لبنى أحمد حسين
ما إن تطالع الأخبار، أو تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، حتى يطالعك خبر جديد عن المخدرات: ضبط شحنة، أو القبض على مروجين، أو تبادل لإطلاق النار بين الشرطة وتجار المخدرات، كأن البلاد، وهي لا تزال تحترق بنيران الحرب، تخوض حربًا ثانية لا تقل فتكًا.
قال والي الجزيرة أمس الأول، إن المخدرات هي “الخطة ب” لقوات الدعم السريع لتدمير عقول الشباب. وقد يكون ذلك صحيحًا؛ فالحروب الحديثة لا تُخاض بالرصاص وحده، وإنما بتفكيك المجتمع بالجريمة واستهداف الشباب بالإدمان واليأس. غير أن “الخطة ب” لا تبدو حكرًا على طرف دون آخر… حين يعجز المواطن عن الحصول على مياه صالحة للشرب، وتعجز الدولة عن حماية الشباب من طوفان المخدرات، تكون النتيجة واحدة: وطن تستنزف موارده وإنسانه.
افتتاح مراكز لعلاج الإدمان قد يكون خطوة مهمة، لكن البداية تكون بالوقاية، بتجفيف منابع المخدرات، وملاحقة شبكات التهريب، والأهم من ذلك إيقاف الحرب التي وفرت البيئة المثالية لترويج المخدرات وازدهار اقتصادها.
فلا تتوقف آثار الحرب عند معاناة الإنسان، وانهيار البنية التحتية ومؤسسات الدولة، بل تمتد إلى خلق اقتصاد موازٍ يقوم على السلاح والتهريب والمخدرات. ففي منتصف يونيو الماضي، نشرت قناة “الجزيرة” خبرًا عن إحباط الخلية الأمنية بمحلية شندي محاولة تهريب (256,800) حبة مخدرة، كانت على متن سيارة قالت الشرطة إنها تتبع للقوات المشتركة بالقرب من ارتكاز العواتيب. وأضاف المكتب الصحفي للشرطة أن المتهمين الخمسة يتبعون للقوات المشتركة، وأقروا بأن الحبوب المضبوطة تخص أحد التجار بمدينة عطبرة… شهر مضى ولم نعرف هل تم تقديم المتورطين لمحاكمة أم تمت معاقبتهم بحفظ سورة المدثر أو المزمل.
وعلى الضفة الأخرى، حيث تسيطر قوات الدعم السريع، يسود الصمت؛ فلا صحافة مستقلة، ولا كاميرات توثق، ولا مواطنًا يجرؤ على الشكوى. لكن ما يتسرب من شهادات بشأن المخدرات يثير الفزع.
وليس هذا النمط جديدًا على الحروب. فقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان وتقارير دولية، في نزاعات مثل ليبيريا وسيراليون وجمهورية الكونغو الديمقراطية، استخدام المخدرات بين المقاتلين والمجندين قسرًا لتغييب الوعي، وتعزيز الطاعة العمياء، وإحكام سيطرة القادة عليهم. لذلك، فإن ما يتسرّب من السودان عن استخدام المخدرات كحوافز لإبقاء بعض المقاتلين في أتون حمل السلاح، إذا ثبتت صحته، فلن يكون سابقة، بل تكرارًا لواحدة من أبشع أدوات الحروب: تجريد الإنسان من وعيه.
فأخطر ما تفعله الحروب أنها لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تقتل وعيه أولًا، ثم تتركه حيًا ليواصل الحرب ضدَّ نفسه ووطنه. ولذلك، فإن إنهاء الحرب لم يعد مطلبًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب، بل ضرورة لإنقاذ ما تبقى من عقل ووعي الإنسان السوداني.
منشن:
لجنة مكافحة المخدرات
إدارة مكافحة المخدرات
lubbona@gmail.com
