المسدار و”الحقيبة”: لا تريع القطيع..!

 


 

 

يقول صاحب عادل بابكر كتاب (الحردلو: صائد الجمال) أن هناك موضوعاً أخر من موضوعات شعر الحقيبة يبدو انه مُستعار من شعر البادية؛ وهو النزوع للترحال كما يتمثّل في المسدار؛ فإبراهيم العبادي رائد أغنية الحقيبة يصف رحلة مع أصدقائه إلى مدينة سنجه في جنوب وسط السودان؛ وبدلاً من الجمل فإن وسيلة المواصلات هي (سيارة فيات)..!
ولكن بعيداً عن هذا المفارقة فإن قصيدة العبادي تعكس ذات أجواء الإثارة والتوقّعات التي يحتشد بها المسدار البدوي..!
هنا يتم تعريفنا بسائق سيارة الفيات المزهو بسيارته ورحلته وأصدقائه..والسيارة تطير بسرعة بالغة تجعل الأشجار الضخمة تبدو في صورة سرابية غائمة..!!
وهذا يعيد للذاكرة مشهداً مشابهاً قام بتصويره "أحمد عوض الكريم أبو سن" وهو يصف معالم الطريق ويشير إلى مرح جمله وانفعاله ونشاطه وهو يتقافز ويعدو في الفلاة ويطوي الأرض نحو ديار المحبوبة:
ضهير قلعة مبارك جيتو تلعب شَد
منعت اللسّه والكرباج وقولة هَد
علي التالاكا إحسان رزقو ما بِنعد
يومك كلو تمصع ما انلحق لك حَد
**
وبينما يكشف "أبو سن" السر وراء حماسة ونشاط جمله، فإن العبادي يترك ذلك لخيالنا..! واللمحة الوحيدة التي يُظهرها هي رجاؤه للسائق خفض السرعة عند (ربوع هُنده):
يا سايق الفيات..قوم بي واخُد سنده
بالدرب التحت.. تجاه ربوع هُنده
Slide along the river route,
O Fiat driver
But remember to slow down
by Hunda,s quarters
**
في هذه القصيدة نلتقي بذات الوصف المُسهب لمسار الرحلة والطريق..والسرد الحي للأحداث خلال الرحلة بما في ذلك الكلاب التي تتناهش السيارة وتركض خلفها وبإزائها..واللقاء بسرب الفتيات اللواتي كن في حالة من الانفتاح و(الليبرالية) والترحيب الحميم حيث إنهن منحن أكفهن ليشرب منها الشاعر ويطفئ عطشه:
ما نفرَن تقول سابق الكلام إلفه
عطشان قتليهن..وصحّت البلفه
مافيش كاس قريب قالن بدون كُلفه
تشرب بي كفوفنا لمّا تتكفى..!
**
وكان استهلال القصيدة هكذا:
أطوي الأرض وأضرع ..
من أفكارنا سيرك يا الفيات أسرع
ميل علي المُشرَع..
لا تريع القطيع..بتجفّل الادرع..!
Shooting through the land,
you’ve outraced our fleeting thoughts
Lean towards the river, O Fiat
But make sure not to scare the herds,
or shock the yellow-streaked oryx
**
السير والسرعة والحالة النفسية والحوار..وذكر معالم الطريق:
شوف سايق الفيات الليله كيفن هاش
والشِدَر الكبار بِقا شوفنا ليهو طشاش
قول لي دحين وين ماش؟
فارقت الطريق..اتيامن الرماش
**
شَقّ حشا الطريق واتيامن الحلّال
زفّنو الكلاب ما نالن إلا علال
باقيات ثواني قُلال
بينك والغروب..داك مُشرع الشلال
**
أنزل يا "سرور" وشوف يد القُدره
شوف حُسن البداوه الما لِمس بودره
ورّاد النهّر أردوني ما بدرى..
هل كاتل الصفار أم نضرة الخُضره..؟!
**
..وهكذا تمضي القصيدة بموازاة أجواء المسدار..وقد كان ختام قصيدة العبادي المقطع الذي يصف بهجته عندما أدّعى العطش وقد ملأت فتيات البئر أكفهن من الماء ليشرب منها مباشرة..انه ذات الصدى في ختام المسدار عندما يهيمن مزاج المرح والسعادة عند وصول الشاعر إلى نهاية الرحلة ويجمع شمله بمحبوبته..!
أخدنا الليل تفنن بي طرب غير عِلّه
تمّم كيفي تيس قنّه اب حديداً شلّه
انا..والديسو لي عند المتاني إدلى
نومنا بِقالنا من بعد الإمام ما صلى..!!
I felt indebted to my stud-adorned sturdy beast
All night long, we lost ourselves in pure rapture
Her hair was dangling down to her waist
Only well after the imam had finished his dawn prayers
did we surrender to slumber
أو كما قال..!!

مرتضى الغالي

murtadamore@yahoo.com

 

آراء