المرحلة تتطلب العقلانية الوطنية

 


 

 

 

ان المرحلة التى يمر بها الوطن لجد دقيقة وتحتاج لتقليب النظر فى الساحة من كل أوجهها وجوانبها ولا ينفع فيها الحماس والتشنج والروح الثورية الغاضبة وتملك روح الأستحواذ والأقصاء. وبرغم أعتراف المجلس العسكرى الأنتقالى بالدور المعلى لقوى الحرية والتغيير فى قيادة الحراك ولكن هذا لا يعطيهم الحق بالأدعاء أنهم يمثلون كل الشعب السودانى. فتجمع المهنيين لا يمثل كل المهنيين من نقابات واتحادات والتى هى أصلاً لم تكن موجودة طيلة أعوام حكم الأنقاذ. وكما قلنا أن النقابات التى صارعت فى عهد الأنقاذ واستطاعت أن تنتزع وجودها وتكونت لها أجهزة من قواعدها هى نقابة أساتذة جامعة الخرطوم ونقابة الأطباء المركزية ونقابة المحامين. وحتى أذا تكون تجمع المهنيين من هذه النقابات الثلاث فهو لا يمثل كل المهنيين. كما أن قوى الحرية والتغيير هى أيضاً لا تمثل كل الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدنى الأخرى وكل ممثلى الهامش. فبذا لا يحق لهم أن يجعلوا من أنفسهم هم الوحيدين الذين يحتكرون الثورة ويتحدثون بأسمها وهم القمينين على تنفيذ أهدافها وشعاراتها هو قول مردود. والأقصاء أعتماداً على المشاركة فى نظام الأنقاذ فهى أيضاً حجة مدحوضة لأن كل القوى السياسية قد شاركت نظام الأنقاذ فى مرحلة من المراحل فى الحكم سواءاً كان ذلك تنفيذياً أو برلمانياً وهى مشاركة قيادات دونما تفويض من قواعدها وكوادر قياداتها الوسيطة والشبابية ويبقى الفرز فيمن سبب أضراراً للشعب والوطن ومن أستغل السلطة للفساد والأفساد وليس عزلاً شاملاً يشمل الجميع من غير الموقعين على أعلان قوى الحرية والتغيير. وبمثلما أجتهدت من قبل قوى التجمع الوطنى الديمقراطى وشاركت الأنقاذ فى السلطة بعد أتفاقية نيفاشا 2005م فقوى ما سمى بالحوار الوطنى أيضاً شاركت من نفس المنطلقات وكلاهما لم يحققا للشعب السودانى طموحاته وتطلعاته بل أقعدوا به من أن يستنهض نفسه ويكتسح نظام الأنقاذ. وما أستمر نظام الأنقاذ طوال الثلاثين عاماً الا بمواقف ومسارات القوى السياسية التى قالت أنها تعارض نظام الأنقاذ وهى تعمل على كنسه أعتماداً على بندقيتها وبندقية جون قرنق من أريتريا وصار الشعب السودانى مربعاً يديه ى أنتظار كنس نظام الأنقاذ. وهذا ما أقعدبالشعب السودانى أمداً طويلاً من الأعتماد على قوته الجماهيرية ووسايله النضالية المعروف حتى نهاية فترة أتفاقية نيفاشا وأنفصال الجنوب ورجعت الجماهير وسايلها النضالية المعروفة والتى توجت بثورة ديسمبر الحالية. وما كنسته ألا هذه الثورة الجماهيرية العفوية عندما أكتملت عناصر الثورة من تردى كل مناحى الحياة فى الوطن وهى بدأت كثورة أنسيابية كما قال عنها المرحوم الشريف زين العابدين الهندى وعرف الثورة الأنسيابية بأنها ثورة الجياع التى لا تبقى ولا تذر. ومن بعد ذلك لحق بها تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير ونظمتها وبلورة لها أهدافها من مطالب أقتصادية الى مطالب أشمل فى الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام. وهى ثورة شاركت فيها كل فييات الشعب السودانى بما فيهم الذين كانوا مع نظام الأنقاذ من الأسلاميين والذين أبتعدوا عنها فى سنواتها الأخيرة وأحزاب الحوار الوطنى التى حاولت الأجتهاد بالأنتقال بنظام الأنقاذ من نظام شمولى الى نظام يجب أن ينفتح نحو الحرية والديمقراطية. ولذلك يجب أن يكون الحوار فى بلورة الفترة القادمة شاملاً والا الأقصاء سيرجعنا للمربع الأول وهو مربع الأنقلاب العسكرى. والأستغراب الأكبر أن قوى الحرية والتغيير وهى من قبل تناضل بأسم قوى الأجماع الوطنى لأسقاط النظام قبلت بحزب المؤتمر الشعبى كحزب معارض برغم أن قيادته هى التى تآمرت على الديمقراطية بأنقلابها فى 30 يونيو 1989م وزادت على ذلك أن يكون كمال عمر هو الناطق الرسمى باسم قوى الأجماع الوطنى ومعظم الأجتماعات تعقد بدار حزب المؤتمر الشعبى وتأتى الآن بعد أنتصار الثورة لعزه وهذا هو المكيل بمكيالين للقضية الواحدة، مع أن قيادات المؤتمر الشعبى تعرضت للأعتقال والتعذيب أكثر من قيادات الأحزاب الأخرى، فما لكم كيف تحكمون؟ حديثى هذا ليس دفاعأ عن المؤتمر الشعبى ولا عن غازى صلاح الدين ومن معه ولكن للثبات على المواقف والمبادي وليس المراوغات السياسية التى ما جنى منها شعبنا الا هذا الدرك السفل الذى نحن فيه. وأن لم تتعامل قوى الحرية والتغيير ومن فوقهم تجمع المهنيين والذى هو ليس له مقومات تحديد المسار السياسي وشكل الحكم لأنهم كمهنيين دورهم محصور فى مطالب عضويتهم المهنية وترقية المهنة للنهوض بالوطن والعمل السياسي والوطنى وأدارة الحكم ليس من تخصصهم كمجوعة أو منظمة نقابية مهنية وأن كان يمكن أن يكون أفراد قايمين بذاتهم لهم الدراية بالعمل الوطنى والسياسي ونظم الحكم وقد يكون منتمياً حزبياً سياسياًز وكما قلنا أن النظام الديمقراطى فى كل الدول الديمقراطية يعتمد على الأحزاب والتنافس فيما بينها ببرامجها ويتم أختيارهم بالأقتراع من الشعب. وقلنا أننا لو أفرقنا الحزب من المهنيين من عمال وموظفين ومزارعين ورعاة فماذا تبقى من عضوية داخل الحزب. بذا يكون الحزب قد أفرغ من مكوناته ولذلك يجب أن تكون مكوناته بداخله وليس هى قايمة بذاتها للتعاطى العمل السياسي. فالعمل السياسي أما أن يقاد بمنظمات المهنيين وبذلك تلغى الأحزاب وأما أن يكون بالأحزاب وكل هذه المكونات المهنية بداخله.

أتمنى أن تنجح وساطة لجنة الحكماء هذه لتقريب وجهات النظر ولكن يجب أن يضعوا فى الأذهان أن الجيش شريك أصيل فى هذه الثورة فهو ليس حامى لها أمنياً ولولاهم لما أنتصرت هذه الثورة وبأنحيازهم لها قد قاموا بعمل عظيم جنب البلاد ويلات وويلات ولذلك يجب أن يشكروا على ذلك. ويشكروا أنهم تقديراً للموقف الدقيق الذى تمر به البلاد قد قدموا تنازلات التنازل تلو التنازل أستجابة لهتافات الجماهير الثايرة وأبعدوا خمسة من زملايهم الذين تأكدوا من أنتمايهم الفكرى والتنظيمى بالأسلامويين. وأعتقد لو المجلس العسكرى قبل الوساطة أن يكون المجلس من عشرة أشخاص سبعة مدنيين وثلاثة عسكريين أرى أنه من الضرورى أن تقوم قوى الحرية والتغيير بترشيح اربعة من عسكريين آخرين. أثنين من العسكريين الوطنيين الذين شردهم النظام السابق لمواقفه الوطنية والعسكرية وأن يكونوا من الدفع التى هى أقدم من أعضاء المجلس العسكرى الأنتقالى. ويرشحوا أثنين من الرتب المتوسطة التى أنحازت للثورة ورفضوا التعليمات وفتحوا أبواب القيادة للثوار قبل أن تنحاز اللجنة الأمنية وهى المجلس العسكرى الأنتقالى الحالى للثورة وتقوم بأقصاء الرييس المخلوع. وهذا يعتبر رد الجزاء لهؤلاء الضباط الوطنيين وثانياً وجودهم يضمن تحقيق كل المتطلبات الأمنية المطلوبة ومحاكمة منفذى أنقلاب 30 يونيو من العسكريين والمدنيين الذين شاركوا بالسلاح مع العسكر ومحاكمة الفاسدين من ناهبى أموال الشعب السودانى.

ويجب على قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين المهيمن على قراراته ومساراته أن يستدركوا دقة المرحلة وتطلباتها وأن يبتعدوا عن الأقصاء لأى كيان سياسي أو تنظيم سياسي فى أن يكون شريكاً فى تحديد مستقبل الوطن ككل فهم جزء من الوطن. أن أى أقصاء لمنظومة سياسية غير المؤتمر الوطنى والأفراد الذين شاركوا كمدنيين حاملين للسلاح مع العسكرين الذين قادوا أنقلاب 30 يونيو وكذلك الذين اتضح فسادهم والذين شاركوا فى سفك دماء ابناء الوطن. من غير ذلك ستدخلون الوطن مرة ثانية فى الحلقة الجهنمية. نفس الأقصاء الذى تم للجبهة القومية الأسلامة أبان الديمقراطية الثالثة وتكاتف الحزبين الكبيرين مع قوى اليسار المختلفة جعلهم مع قلتهم أن يتآمروا على الديمقراطية ويقومون بؤادها فى 30 يونيو 1989م ووقتها ميثاق الدفاع عن الديمقراطية الذى وقعته كل القوى السياسية لم يكن الحامى للديمقراطية ولم تكن له المقدرة لأستردادها من براثن العسكر برغم أنهم عسكر حزب أو تنظيم صغير ولا يملك القوة الجماهيرية لقوى ميثاق الدفاع عن الديمقراطية الى تم توقيعه عام 1985م مالكم كيف تحكمون. وأستغرب أن احزاب قوى الحرية والتغيير كانت فى تواصل وأجتماعات وحوارات مع الأحزاب التى قرروا أقصايها حتى قبل قيام الثورة بأيام قبل التاسع عشر من ديسمبر. وهنالك حقيقة ليس هنالك مجالاً لأنكارها والعاملون فى العمل السياسي يعرفون بعضهم البعض تماماً على مستوى الساحة السياسية وبل يعرفون بعهم منذ أن كانوا يدرسون بالمدارس الثانوية والجامعات ولا يمكن الأخفاء والتدثر. ولم تكن نبرة أن تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير يهمن عليها اليساريون بمختلف مسمياتهم والبعثيون والعروبيون بمختلف مسمياتهم، فالأفضل لهم أن يستوعبوا أحجامهم بصورة منطقية فؤلاء مجموع عضوية أحزابهم مجتمعة لا تساوى جماهير حزب الأمة بنيالا أو المجلد أوجماهير الأتحاديين فى الكاملين أو أبى عشر. وكان يجب أن يتعظوا من تجربتهم فى جبهة الهييات بعد ثورة أكتوبر برياسة سرالختم الخليفة التى ثارت عليها الجماهير وأحزابها الكبيرة وكان سقوطها قبل أن تكمل اربعة أشهر وكانت بعدها حكومة سرالختم الخليفة الثانية التى تم فيها أبعاد كل اليساريين الذين أختطفوا النقابات والأتحادات وقالوا أنهم يمثلوها بمثل ما هو حادث الأن معظم نقابات المهنيين من موظفين وعمال كانت نايمة نومة أهل الكهف طوال سنوات حكم الأنقاذ. لأستدراك أحسن وأفضل وأستدراك أن المطلوب أعظم واصعب من أزالة آثار حكم الدولة العسكرية الشمولية الأيدولوجية العميقة مقاً تغلغل فى مفاصل كثيرة فى الدولة وبين مكونات الشعب السودانى بغسيل الأمخاخ وأستغلال العاطفة الدينية.

ونقول أن الأتحاديون الذين تجمعوا ى الأتحادى المعارض كان لهم الدور المعلى فى ثورة ديسمبر مع الآخرين للوصول بها لتحقيق أهدافها أسقاط نظام الأنقاذ ومعظم السجناء منذ بداية الثورة ومعظم الشهداء كانوا من شباب الأتحاديين. وبرغم أنهم يمثلون الضلع ارابع من أضلع أعلان قوى لبحرية والتغيير ولكن مهمشين ومقصصين داخل قوى الحرية والتغيير وما لك الا لكثرة اللافتات للحزب الواحد داخل قوى الحرية والتغيير أربعة احزاب بعثية وأربعة قوميين عرب وأثنين ناصريين وهلم جراء رغم أن جماهير فصيل واحد أو حزب واحد من أحزاب الأتحاديين المنضوين تحت التجمع الأتحادى المعارض جماهيرياً اكثر من جماهير كل الأحزاب التى ذكرتها فى قوى الحرية والتغيير. وينطبق ذلك على تجمع المهنيين قيادته والمتحدثين باسمه كناطقين رسميين لتجمع المهنيين ينتمون لقوى اليساريين والعروبيين. وأذا الآخرين تغاوا عن ذلك لدقة مرحلة الثورة والعمل على تركيز أركانها وصمتوا عن كل ذلك فهذا لا يعنى أنه سيستمر وتترك لهم الساحة لتحديد ملامح الفترة الأنتقالية والتى هى الأساس فى تحديد وبلورة الفترة الديمقراطية الأنتخابية. ولن نترك الأمر كما تم بعد أنتفاضة أبريل ليشكل الفترة الأنتقالية الأسلاميون ويحددوا ملامح المرحلة الديمقراطية الأنتخابية مسبقاً ووضع قانون الأنتخابات ليكون كله لصالح الجبهة القومية الأسلامية التى كانت شريكة فى نظام نميرى لآخر شهر فيه. وتخوض الجبهة القومية الأسلامية الأنتخابات على أساس قانون الأنتخابات الذى فصل لها على مقاسها وكانت النتيجة أن أحرزت 53 نايباً لتصبح القوى الثالثة داخل البرلمان وبهذه القوة قامت بتشويه كل الفترة الديمقراطية لتنقض عليها بأنقلابها فى 30 يونيو 1989م. ويجب على أحزاب الوسط ألا تستمر فى قفلتها وتترك الساحة لأقصى اليسار وأقصى اليمين ليحطم ويفشل كل اهداف هذه الثورة الفتية الرايدة التى بهرت كل المجتمع العالمى الذى يعشق الحرية والديمقراطية وكانت قمة تاجها سلميتها ودور المراة الرايد الذى لم تسبقها من قل كل نساء العالم الآخر أوله وآخره.

mohamed.z.osman1950@gmail.com
/////////////////

 

آراء