لم تعد أزمة السودان تسمح بترف قراءة التحالفات السياسية باعتبارها مجرد خلافات في الأسماء أو تباينات في التكتيك، فالحرب التي دخلت عامها الرابع لم تترك الدولة كما كانت ولم تبق المجال السياسي على حاله، انقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ متنافسة وتحولت السياسة لدى بعض القوى من فعل يفترض أن يستقل عن مراكز النفوذ العسكري وشبكات النظام البائد، إلى وظيفة ملحقة بموازينها ومصالحها، وفي امتداد هذا الاختلال البنيوي يفرض مسار “الكتلة الديمقراطية” منذ نشأتها قراءة تتجاوز النظر إليها باعتبارها مجرد تحالف مدني أخطأ في بعض تقديراته السياسية أو اختار الوقوف إلى جانب الجيش في لحظات متفرقة، فالمسألة أعمق من مجموع تلك المواقف لأنها تتصل بالوظيفة السياسية التي أدتها الكتلة داخل معادلة السلطة وبالسؤال عن المسافة التي تفصل فعلياً بين قرارها السياسي ومصالح المؤسسة العسكرية.
فالتحالفات السياسية لا تعرف بأسمائها وحدها ولا بما تقوله عن نفسها، وإنما بسلوكها ومواقفها داخل بنية الصراع وبالوظيفة التي تؤديها في معادلة السلطة، ولذلك لا تكفي الصفة المدنية لكي تصبح “الكتلة الديمقراطية” قوة سياسية مستقلة عن المؤسسة العسكرية مثلما لا يكفي وجود كلمة “الديمقراطية” في اسمها لإثبات انحيازها إلى مشروع التحول الديمقراطي، فالمدنية ليست زياً سياسياً، وإنما موقف واضح من عسكرة السلطة، والديمقراطية ليست اسماً، وإنما منظومة قيم ومبادئ تجعل الإرادة الشعبية فوق إرادة السلاح والدولة فوق الجيش والقانون فوق الجميع.
وعند قراءة مسار “الكتلة الديمقراطية” عبر محطاته المختلفة تتكشف علاقة يصعب فصلها عن طبيعة التحالف ووظيفته السياسية، فعندما احتاج انقلاب أكتوبر إلى غطاء مدني قدمت الكتلة خطاب “تصحيح المسار”، وعندما بدأت محاولات استعادة العملية السياسية جعلت من مقاومة الاتفاق الإطاري أحد محاور حركتها، وعندما اندلعت الحرب اصطفت إلى جانب الجيش وتبنت سرديته، وعندما تحركت مسارات التسوية انتقلت بين المنابر بحثاً عن موقع داخل ترتيباتها، وما يجمع هذه المواقف رغم اختلاف سياقاتها هو استمرار تموضع الكتلة إلى جانب المؤسسة العسكرية، وهي علاقة تتجاوز حدود التحالف السياسي العابر لتصبح عنصراً بنيوياً في تشكيل موقع الكتلة وخياراتها ومفتاحاً أساسياً لفهم مواقفها وتحالفاتها وحدود استقلالها السياسي منذ نشأتها وحتى اليوم، ولهذا لم يعد السؤال هو ما إذا كانت “الكتلة الديمقراطية” تؤيد الجيش في موقف وتختلف معه في آخر، وإنما أين تقف من اللحظة التي بلغها السودان اليوم؟ وهل تستطيع مغادرة موقع الظهير السياسي للمؤسسة العسكرية والتحول إلى قوة مدنية تمتلك مشروعاً مستقلاً لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، أم أن الحرب أعادت تثبيت الوظيفة السياسية التي صاحبت نشأتها؟
فاستقلال القوى المدنية لا تقرره الأسماء ولا ادعاءات الحياد وإنما قدرتها على اتخاذ موقف مختلف عندما تتعارض خيارات العسكريين مع مقتضيات الدولة المدنية الديمقراطية ومصالح المجتمع، وعلى الدفاع بوضوح عن إخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، بحيث يصبح مشروع الدولة هو الذي يحدد طبيعة علاقتها بالجيش لا أن يصبح موقع الجيش في السلطة هو الذي يرسم حدود مشروعها السياسي، ومن دون هذا الاستقلال يصبح التمييز بين الواجهة المدنية ومركز القوة العسكرية الذي تستند إليه تمييزاً شكلياً أكثر منه سياسياً، فالسلطة العسكرية لا تحتاج دائماً إلى أن يتولى الجنرالات الحكم بصورة مباشرة، إذ قد يكفيها الاحتفاظ بالقدرة على تحديد سقف السياسة وحدودها، بينما تتولى قوى مدنية متحالفة معها الدفاع عن خياراتها وتوفير الغطاء السياسي لها وإعادة تقديم مصالحها وخياراتها باعتبارها تعبيراً عن مصالح الدولة نفسها، وعند هذه النقطة لا تعود المشكلة في مجرد تحالف بين مدنيين وعسكريين وإنما في اختلال العلاقة بين السياسة والسلاح، حين تصبح القوة العسكرية مرجعاً للسياسة بدلاً من أن تكون مؤسسة من مؤسسات الدولة خاضعة لسلطتها المدنية.
ومن هنا ينبغي قراءة موقع “الكتلة الديمقراطية” داخل أي تسوية مقبلة، فالمشكلة ليست في حقها في الوجود أو المشاركة السياسية وإنما في منحها تلقائياً صفة الطرف المدني المستقل عن المؤسسة العسكرية من دون إخضاع هذه الصفة لاختبار الموقف والممارسة، فالعملية السياسية التي يجلس فيها الجيش على مقعد بوصفه طرفاً عسكرياً ثم تجد رؤيته ومصالحه تمثيلاً إضافياً عبر مقاعد تحمل أسماء مدنية، قد تبدو واسعة في شكلها بينما تظل مختلة في جوهرها لأنها تضاعف الوزن السياسي لمركز القوة نفسه من دون أن تغير بنية السلطة أو تعيد تعريف مصدر شرعيتها.
وهذا هو الخطر الذي ينبغي أن تنتبه إليه القوى السودانية والوسطاء في أي عملية سياسية مقبلة، فالشمول لا يعني جمع أكبر عدد ممكن من الأسماء حول طاولة واحدة وإنما بناء عملية تعكس التعدد الحقيقي في المجتمع، وتوازن بين المصالح والمواقف المختلفة على أسس واضحة، أما التعامل مع القوى المتحالفة مع المؤسسة العسكرية باعتبارها قطباً مدنياً مستقلاً وموازياً للقوى المطالبة بإنهاء هيمنة العسكريين على السياسة، واحتساب الطرفين بوصفهما تعبيرين متكافئين عن المجال المدني، فقد يعيد إنتاج الاختلال الذي قوض الانتقال السابق وأسهم في تهيئة البيئة السياسية التي انتهت إلى الحرب. فليس كل تعدد ديمقراطية وليس كل توسيع للمشاركة توسيعاً للقاعدة المدنية، فقد تتكاثر المقاعد بينما يظل مركز القرار واحداً، وتتعدد الواجهات بينما تبقى القوة التي ترسم حدود الممكن السياسي في مكانها، وعندئذ لا تعود العملية السياسية أداة لتغيير بنية السلطة وإنما تصبح آلية لإعادة توزيع تمثيلها، بحيث تتغير الوجوه والمقاعد بينما تبقى القواعد التي أنتجت الأزمة على حالها.
والسودان بعد كل ما دفعه من أثمان لا يحتاج إلى إعادة توزيع تمثيل السلطة العسكرية وإنما إلى إنهاء قدرتها على إنتاج السلطة السياسية من الأصل، فجوهر الأزمة لم يكن يوماً في وجود الجيش باعتباره مؤسسة وطنية ضرورية وإنما في تمدد المؤسسة العسكرية خارج وظيفتها المهنية حتى أصبحت لاعباً في الحكم والاقتصاد والسياسة، وتحولت العلاقة بمركز القوة المسلح إلى أحد مسارات اكتساب السلطة والنفوذ السياسي أو الاحتفاظ به، ولذلك لا ينبغي اختزال الموقف من الجيش في معركة زائفة بين من يريد “الحفاظ عليه” ومن يريد “تفكيكه” كما يصور الخطاب السياسي الاستقطابي المسألة، فالقضية الحقيقية ليست وجود الجيش من عدمه وإنما هي “أي جيش نريد، وأين موقعه داخل الدولة؟”. فالجيش المهني الموحد ضرورة لبقاء الدولة وحماية سيادتها، أما الجيش الذي يحدد حكامها ويعيد تشكيل مجالها السياسي ويتدخل في انتقال السلطة، فإنه ينتقل من موقع المؤسسة داخل الدولة إلى موقع السلطة فوقها، والفارق بين الحالتين هو في جوهره الفارق بين دولة عسكرية ودولة مدنية تمتلك جيشاً وطنياً مهنياً.
وهذا المعيار لا يستقيم إذا طبق على المؤسسة العسكرية واستثنيت منه بقية المجموعات المسلحة، فالحركات التي تحمل السلاح بما فيها الحركات الموجودة داخل “الكتلة الديمقراطية” لا تستطيع المطالبة بدولة مدنية ديمقراطية بينما تحتفظ في الوقت نفسه بالسلاح وتستخدمه مصدراً للوزن السياسي والتفاوضي، فالمدنية لا تتحقق بمجرد إخراج الجيش من الحكم إذا ظلت بنادق أخرى تمنح أصحابها طريقاً استثنائياً إلى السلطة والمقاعد والنفوذ، لأن جوهر الدولة المدنية ليس استبدال سلاح بسلاح وإنما إنهاء الامتياز السياسي للسلاح أياً كان حامله وإعادة السياسة إلى المجتمع، والجيش إلى وظيفته، والسلطة إلى مصدرها المدني الديمقراطي.
إن الامتحان الذي يواجه “الكتلة الديمقراطية” اليوم واضح ولا يحتاج إلى مزيد من الفلسفة أو الشعارات والمناورات السياسية، وهو “هل تستطيع أن تقول بصورة لا تحتمل التأويل إن العسكريين يجب أن يخرجوا من السياسة؟ وهل تنحاز بلا مواربة إلى إنهاء الحرب لا إلى انتصار أحد أطرافها؟ وهل تقبل بسلطة مدنية ديمقراطية لا يحتفظ فيها الجيش بحق الوصاية أو النقض وبإخضاع المؤسسة العسكرية والتشكيلات المسلحة كافة للقانون والمساءلة، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية واحدة؟ والأهم هل تستطيع اتخاذ هذه المواقف حتى عندما تتعارض مع مصالح حلفائها أو مع مواقع قياداتها التي تشغلها حالياً داخل معادلة سلطة الحرب؟
إذا لم تستطع فإن المشكلة لن تكون في رفض الآخرين الاعتراف باستقلاليتها، وإنما في عجزها عن إنتاج الشروط السياسية التي تجعل هذا الاستقلال قابلاً للتصديق، ولذلك فإن التعامل مع “الكتلة الديمقراطية” باعتبارها قوة مدنية مستقلة لا ينبغي أن يحسم بالافتراض وإنما بالدليل السياسي الذي تقدمه مواقفها وممارساتها.
وإلى أن تتخذ الكتلة موقفاً واضحاً ومستقلاً عن قيادة الجيش في القضايا التي تحدد مستقبل الدولة، فإن سجلها السياسي يجعل من الأجدر قراءتها وفق الوظيفة التي أدتها فعلياً في معادلة السلطة .. “ظهيراً سياسياً للمؤسسة العسكرية أسهم في محطات مفصلية في توفير الغطاء المدني لخياراتها المتعارضة مع مشروع الدولة المدنية الديمقراطية أكثر من كونه مشروعاً مدنياً مستقلاً عنها، ينحاز إلى مصالح الدولة ويعمل من أجل إنهاء هيمنة العسكريين على السياسة وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية”.
وهذا ليس دعوة إلى إقصائها من المجال السياسي أو مصادرة حق مكوناتها في التنظيم والتعبير، فالإقصاء لا يبني ديمقراطية مثلما لا تبنى الديمقراطية بإعادة إنتاج نفوذ المؤسسة العسكرية وقوى الشمولية تحت واجهات مدنية، والمطلوب هو ألا تمنح أي قوة شرعية سياسية إضافية لمجرد حملها صفة مدنية وألا تتحول فكرة “الشمول” إلى حصان طروادة تعود عبره الوصاية العسكرية إلى بنية أي انتقال جديد، لا سيما ان الفرق كبير بين حق القوة السياسية في الوجود والمشاركة، وبين أن تعامل باعتبارها ممثلاً مستقلاً للمجال المدني، الأول حق ديمقراطي لا ينبغي المساس به، أما الثاني فلا تمنحه الأسماء وإنما تثبته المواقف والممارسة والاستقلال الفعلي عن مراكز القوة المسلحة.
ويكتسب هذا التمييز أهمية أكبر في اللحظة الراهنة مع تعدد المبادرات الإقليمية والدولية ومسارات البحث عن تسوية، فالسودان لا يعاني نقصاً في المنابر بقدر ما يعاني غياب الاتفاق على الأسئلة التي ينبغي أن تحكم أي عملية سياسية .. “أي دولة نريد؟ ومن أين تستمد السلطة شرعيتها؟ وما موقع المؤسسة العسكرية والقوى المسلحة داخلها؟”. فإذا بدأ النقاش مرة أخرى بمن يحصل على المقعد قبل الاتفاق على طبيعة الدولة، ومن يشارك قبل تحديد قواعد المشاركة، ومن يحكم قبل حسم مصدر شرعية الحكم، فلن نكون أمام تسوية تؤسس لانتقال جديد، وإنما أمام إعادة ترتيب للأزمة القديمة داخل هندسة سياسية جديدة.
لقد تجاوز السودان المرحلة التي يمكن فيها التعامل مع السياسة بوصفها مجالاً مفتوحاً للتجريب، فما حدث لم يعد أزمة حكم يمكن تجاوزها بتعديل التحالفات أو إعادة توزيع المواقع وإنما انهياراً واسعاً دفع المواطنون ثمنه قتلاً ونزوحاً ولجوءاً وفقراً وفقداناً للأمن ومقومات الحياة، ولذلك فإن أي خطأ جديد في تصميم التسوية لن يكون مجرد إخفاق سياسي آخر، بل قد يضع الأساس لأزمة جديدة يدفع السودانيون ثمنها مرة أخرى، ولذلك لا ينبغي أن تكون التسوية المقبلة مكافأة للقوى الأكثر قدرة على المناورة أو الأكثر قرباً من مراكز السلاح، وإنما بداية لتغيير القواعد التي جعلت القوة المسلحة طريقاً إلى السلطة والنفوذ السياسي، فلا معنى لوقف الحرب إذا توقفت المعارك وبقيت المعادلة السياسية التي أسهمت في إنتاجها، ولا معنى لانتقال مدني إذا احتفظ العسكريون بحق رسم حدوده، ولا معنى للعدالة إذا توقفت عند مصالح الحلفاء، ولا معنى للديمقراطية إذا ظل السلاح قادراً عند كل أزمة على إعادة كتابة قواعدها، فالسلام الحقيقي لا ينهي الحرب وحدها وإنما ينهي أيضاً الشروط السياسية التي تجعل عودتها ممكنة.
ومن “منصة الموز” إلى انقلاب أكتوبر، ومن مقاومة الاتفاق الإطاري إلى الحرب، ومن خطاب “حماية الدولة” إلى التنقل بين منابر التسوية، ظل السؤال الذي يلاحق “الكتلة الديمقراطية” واحداً وهو “أين ينتهي مشروع المؤسسة العسكرية، وأين يبدأ مشروع الكتلة؟”. وحتى الآن لم يقدم مسارها السياسي إجابة واضحة وقاطعة عن هذا السؤال، والإجابة لا تحتاج إلى بيان جديد أو إعادة صياغة للخطاب وإنما إلى قطيعة سياسية واضحة مع المعادلة التي جعلت العسكريين مركزاً للسلطة ومصدراً لتحديد حدود السياسة، وانحياز صريح إلى إنهاء الحرب، وخروج كامل للمؤسسة العسكرية من السياسة، وانتقال مدني ديمقراطي، وجيش وطني مهني موحد يخضع للدستور والقانون والسلطة المدنية، وعدالة ومساءلة لا تستثنيان أحداً، عندها فقط تستطيع “الكتلة الديمقراطية” أن تطالب بإعادة تقييم موقعها باعتبارها مشروعاً مدنياً مستقلاً عن المؤسسة العسكرية.
أما قبل ذلك فإن مطالبة السودانيين بتجاوز سجلها السياسي ومنحها تعريفاً جديداً لمجرد أنها تقدمه عن نفسها، تعني مطالبتهم بفصل السياسة عن الذاكرة والنتائج عن مقدماتها والمواقف عن مسؤوليتها، فالقوى السياسية لا تبدأ من جديد كلما غيرت خطابها وإنما تظل مسؤولة عن الخيارات التي اتخذتها والتحالفات التي بنتها والسلطة التي ساندتها والنتائج التي أسهمت مواقفها في إنتاجها، والسودان بعد كل ما دفعه من أثمان لا يحتمل أن تمحى ذاكرته السياسية كلما اقتربت تسوية جديدة، كما إن القشة التي قد تقصم ظهر البلاد ليست وجود “الكتلة الديمقراطية” في المجال السياسي وإنما منح المعادلة التي مثلتها فرصة جديدة لإنتاج نفسها .. “مؤسسة عسكرية تحتفظ بمركز السلطة، وقوى مدنية توفر لها الغطاء السياسي، وتسوية تعيد توزيع المواقع من دون أن تغير بنية الحكم أو تعيد بناء الدولة”، وبعد كل هذا الخراب لم يعد المطلوب تغيير الجالسين حول مائدة السلطة وإنما تغيير القاعدة التي تحدد من يملك السلطة أصلاً، لأن أزمة السودان لم تكن يوماً في عدد المقاعد وحده، بل في مركز القوة الذي سيطر عليها وامتلك سلطة توزيعها وتحديد من يجلس عليها.
وفي نهاية المطاف لا تتعلق القضية بمستقبل “الكتلة الديمقراطية” وحدها، وإنما بنوع الدولة التي يريد السودانيون أن تخرج من تحت أنقاض هذه الحرب، وبما إذا كانت البلاد ستقطع فعلاً مع المعادلة التي جعلت السلاح مصدراً للسلطة والنفوذ، أم ستعيد إنتاجها بواجهات وتحالفات وترتيبات جديدة، فلا دولة مدنية بواجهة مدنية لسلطة عسكرية، ولا ديمقراطية يكون السلاح أحد مصادر شرعيتها، ولا سلام يعيد إنتاج الشروط السياسية التي قادت إلى الحرب.
إن الدولة التي دفع السودانيون كل هذه الأثمان من أجل الوصول إليها لن تبنى بتغيير أسماء التحالفات أو إعادة ترتيب المقاعد بينها، وإنما عندما تصبح المؤسسة العسكرية جزءاً من الدولة لا وصية عليها، وتصبح السياسة تعبيراً عن إرادة المجتمع لا امتداداً لقوة وسلطة البنادق، ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست حول من يحصل على مقعد في السلطة المقبلة وإنما حول من يملك الحق في منح ذلك المقعد، ومن أين تستمد السلطة شرعيتها .. “من الشعب عبر دولة مدنية ديمقراطية، أم من السلاح عبر دورة جديدة من الواجهات والتحالفات؟”
وبين هذين الطريقين لا يتحدد مستقبل “الكتلة الديمقراطية” وحدها وإنما مستقبل السودان نفسه، فإما دولة تستمد سلطتها من إرادة مواطنيها ويخضع فيها السلاح للقانون، أو معادلة تعيد إنتاج سلطة السلاح مهما تغيرت أسماؤها وواجهاتها، وبعد حرب دفعت البلاد إلى هذا القدر من الخراب لم يعد السودان يحتمل أن تتغير الواجهات وتبقى القواعد التي صنعت أزمته على حالها.
محمد عبدالله إبراهيم
mohammedabdalluh2000@gmail.com
