و الدولة، لأنه عقل لا يمكن الاعتماد عليه في عملية التحول الديمقراطي. عقل بعد سقوط البشير مباشرة لجأ للسلطة قبل التفكير أن يكون له مشروع لبناء الدولة الديمقراطية، و معروف أن السلطة ساحة للصراع و تتغير فيها المواقف تبعا للمصالح، لذلك دعاتها يفشلون في عملية التحول الديمقراطي لأنها تناقض مصالحهم.
أن العسكر في هذه المعركة؛ يحاربون من منصة العقل التقليدي، و الذي يتخذ من السلطة أداة لتحقيق مكاسب و مصالح ضيقة، و هو عقل يحاول أن يستنهض كل القوى الي تملك الإرث السياسي التقليدي، و أتخذت من الدولة ثدي لكي ترضع منه، و العسكر لا يستخدمون أدوات السياسيين بل أدواتهم هي السلاح و القمع، لذلك كان القتل و البطش مجسدا في أفعالهم. و الخطأ كان من القوى المدنية، التي جعلتهم شركاء في الفترة الانتقالية، و وقعت معهم الوثيقة الدستورية، و أختلفوا داخل السلطة ليس بسبب قضية التحول الديمقراطية، و تكوين المؤسسات الداعمة له، لكن أيضا في صراع السلطة من يكون رئيسا للمجلس السيادي في الفترة القادمة. و السلطة صراعها لا ينتهي في ظل المتغيرات المستمرة في توازن القوى، فهل يعتقد الكل؛ كان يجب على العسكر أن يستخدمون أدوات السياسية أم الأدوات التي تعودوا عليها في الحسم؟ الإجابة سوف يستخدمون سلاحهم في الصراع، لذلك حدوث انقلاب في ظل الصراع مع العسكر يجب أن يكون متوقعا، و المحافظة على الانقلاب ايضا سوف يتوقع أ، يستخدموا العنف المفرط.
أن العقل الجديد في الساحة تمثله (لجان المقاوم) بكل فروعها، و هي التي صنعت هذا الواقع الجديد في البلاد، و قدمت له التضحيات المستحقة، و هؤلاء يجب مساندتهم و العمل من أجل وحدتهم، و منع كل محاولات القوى السياسية لإحداث أختراقات في جدران بنائهم، هؤلاء يعتمدون على طريقة جديدة في التعامل مع الشأن السياسي يؤسس على العقل المفتوح الذي ينطلق من قاعدة معرفية واسعة، و منهج يلاءم الشعارات المرفوعة. و تقديم رؤى واضحة لكيفية بناء الدولة السودانية على الديمقراطية. و هذا التحول يحتاج إلي أدوات متعددة و فاعلة و خيال واسع لا تحده حدود و قدرات عالية في الإبداع، هذه أدوات لا يعرف العقل التقليدي التعامل معها. هو عقل ذو بعد واحد ( السلطة) و كل مجهوداته موجهة للفكرة.العقل الجديد يريد تسخير كل الأدوات الفاعلة في المجتمع لكي تكون جزء من عملية البناء. فالمعركة ليست ميسرة هي معركة بسبب خلافات الرؤى و المصالح. و عملية التحول الديمقراطية تحتاج أن يترك الجميع مصالحهم وراء ظهرهم و يتفرغون لها بالوطنية العالية المجسدة في هؤلاء الشباب. أن معركة سودان المستقبل هذه هي بدايتها، و حتما سوف ينتصر العقل الجديد. نسأل الله التوفيق.


zainsalih@hotmail.com
//////////////////////////////

 

آراء