اللغة عِلّة النص.. لا معلولته
ناجي شريف بابكر.. ١١ سبتمبر ٢٠٢٦
في علوم المنطق في الدال والمدلول وفي العلة والمعلول، وفي علم الرياضيات على وجه الخصوص فإن متغيّرات الدوال الرياضية تندرج من حيث العلة والمعلول، في مجموعتين:
الأولى متغيرات مستقلة أو تفسيرية، لا تتأثر بمشمولات الدوال لكنها تؤثر فيها وتفسرُّها..
الثانية متغيرات ثانوية أو تابعة تتأثر مقاديرها سلبا وإيجابا بالمتغيرات المستقلة وتُفسّرُ دلالاتها إعتمادا عليها.
إن تأرجح قيم المتغيرات المستقلة أو التفسيرية، يمثل العلّة التي تدفع بالمتغيرات التابعة إلى التأرجح سلبا أو إيجابا تمشيا مع طبيعة العلاقة الكمية إن كانت طردية أو متعاكسة..
العلة هي ما يؤثر على المعلول فيغير من حالته التي كان عليها.. اذا ما تحركت تبعها المعلول بالحركة، وإن سكنت سكن.. وعلاقة العلية علاقة ديناميكية ذات مقدار وذات إتجاه.. لا تقبل العكس.. وأن أي افتراضات وخلاصات تنبنى على عكس اتجاه علاقة العليّة تعتبر خلاصات باطلة تقنيا ولا تستقيم منطقا.. فالباب ذو المزلاج يعتمد في علته من حيث الحركة والسكون على المزلاج.. فبإمكانك أن تفتح الباب بسحب المزلاج، لكن سيتعثر عليك أن حاولت فتح المزلاج من خلال تحريك الباب..
بإسقاط هذه الفرضية على المسائل السردية، فإن درجة إستيعابنا للنصوص المكتوبة أو المنطوقة بلغة ما، أيّ لغة، يعتمد على مقدار معرفتنا وإتقاننا للمداليل اللغوية لمفردات تلك النصوص.. وإن أي مفاهيم او إنطباعات عن تلك النصوص خارج مداليلها اللغوية لا تعدو كونها تهيؤات وافتراءات وأباطيل.
إن هذه الفرضية تكشف أن المرجعية اللغوية للنص إنما هي عاملٍ مستقل (إندبندانت فاكتور)، بينما المفاهيم المستقاة من النص يتوجب إعتبارها عاملا تابعا أو ثانويا (ديبندانت فاكتور).. فالنص يعتمد على المفردات في إعانة المُتلَقين على تفكيك شفراته واستيعابه.. لكن المفردات لا تعتمد على النص في مداليلها وأحكامها النحويّة.. اي أن العكس ليس صحيحا هنا على الأقل.
فتفسير النص أو استنتاج الدلائل والمفاهيم التي يطلقها النص إنما يعتمد على الحمولات اللغوية للمفردات المستخدمة في بنيته التعبيرية، والعكس غير صحيح. بمعنى أن أي مفاهيم ودلالات للنص، لا تنضوي تحت المنطوق اللغوي لمفرداته، لا تعدو كونها إسقاطات وتهيؤات.
يتوجب علينا كذلك الإنتباه للطبيعة الزمنية للُّغات (زي تيمبورال فاكتور) أي التطور والتحور الذي يطرأ على اللغة كمرجعية للنص.. بمعنى أن أي مستجدات أو تحديثات يتم إعتمادها في القواميس أو النحويات، في وقت لاحق لصدور النص، فإن النص لا يخضع لها ولا يُفسّرُ بموجبها، باعتباره سابقا لها في الوجود.
في رواية مزرعة الخنازير لجورج أورويل.. فإن وصايا ميجور العجوز التي شكلت الخلاص الموعود لحيوانات المانور، قد خضعت لإعادة التأويل.. فبدلا من أن تتمخض الثورة عن الخلاص، فقد أعادت تأويلات نصوص ميجور العجوز الثورية الحيوانات إلى الحظيرة من جديد.. ” لقد جعل التأويل كل الحيوانات في الحظيرة متساوون.. لكن بعض الحيوانات أصبحت أكثرُ تساويا عمّا سواها”.
العربية جعلها الله لغة التنزيل ومفتاح القرآن.. وبالتالي فلكي تفكك شفرات ودلائل النص القرآني يلزم إخضاع النص لمرجعية اللغة المعاصرة للتنزيل والمواقتة له.. بما في ذلك أدوات اللغة البلاغية كالتشبيه والإستعارة المكنية وغير المكنية.. إن أي تطوّر لاحق لمداليل اللغة ومفرداتها ولأحكامها، يتوجب ألا يجري إسقاط مستجداته المتأخرة على قراءة النص القرآني وعلى استيعاب مفرداته.
بالمنطق نفسه فإن دلائل المفردات المستخدمة في السرد القرآني يتوجب أن تخضع بصورة كلية لمعاني ومداليل تلك المفردات في قاموسها اللغوي الأصلي، مقروءا كان أو منطوقا أو محفوظا في صدور الشعراء والحكائين، كيفما كان الوضع عليه ماقبل نزول الوحي..
بعض اللغويين والمفسرين بدا انهم تماشيا مع إنطباعاتهم المفاهيمية لمرامي الدين، أو ربما تأثرا بما راعته الأعراف والتقاليد البدوية، قد لجأوا لمعالجة مداليل النص القرآني لتتواءم مع تلك المرامي والمفاهيم التي ربما رأوها وفق تصوّراتهم أكثرُ نبلا، وذلك بمحاولة إخضاع مفردات لغوية بعينها، لتتسق ولا تتعارض مع تلك المفاهيم.. إذ واجهتني هذه المسألة اكثر من مرّة حُمّلت فيها التعابير اللغوية بأحمال ماهي بأحمالها وفُسّرت فيها المفردات بأضدادها .. اذكر منها على سبيل المثال الآيات (١٨٤) البقرة و الآية (٥٩) الأحزاب.
إن خطورة مثل هذه المبادرات هي أنها ستُخضع النص القرآني لأماني القراء والمتلقين.. أي للمفاهيم التي رجّحها مفسرون بحسبانها أكثر انسجاما والمقاصد الكلية للنص، فأقحموها فيه وأقحموا النصوص فيها. ذلك بدلا من تركها، أعني النصوص، للدلالات القطعية المباشرة لمفرداتها اللغوية التي أراد الله لها أن تكون هي الأساس المرجعي التفسيري لتفكيك ولاستخلاص مفاهيم ورسائل النص القرآني.. وليس العكس.. “إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون”..و”لسانُ الذي يُلحِدون إليه أعجميٌّ وهذا لسانٌ عربيٌّ مُبين”.
يتوجب على اللغة أن تحافظ على كينونتها السابقة للنص والمستقلة عنه، إن أرادت أن تبقى مفتاحا محايداً لشفراته.. كما لها أن تتطور وفق منطق الأشياء وحتميتها، لكن بمعزل عن النصوص.. فإن أي محاولة لإسقاط معانٍ مستحدثة للمفردات على نصوص كانت قد سبقتها في الحدوث، سيقود لهدم مرجعية العربية وهدم استقلالها.. وبالتالي إفساد قدرتها على تفكيك شفرات النصوص.. كما ان النصوص بدورها لن تنجو من الخراب.. إذ سيفقدها هذا التحايُل رسالتها المتمثلة في دلالاتها الناتجة عن تفكيكها ومعالجتها وفق مفرداتها اللسانية المستقلة.. وإن من شأن ذلك إبطال مفعول النص وهدمه..
إذا تحركت الخيول على أرض ثابتة فستبلغ القافلة منتهاها.. أما إذا تحركت الأرض من تحتها بنفس سرعتها وفي نفس إتجاهها، فلا قطعت ارضا ولا ابقت ظهرا.
E-mail nagibabiker@hotmai
