الكتابة: ما بين سراديب الذاكرة واللاوعي
(سر تلك البئر الغامضة التي نغرف منها).
د. محمد عبد الله الحسين
عندما نَكتُب تتراص الحروف وتنتظم الكلمات استجابة للأفكار أو للخواطر أو المشاعر أول نداء غريب ودعوة مجهولة. إن الكلام الذي نكتبه والألفاظ التي نختارها لم تجيء عفوا، كما لم تجيء بناء على قصد مسبَّق. ولكنها تجي متسللة وئيدة لتأخذ مكانها بين السطور. في لحظة ما تتنزل مما وعته وحفظته الذاكرة ومما لم تحفظه ومما تدثر وراء الحجب وفي الوعي واللاوعي. لقد تكونت وترسبت الأفكار والخبرات والتجارب وردود الأفعال واختبأت المشاعر الخجلى والتوق والحنين والخيبات والانكسارات على مر السنين. ثم تجمعت جميعها، وتراكمت وامتزجت وتفاعلت مع بعضها ومع غيرها من مشاعر وأفكار وخبرات ومواقف وأحاسيس. وحينما نُمسِك بالقلم لنكتب تتدافع وتحتشد فجأة وتتجمع من سراديب الذاكرة ومتاهات الوعي ودهاليز اللاوعي لتُحظى بشرف التنزُّل في السطور.
وهكذا تظهر الصور المختبئة والأفكار معبِّرة عن نفسها لتقرر بأن لا شيء في هذه الحياة يضيع سدى وأن ما كنا نظنه قد تبدد هباء كان قد اتخذ موقعه هناك. وأن كل شخص تُعاشره أو تُعايشه أو تُرافقه أو تُقابله أو تُصادفه أو تراه أو تسمعه، أو تقرأه، يترك بصمة في نفسك، وفي وجدانك وفي ذاكرتك وفي أفكارك. إن الكون والحياة والأمر كذلك عبارة عن خِزانة متسعة، تقوم تلقائيا ودون كلل بحفظ تلك البصمات، مهما علا شانها أو بلغت أهميتها أو تفاهتها طوال حياتنا.
وفي نفس الاتجاه قد نتفاجأ أحيانا بتداعي الأفكار من تلك الخزانة وإنثيال الذكريات تلقائيا. يحدث ذلك دون أن نطلبها ودون أن نتذكرها حتى، ولكنها تتداعي وتحتشد دون وعي منا ودون قصد. وكأن أمرا ما قد صدر من جهة ما بذلك.
وفي تناصٍ عابرٍ يتماثل لي عمل هذه الخزانة بما ورد في الآية 59 من سورة الكهف (ما لهذا الكتاب لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها). وسورة الكهف في مجملها هي سورة تتحدث عن العلم والمعرفة والعلم خاصة المخفي منه. وتتسلسل إلى ذهني محاولات العلماء والمفكرين لحل ألغاز الكون من أحداث واقعية ومن أحلام وحدس وإلهام. وتتراءى لي أفكار كارل يونغ لتفسير الوعي واللاوعي الجمعي وفرويد عن تفسير الأحلام.
من ناحية أخرى، نجد أن البشر لم يكفيهم الحاضر الذي يعيشونه بل تطلعوا أيضا إلى المستقبل الذي ينتظرهم. وما قراءة النجوم والطوالع إلا محاولات في هذا الاتجاه سواء صدق المشتغلون بها أم كذبوا. وفي نفس الاتجاه نجد تفسير تأويل الأحلام وهنا يمثل يوسف عليه السلام المثال الأبرز في هذا الجانب، مما يؤكد ارتباط الماضي بشكل ما والحاضر كذلك بالمستقبل.
في الختام لا أود أن أغادر هذه النقطة دون أشير بأن كل ما ذُكِر أعلاه يندرج ضمن مجالات العلم والمعرفة. ونلاحظ بالتالي أن ما جاء في الآية 41 من سورة البقرة (…وعلم آدم الأسماء كلها) إنما هو تأكيد بأن العلم هو المدخل الأساسي لفهم الحياة والوجود في الأرض والأساس لفهم عِلاتِ هذا الوجود ومفرداته وعلائقه. ونلاحظ أيضا أن التعلم كما مرتبط بالكتابة(القلم) فهو مرتبط أيضا بالقراءة ونجد تأكيد ذلك في الآية (1) سورة العلق (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ثم في الآيات:3 و4 و5 من نفس السورة (اقرأ وربُّك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم). وهكذا يرتبط القلم والكتابة بالعلم وبالمعرفة. وفي تلك الخزانة (المتعددة (العقل والقلب والذاكرة) يرتبط العلم والمعرفة بالعقل فهما، وبالقلب تعقلا وإحساسا ووعيا، وبالذاكرة حفظا.
