المرأة الافريقية والحقوق الاقتصادية

 


 

 

تتميز التنمية المستدامة بأنها أشد وأكثر عالميةً وشمولاً، وبسعيها لمعالجة مجموعة واسعة من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي نشأت ونمت حولها العديد من أوجه عدم المساواة في مجالات عدة. ويرتبط ويرتكز تحقيق التنمية المستدامة، أو الحد من الفقر، أو تحقيق الأمن الغذائي على جميع الشركاء في العملية التنموية. لذا يُعدّ التركيز على تمكين المرأة، بإعتبارها شريكاً أساسياً في عملية التنمية، أمراً واجبا وملحاً داخل استراتيجيات الدولة التي تستهدف التنمية الشاملة.
وتسعى أهداف التنمية المستدامة (المعروفة بإسم "جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة") لضمان وضع حد للتمييز ضد النساء في كل مكان، عبر هدفها الخامس من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي وضعتها الأمم المتحدة، من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات من نَيْل حقوق متساوية في الموارد الاقتصادية مثل الحصول على حق الملكية والتصرف في الأراضي . ويختص الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة بـ "تعزيز النمو الاقتصادي المتواصل والشامل والمستدام، والعمالة الكاملة والمُنتجة، والعمل اللائق للجميع، بما يضمن حياةً أفضل للنساء والرجال والمجتمع ككل". وتعمل هيئة الأمم المتحدة للمرأة على دعم جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية لتحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة، عبر برامج تهدف إلى دعم النساء، بالتعاون مع شركائها، ليَحْصُلْنَ على دخل أعلى، ولتسهيل وصولهن إلى الموارد والتحكم فيها، وزيادة الأمن بالنسبة لهن، بما في ذلك الحماية من العنف بأنواعه المختلفة. وتتماشى تلك الجهود مع خطة التنمية المستدامة لعام 2030م وسائر أهداف التنمية المستدامة. ورغم ذلك نجد، وفقاً لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، فإن النساء يُمَارَسْنَ قرابة 66% من العمل في العالم، ويُنْتَجْنَ 50% من الغذاء، ومع ذلك لا يتعدى نصيبهن من الدخل الـ 10%، ولا تزيد حصتهن من الملكية عن 1%. وخير مثال على ذلك هو حال المرأة الإفريقية الريفية في قطاع الزراعة، الذي يعتبرهو القطاع الرئيسي في الاقتصاد الإفريقي، حيث تشكل النساء نسبة (50 ٪) من القوى العاملة فيه، وأخريات يَعْمَلْنَ في "القطاع غير الرسمي" في مهن أخرى، بمعنى أن مجهوداتهن، رغم كبرها، ما زالت غير مرئية، ولا يجنين منها سوى أجور زهيدة، إضافة بالطبع إلى مسئولياتهن عن كل ما يتعلق بالطعام والتغذية والرعاية لأسرهن.
إن القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء والفتيات لا يمثل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان فحسب، بل هو أيضاً عامل حاسم في التعجيل بتحقيق التنمية المستدامة. وتحتاج الدول لإنشاء مؤسسات وهيئات تُعنى بتحقيق التوازن بين الجنسين لتعزيز الدور الريادي للمرأة في التنمية، ولضمان تطبيق أفضل الممارسات مِنْ قِبَل المؤسسات لتحقيق أهداف المساواة بين الجنسين. كما يُعَدُّ إدخال القوانين والمبادرات لحماية حقوق المرأة، وتوفير فرص عمل متساوية، أحد أهم العوامل في سبيل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي للدول وتحقيق التنمية المستدامة فيها.
وبحسب تقرير "المرأة وانشطة الاعمال والقانون 2022م" الصادر عن البنك الدولي في الأول من مارس 2022م، فإن نحو 2.4 مليار امرأة في سن العمل لا تتاح لهن فرص اقتصادية متساوية، وتضع 178 دولة نوعا من الحواجز القانونية التي تحول دون مشاركتهن الاقتصادية الكاملة. وفي 86 دولة يوجد شكل من أشكال القيود على عمل المرأة، بالإضافة الى أن هناك 95 قطرا لا يكفل للنساء المساواة في الأجر للعمل المتساوي القيمة.
وعلى مستوى العالم بأسره، مازالت النساء لا يَتَمَتَّعْنَ إلا بنحو ثلاثة أرباع الحقوق القانونية الممنوحة للرجال، إذ يبلغ مجموع نقاط النساء 76.5 من 100 نقطة يمكن تسجيلها، وهو المستوى الذي يشير إلى المساواة القانونية الكاملة. وذكر التقرير بأنه، على الرغم من التأثير الكبير على حياة النساء وسبل كسب أرزاقهن نتيجة تفشي جائحة كورونا العالمية، قامت 23 دولة فقط بتعديل قوانينها في عام 2021م من أجل اتخاذ خطوات ضرورية نحو تعزيز المشاركة الاقتصادية للمرأة. وأورد تقرير "المرأة وأنشطة الاعمال والقانون 2022م" القوانين والأنظمة في 190 دولة في ثمانية مجالات تُؤثِّر على مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي هي التنقل، ومكان العمل، والأجور، والزواج، والوالدية، وريادة الأعمال، والأصول، والمعاش التقاعدي. وتقدم تلك البيانات معاييراً موضوعية وقياسية للتقدم الذي أحرزه العالم نحو تحقيق المساواة بين الجنسين. ووجد أن في 12 دولةً فقط - وكلها أعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية- تتمتع النساء بوضع قانوني مساوٍ لوضع الرجل. والجديد في تقرير هذا العام هو مسح تجريبي للقوانين التي تنظم رعاية الأطفال شمل 95 قطراً - وهو مجال مهم تحتاج فيه المرأة للمساندة حتى تنجح في العمل المأجور. كما يتضمن ذلك التقرير أيضا تحليلا تجريبيا لكيفية تنفيذ القوانين التي تُؤثِّر على التمكين الاقتصادي للمرأة، حيث يبرز الاختلاف بين القوانين المدونة والواقع الذي تعانيه المرأة.
ومن واقع التقرير (الذي قُسِمَتْ نتائجه البحثية بحسب كتل جغرافية مختلفة)، ولقياس الأقاليم الجغرافية القريبة من بلادنا السودان نجد مثلاً، أن منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب صحراء أفريقيا سجَّلت أكبر تحسينات على مؤشرات تقرير المرأة والعمل والقانون في 2021م، لكنهما ما زَالَتَا متأخرتين عن مناطق العالم الأخرى بشكل عام. وأعطى التقرير أمثلة لبعض الدول الافريقية التي حققت نتائجا كبيرة مثل دولة موريشيوس التي حصلت على 89.4 نقطة (من 100)، ودولة غابون التي احتلت مكانة بارزة، إذ شهدت إصلاحات شاملة لقانونها المدني، وسنت قانونا للقضاء على العنف ضد المرأة. وارتفع مجموع نقاط غابون من 57.5 في عام 2020 إلى 82.5 في عام 2021م، بينما حصلت دولة أثيوبيا على 71.9 نقطة. ومن أفضل الدول التي حققت تغييراً إيجابيا في منطقة شمال افريقيا هي مصر، رغم حصولها على 45.0 نقطة فقط، إذ أنها سنَّت تشريعا يحمي النساء من العنف الأسري ويقضي بتيسير الحصول على الائتمان للنساء، وحظر التمييز ضد المرأة في الخدمات المالية. وعلى سبيل المقارنة حصل السودان على معدل 29.4 نقطة في عام 2020، وكذلك في عام 2021م دون أدنى تغيير. ويتكون المعدل من متوسط المقاييس الثمانية ونتيجة دولة السودان كانت تتكون من: (صفر/إمكانية التنقل)، (صفر/ الدفع)، (صفر/مكان العمل)، (صفر/الزواج)، (20/الوالدية)، (70/ ريادة الأعمال)، (40/ الأصول)، و (100/التقاعد).
وعلى الرغم من أن السودان من الدول التي كفل دستورها وقوانينها المدنية منذ سنوات بعض المساواة بين الجنسين، ورغم أهمية القوانين لإدماج المرأة في الاقتصاد، إلا أن تحقيق المساواة بين الجنسين ليست مقصورة على مجرد سن القوانين، وهي ليست عملية قصيرة الأجل، بل هي عملية تتطلب إرادة سياسية قوية وجهودًا منسقة من جانب الحكومات والمجتمع المدني والمنظمات المحلية والدولية وغيرها، ويمكن أن تؤدي الإصلاحات القانونية والتنظيمية فيها دورا أساسياً. وعند المقارنة بكثير من الدول الأفريقية الأخرى فإن المؤشر الذي حصل عليه السودان يعتبر مؤشراً متدنياً بصورة نسبية ومطلقة. ولتحقيق بعض التحسن والحصول على أداء أفضل في مؤشر المرأة وأنشطة الأعمال والقانون بالبلاد، يجب التركيز على زيادة عدد العاملات في القطاعين الخاص والعام، ورفع مستوى دخلهن وتحسين نواتج التنمية، ومعالجة الأسباب الهيكلية لعدم المساواة التي تواجهها المرأة السودانية المرتبطة بالأطر التنظيمية بأكثر من ارتباطها بالقوانين التمييزية، والعمل على حل إشكال محدودية الوصول إلى التدريب الملائم. وبحسب ما جاء في "التمكين الاقتصادي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة" فإن السبب الرئيسي وراء انخفاض معدلات المشاركة النسائية في القوى العاملة في المنطقة يعود "إلى مجموعة كبيرة من العوامل المترابطة. ويشمل ذلك الأطر التنظيمية القانونية التمييزية، ومحدودية الوصول إلى التدريب الملائم، وأعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر وغير المعترف بها (ارتفاع تكلفة رعاية الأطفال، والأعمال المنزلية)، وسوء ظروف العمل بما في ذلك الأجور المنخفضة، وغالبًا ما يقترن ذلك بعدم وجود تغطية للضمان الاجتماعي، والقواعد التمييزية الاجتماعية والثقافية، ومحدودية الوصول إلى الموارد والتحكم فيها (الأرض، والملكية، والتمويل... إلخ)، وعدم قدرة أسواق العمل على توليد وظائف لائقة". وفي اعتقادي أن أكثر ما يعوق المرأة ويكرّس لعدم المساواة بين الجنسين في المجتمع هوتعدد القواعد التمييزية الاجتماعية والثقافية، بالإضافة للصورة النمطية للجنسين ونقص الوعي في التصدي للتمييز القائم على النوع الاجتماعي على مستوى الفرد والأسرة. لذلك يجب أن تتوافق رؤية الدولة مع المنظمات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني في هذا السياق للتركيز على الفئات المُهمّشة من النساء الريفيات، وعاملات المنازل، وبعض النساء من المهاجرات وذوات المهارات المُتدنيّة.
كذلك ينبغي الاهتمام بالبحوث التجريبية الناتجة من تقرير المرأة وأنشطة الاعمال والقانون 2022 م في مجالين هما البيئة القانونية لخدمات رعاية الطفل، وتنفيذ القوانين. ويجب الاعتراف بأعمال الرعاية غير المدفوعة للنساء اللواتي يؤدين في الغالب واجبات أكثر لتقديم الرعاية، وهي من النقاط التي تحصلت منها بعض الدول الافريقية على معدل ضعيف أو منعدم كما هو حال السودان. وبالنظر للوضع الاقتصادي للمرأة الافريقية بصورة عامة نجد أنه له واجهتين، واجهة توضح المشاركة الاقتصادية للمرأة، وأن معدلات الانتاج والتوظيف للنساء مرتفعة، وواجهة أخرى تظهر عدم تحقيق النساء لامكاناتهن الكاملة ومستويات الانتاجية المطلوبة نتيجة لبعض المعوقات الاقتصادية والتشريعية خاصة المتعلقة بالحصول على الأصول الإنتاجية، وكذلك بناء وتعزيز قدراتهن من خلال تعزيز حصولهن على التعليم والتدريب لرفع من قدراتهن. حيث تتشارك الكثير من الدول الافريقية في السمات الثقافية والإجتماعية والسياسية، كما تتشابه فيها تحديات سبل كسب العيش بالنسبة للنساء والرجال على حدٍ سواء.
ويعد بروتوكول الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن حقوق المرأة في أفريقيا (بروتوكول مابوتو*)، الذي اعتُمد في عام 2003م (عبر الاتحاد الإفريقي)، أحد أكثر الصكوك القانونية تقدماً، حيث أنه يمثل ميثاقا شاملاً لحقوق الإنسان للمرأة الأفريقية، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحتى الحقوق البيئية للمرأة. ويهدف ذلك الميثاق إلى إخراج دور المرأة في المجتمع من الصورة النمطية المعتادة، ويضع المرأة كشريك كامل وفعال على قدم المساواة مع الرجل في تنمية مجتمعاتها، لتحقيق وتعزيز تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في القيام بأدوار ذات مغزى في المجتمع، بإعلان عقد الإدماج المالي والاقتصادي للمرأة الإفريقية (2020-2030)، لتحسين وتعزيز الخدمات المالية وبناء القدرات للمرأة الافريقية خاصة بالنسبة للنساء اللائي يعشن في المناطق الريفية، للوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها لزيادة الإنتاجية في كافة القطاعات الصناعية وفي نواح كثيرة ،حيث دائما ما يقال إن (الفقر يرتدي في قارتنا وجه امرأة). ولا تزال النساء والفتيات يواجهن العديد من الحواجز الثقافية والدينية والمالية والاجتماعية وغيرها. لذلك لا تزال القارة الافريقية بحاجة إلى اتخاذ كافة الإجراءات لزيادة الجهود من أجل تمكين المرأة عبر الإسراع في تنفيذ السياسات والبرامج المراعية للاعتبارات الجنسانية على المستويات الوطنية والإقليمية والقارية، عبر جدول أعمال 2063 إلى تمكين أفريقيا في سياق إحداث تغيير سريع، لبناء قارة مزدهرة. فرؤية أفريقيا 2063 تعتمد بشكل أساسي على تحقيق التنمية الإفريقية على كافة المستويات، وفي مختلف المجالات خاصة التنمية البشرية وتمكين المرأة، وتولي النساء المناصب الرفيعة ومنحهن حقوقهن الكاملة في التعليم والعمل.
******* *********** ********
*بروتوكول حقوق المرأة في أفريقيا الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب- اعتمدته الجمعية العامة لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، وذلك أثناء انعقاد قمتها العادية الثانية في العاصمة الموزمبيقية، مابوتو في 11 يوليو 2003م)

nazikelhashmi@hotmail.com
//////////////////////////////

 

آراء