المتعافى الذى عرفت (1) .. بقلم : سيف الاسلام حميدة

بسم الله الرحمن الرحيم

Shandina65@hotmail.com
الكتابة عن دكتور عبدالحليم اسماعيل المتعافى ليست بالسهلة بالرغم ما أعرفه شخصيا عن سهولة الرجل وتصالحه مع نفسه وعدم اكتراثه لما يقال عنه و يكتب . عرفت المتعافى منذ العام 2005 واستمرت علاقتى معه منذ ذلك الوقت. عملت مع الرجل فى أقرب دائرة له لمدة تقارب الثمانية أعوام فى ولاية الخرطوم أولا وبعدها فى وزارة الزراعة الاتحادية. ولقد قادتني الصدفة المحضة للعمل مع الرجل ولم تكن لى سابق معرفة به .
واستميحك عذرا أخى القارئ أن بدا لك المقال ركيكا فى صياغته مختلا فى لغته حيث أنها تجربتى الأولى فى كتابة مثل هذه المقالات والتى لم أكن الجأ اليها لولا علمى بالظلم الذى تعرض له الرجل طيلة سنوات عمله فى العمل العام , وساءنى غاية السوء أن يفهم رجل مثله بهذا الفهم المعلول وأن يغتال سياسيا وأن تغمر جميع تلكم الحسنات فى القيل والقال .. لك أخى القارئ مطلق الحرية فى تقبل هذه الشهادة أو رفضها الا أننى ابتغى بها مساهمة فى رفع ظلم حاق بالرجل كثيرا منطلقا من قول الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما …. الحديث ) مع تأكيد نزع عاطفتى تجاهه جانبا عند الكتابة.
سأتناول ما عرفته عنه ابان علاقتى به أثناء عمله واليا لولاية الخرطوم وبعدها عندما صار وزيرا للزراعة والرى.. وأعلم أن الكثير من القراء سينظر الى هذه الشهادة بعين الريبة وربما رأوها مجروحة من شخص قد عمل معه الا أنها شهادة أتحمل مسئوليتها تماما سائلا الله عزوجل فيها الاخلاص .  
لم أرى فى حياتى رجلا ظلمه الناس مثل ما فعلوا مع هذا الرجل , وقد يكون للمتعافى دور غير مقصود فى الصورة التى وضعها الناس له , فالصراحة والصدق المفرطان اللذان بهما اتصف قد ساهمتا فى وضع تلكم الصورة القاتمة عند بعض الناس له . فان ما كان يصرح به بأن له أعمالا خاصة لا تتعارض ولا تأخذ من وقته شيئا ازاء عمله العام وله فقهه الخاص فى ذلك  , كرس عند الناس فهم أنه أحد المنتفعين بوظيفته الحكومية , مع أن من يعرفه جيدا ويعمل معه يعلم علما يقينيا أن تلك فرية عظيمة لازمت الرجل طيلة فترة عمله فى الانقاذ وجرت عليه الكثير من الأقلام والأفواه التى سعت لاغتياله سياسيا.
ولمن لا يعرفون المتعافى فهو من أسرة أنصارية عريقة كان يرى ربها فى المهدية دينا وسلوكا وزهدا يرتبط بحياة الفرد ولا ينفك عنها. اسماعيل المتعافى والده من أكثر الشخصيات تأثيرا فى شخصية المتعافى الابن.. ولطالما حدثك عنه وعن أخباره وعن الحكمة التى كانت ديدن الرجل وضالته… عرفه أهل الدويم بأنه رجل صادق منجز لما يعدك به زاهدا فى شأنه كله .. حيث تطول القصص والحكايات فى هذا المجال عن الرجل والتى لسنا بصددها هنا الآن .
تربى عبدالحليم على يد والده هذا حيث أنه كان أكثر ابنائه ملازمة له واعجابا بشخصيته وتدينه وحكمته. عمل معه فى الزراعة وعرف منه أبجدياتها وصار الوالد يعتمد عليه كثيرا فى شأنه كله.. وبملازمته لوالده عرف التجارة والزراعة وبعد تخرجه من الجامعة لم يكن ليعمل بشهادته الجامعية حيث أتجه للزراعة والانتاج الحيوانى مع والده وتطوع طبيبا فى بعض مستشفيات النيل الأبيض.. ومن هنا بدأت تتشكل شخصية المتعافى التجارية التى تدرس خيارات وأرباح الأعمال التجارية المختلفة والراغبة فى التطور والدخل الأحسن.
فات على أخى القارئ أن أخبرك بأن عبدالحليم المتعافى تدرج فى المراحل الدراسية المختلفة بمدينته الدويم حيث كان دائما الأول على جميع طلاب دفعته فى مختلف المراحل الدراسية الى أن التحق بكلية الطب جامعة الخرطوم والتي ظلت حلم كل طالب فى ذلك الوقت حيث كانت ( الجميلة ومستحيلة) .
هاجر المتعافى الى السعودية برفقة زوجته هند مامون بحيرى والتى هى الأخرى طبيبة ابنة أحد أشهر أهل الاقتصاد بالسودان وأول محافظ للبنك المركزي فى تاريخه. عملا هناك لفترة من السنوات ثم طلب الى المتعافى أن يرجع الى السودان للعمل مع أخوانه فى الحركة الاسلامية فى مشروع حكومة الانقاذ الوطنى.
عاد المتعافى للسودان وبدأ حياته السياسية محافظا لسنار فبورتسودان ثم وزير مالية بالبحر الأحمر فواليا بعد ذلك لعدد من الولايات  كجنوب دارفور , النيل الأبيض , ثم وزيرا للصناعة والاستثمار ثم واليا للخرطوم وانتهى به الأمر وزيرا للزراعة والرى.
يشهد الكثيرون فى جميع المواقع المختلفة التى عمل بها المتعافى بما تم فى عهده من انجازات مختلفة سعى الرجل لها فى ظل ظروف سيئة للغاية وقتئذ وبفهم راق للدور الذى يجب أن يقوم به السياسي فى خدمة الناس وتحسين وتسهيل حياتهم ما استطاع الى ذلك سبيلا . ويبقى سجل الرجل فى ولاية الخرطوم شاهدا علي تجربة فريدة فى التنمية والتطور بشهادة الأغلبية بما فيهم منتقدو الرجل أنفسهم.
أكثر ما يشدك فى المتعافى أنه رجل قد رباه بيته قبل تربية الحركة الاسلامية له . شأن كل بيت فى السودان فى الكرم والأدب وحسن التعامل وتوقير الكبير واحترام الصغير , نشأ المتعافى آخذا القسط الأكبر من ذلكم كله . يحكى لك كثيرا أن والده كان يقول له ( والله لم أدخل عليكم مليما واحدا وأعلم أنه حرام .. وان شاء الله تبقوا رجال وتعملوا الحكاية دى مع ابنائكم ) وقد رأيته والله متمثلا لذلك طيلة عملى معه.
مما تلمسه كثيرا فى العمل معه , انشغال الرجل بهم المسلمين واصلاح شأنهم وتسهيل حياتهم ونفعهم . دائما تسمع عنده هذه الكلمة ( المسلمين) من مثل ( خلينا نخدم المسلمين , يأكل المسلمين , نفع المسلمين …الخ). واننى والله قد شهدت له مواقف كان يأتى ويقول أنه لم ينم ليلته تلك لانشغاله بكذا وكذا من هم العمل العام. فكم من مشروع تأخر أو تعطل عن قصد أو غيره أقلق هاجعه وشرد النوم من عينيه.. فى عمله كله لا يرجو من الناس جزاء ولا شكورا , همه فى ذلك تقبل الله الكريم لعمله وأن يكون قد أداه مخلصا يبتغى به وجه الله. كنا نلح عليه كثيرا فى بعض ما ينجزه من كبير أعمال لصالح المواطنين أن يبرزها للاعلام شأن كل السياسيين فى هذا الزمن الا أن أجابته تكون دائما (كفى أن يعلم الله بذلك ويشهد عليه) حتى أن بعض الزملاء كان يقول له دائما ( السياسة لا تعرف الله يعلم).
من صفات الرجل أنه عزيز النفس لدرجة بعيدة قل أن توجد فى يومنا هذا . لا يمد يده الى الدنية ولايتهافت الى مغنم  ولم أره يطلب معروفا من أحد لشخصه ولكنه ربما يفعل ذلك لكثيرين وقد لا يعرفهم , ترى فى الرجل غنى بالله سبحانه وتعالى ’ غير حاسد لأى شخص آخر ويعلم علما يقينيا أن الله سبحانه وتعالى هو القابض والباسط.. لا يسأل عن نثرية سفر ولا يحقق فى مقدارها .. لا يحمل هدية أهديت اليه خلال عمله العام الى بيته أو ينتفع بها شخصيا أو يسأل عنها, ولكم أن تسألوا جميع من عملوا معه عما يخلفه المتعافى من هدايا قيمة تبقى حبيسة أدراج مكتبه الى أن يترك منصبه. لا يسافر للخارج الا اذا تأكد أن فى سفره مصلحة عامة للبلاد ولكم الغى سفريات عدة بعد أن اكتملت كل اجراءتها لادراكه بأنه ليس من ذلك مصلحة للسودان. أذا قدر لك أن تسافر معه فاستعد للعمل فقط والغرض الذي سافرت من أجله. ولا تحلم أن تترفه أو أن تمد اقامتك أكثر مما يتطلبه موضوع مهمة السفر. مما أذكر فى هذا الجانب أننا سافرنا معه الى المغرب فى رحلة استغرقت قرابة نصف يوم كامل وعند وصولنا أنهى ما ذهب اليه من مهمة فى مساء نفس يوم الوصول وطلب منا الرجوع غداة ذلك اليوم وكم رجوناه أن نمكث يوما واحدا على الأقل للراحة من السفر الطويل هذا الا أنه رفض رفضا تاما ورجعنا للسودان بعد أن مكثنا يوما واحدا فقط فى المغرب. ومثل ذلك رحلات عمل أخرى للبرازيل وأوروبا.
أما والله لو سئلت عن أبرز ما يميز الرجل فى العمل العام فسأقولها وبلا تردد حرصه الشديد على المال العام وصرفه فى ما يرجى فائدته للبلاد والعباد. كانت فترته فى ولاية الخرطوم فترة زاهية حيث استطاع هو والمهندس الراحل عبدالوهاب محمد عثمان وزير التخطيط العمرانى والمرافق العام ابان ولايته, استطاعا توفير موارد جيدة للتنمية فى الولاية.. هذه الموارد لم تكن تتوفر لمسئول اخر فى ذلك الوقت ولذلك كان يلجأ الناس اليه .. لا تستطيع أن تضحك عليه أو (تستهبله) أو أن تخدعه اذا كنت ترجو منه عطاء.. يعلم جيدا ما يكتبه قلمه الى أين يذهب وفيما يصرف. وليس ذلك فحسب وأنما يتابع بنفسه ما يقوم بدفعه من مال لصالح مشروع أو جهة ما حتى يتأكد تماما أنه صرف فى وجهته المرجوة. ومن أصدق ما سمعت فى حرصه الشديد على المال العام قول أحد كبار المسئولين فى وزارة المالية فى ولاية الخرطوم عندئذ ابان ولاية المتعافى أنه قال ( من السهل أن تقول للمتعافى أن يعطيك أحد ابنائه من أن تقول له تصدق بشراء عربة للحكومة) . ولك أن تعلم أخى القارئ بأنى منذ أن عملت معه لم أره الا بسيارة حكومية واحدة ترجع للعام 2006 ظل يعمل بها حتى انتهاء فترة تكليفه وزيرا للزراعة والرى. ولو أراد تغيير سيارته كل عام لفعل ايام ولايته على الخرطوم , وحتى عندما انتقل وزيرا للزراعة والرى لم يستعمل غيرها مع أنه كان يستحق واحدة جديدة شأن الوزراء حال تكليفهم بوزارات جديدة.
لقد جر حرصه على المال العام وانفاقه فى أوجهه المشروعة , سخط الكثيرين ( من مختلف الجهات حتى من يعد أنهم من أنصاره واخوته) فانتشاته اقلام مأجورة وألسنة حداد فأشيعت عنه الشائعات ونسبت اليه زورا الكثير من الشركات . وأتهم بأنه يخلط الخاص بالعام فراجت الأسافير وضجت بالأكاذيب والحكايات المضللة . فتارة أنه مالك لمجموعة شركات مام , ومالك لشركات للطرق والنظافة والفندقة والفراخ تارة أخرى. وكل ذلك هو منه براء. ولاتجد دليلا عند أحد بهذه المزاعم. حتى ما أعرفه من أعمال خاصة للرجل لا يتجاوز مساهمته مع شركاء آخرين فى مزرعة أو مزرعتين لا دخل للحكومة بهما استأذن فيهما الرئيس وكانت نيته خالصة بأن يساهم فى وضع أنموذج لمزرعة حديثة تنتج الأعلاف وتصدرها حتى يفتح المجال لآخرين بتقليدها والتوسع فى ذلك. ولك أن تعلم أخى القارئ بأنه قامت على اثر ذلك عدة مزارع مقتفية اثر مزرعته الصغيرة بعد أن رأوها وزاروها. ولكم تحدى الرجل مفتري تلكم المزاعم بأن يثبتوا صحة ما ذهبوا اليه وأن يعرضوا دليلا واحدا حتي بعد أن أعفته الحكومة فى أنه خلط الخاص بالعام أو صحة ما نسب اليه من امتلاك شركات وأعمال تضج بها الأسافير.
كان بامكان الرجل أن يسكت عن عمله الخاص هذا وينفيه شأن الكثير من السياسيين فى هذا الوقت ممن يملكون المزارع والأعمال الأخرى فى خفاء , ولكنه صدق الرجل وشجاعته واطمئنانه لنية ما يقوم به وضعه ذلكم الموضع , فلم أجرب عليه كذبا والله فى أي تصريح يقوم به لأى جهة أو شخص ما ولا يتوانى فى اجابة أي سؤال بصدق حتي ولو كان فى ذلك ما يسيئ اليه .  كنت أرى فيه كتابا مفتوحا لا يخفى سرا , بريده الالكترونى وكلمة ( السر) الخاصة به متاحة لكثير من موظفى مكتبه يدخلون عليه متى ما شاءوا.. ولك أن تعلم أن بريده الالكترونى كان سبيل التواصل بينه وبين العالم كله . كذلك اتصالاته التى ترد على هاتفه الخاص تحول الى المكتب أو الى موظفيه ..لا يمنعك الرجل من حضور اى اجتماع معه فى الداخل أو الخارج وليست له أى أجندة خفية فى اجتماعته أو لقاءته المتعددة . والقصص تطول مع الكثير من المستثمرين والشركات التى تأتى اليه واضعة تلكم الصورة الشائهة عنه فتتفاجأ بأنها تتعامل مع شخص مختلف تماما عما أشيع عنه.
كل هذا غيض من فيض الرجل وسيرته السمحة التى عرفت أيام ولايته على الخرطوم . وسأفرد مقالين آخرين عن انجازات الرجل عندما كان واليا لولاية الخرطوم وآخر عندما صار وزيرا للزراعة والرى وتسليط الضوء على ما قام به من جلائل أعمال وما اتصف به من سمح صفات ابان تلكم الفترة .
أما وقد كتبت ما كتبت فأن الرجل ليس بمعصوم عن الخطأ وله أخطاؤه شأنه فى ذلك شأن أي بشر آخر ولكنها مغمورة فى بحر كبير من الحسنات والفضائل وكما قال الفقهاء قديما ( أن الماء اذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث) . وأذكِّر الجميع ونفسى بقوله تعالى {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا} والله الهادي إلى سواء السبيل.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً