باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 16 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي عرض كل المقالات

المسكين – والمساكين كثر- قصة واقعية (الجزء الأول)

اخر تحديث: 16 أغسطس, 2026 1:11 مساءً
شارك

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
بعد غياب طويل عن الوطن والصحاب سنين عديدة عدت إليه. تجولت شرقا وغربا تهيج بي الذكريات و نوستالجيا لأيام ما أحلى تاريخها المعتق بعطور زهور الحناء وأنفاس النخيل والسنط ولون التراب ووجوه كانت بالشوق والحب الأصلي الخالص من غير رتوش تبتسم. ليس لي فقط بل لكل عائد من غربته البعيدة . كل تلك الصور الجميلة تتبعني كظلي أينما أكون. فالشقة أبعدتني عن مدينتي الوادعة على الضفة الشرقية لنهر النيل . هذا البعد لم يكن أبداً حلماً قد رسمت خطوط ملامحه منذ الطفولة. ربما هو جاء نتيجة قبول دعاء صادق من جدتي التي كانت تخصني به كلما اعتدلت للصلاة. كانت، رحمها الله، إمرأة صالحة، دعواتها مستجابة. كانت زيارتي تلك لابد منها، والشوق يحملني إلى رؤية أقارب وأصحاب ولتلك الساحات التي كان فيها مرتع طفولتي ولعبي وصحبتي فكلها بما حوت كانت نعماً عظيمة من عند الله قد حظيت بها. كانت المدينة أيام شبابي وفصول مراهقتي حديقة ربيع الحياة. من على البعد صارت جنة أشواقي وحبي والذكريات التي تتجدد كل صبح ومساء لا تنام، والنيل من واديه البعيد لا ينساها يحفها بعطفه وحنانه وريه السلسبيل. النيل، فهو “شريان الحياة” بدونه هي لا تستقيم . وعلى شواطئه الأشجار تعرفني وأعرفها من سنط وطلح وحراز ونخيل وسدر منضود.

كانت تستهويني زيارة حرازة الوالد التي تجاور شاطئ النيل.الحديث عنها وعن سحرها وتاريخها يطول. كانت معمرة ورثها أبي عن والده وجد الوالد. ليس لها شهادة. تاريخ ميلاد. ظلت عبر الزمن الطويل شاهدة وخازنة تاريخ المدينة ومسيرات الأعراس التي كانت تحفها دعوات العَمَّات والخالات والجدات ومن خلفهن نسوة الحي، وهن يغنين قصائد “السيمار” بالعديل والزين .تلهب حماس محيط “دارتها” عرضات الفرسان الذين بسيوفهم و”درقاتهم” يكفون العين أثناء إيقاع “الدللاليك” التي “تهبك”، تعالجها أيدي خصها الله بالتفنن في معالجة إيقاعها الذي يثير هرمون أدرينالين الشباب، و يؤجج نار حماسهم وزهوهم والفنان عبدالصادق أونسة يغني لهم ” الليلة هوى يا بهانا ….البلد بعيد والعجاج ملانا” والبطان الذي كان يدور بسياط العنج كان هو غذاء الروح لدى أؤلئك الفرسان وهم يتبارون في عرض رجولتهم وقوة تحملهم الألم أمام الشيب والشباب من جمهور النساء والرجال.

وأنا واقفاً هناك عند تلك العتبات وجدت الأرض الزراعية قد تحولت إلى صحراء قاحلة، و مكان الحرازة الذي لا أنساه إختفى و صار فقط ذكرى في الخيال . كم كانت بهجة النظر ، عظيمة ، تتصدر بقية الأشجار شامخة صاعدة بزهوها في أعلى السماء تحمل إسم والدي على شهادة ميلاد لها مكتوبة “معنوياً” على ساقها وهكذا أقرها جميع الناس . قالوا لي حرقها مجهول من شياطين الإنس، ليلاً جاء والناس نيام ، فماتت. لا يوجد وقتذاك رقيب ولا كاميرات تصوير . لا حول ولا قوة إلا بالله. ذرفت دمعات الفراق كدموع الطفل عندما يبكي على فراق أمه. حزينا، لم أنسى معاتبة شبحاً شيطانياً وقاتلاً مجهولاً فقلت له: ” حرازتنا حليلا وين مكانا…… تشهد التراب أن الزمان قلَّانا……حرقتها قتلت روحاً بريئة، إنها خسارة و إهانة…. و الله يا ريت لو كنا حاضرين لحرسناها برانا…..من صغرنا كنا حالفين نموت عشانا”… ذلك المجرم لم ينزل من عالم في السماء. إنه بشر أسميته “سفاح الأشجار” ، ظل يحمل خيبته التي يدسها حتى من رب العالمين يعيش ويمشي بين الناس. مجهولاً يدخل الأسواق يبيع ويشتري و يرفع صوته المبحوح يحلف بالطلاق!. وإن لم يعرفه الناس فروح الحرازة التي لا تموت تعرفه وتتابعه أينما كان، في حله وترحاله، من وسط تخوم سمائها العلوي …. تنتظر صعود روحة لكي تتقدم إلى ربها بشهادتها وتظلمها على فعلته النكراء . جزاؤه نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

حرازة الوالد كانت ضخمة كأنها من عائلة التبلديات الكبريات، وكانت بيتاً وملاذاً آمناً فسيحاً صيفياً للعرب البدو الرحل الذين يقضون فترة الجفاف والصيف الحار في البلاد التي تقع على ضفاف النيل. كل سنة يزورونها إلي حين ظهور تباشير موسم الخريف عندما يشيل “العَبَّادِي” ويبرق برقه من جهة الشمال الشرقي. كانت حرازة الوالد ترحب بمقدمهم و بجمالهم البشارية و “مراح” شياههم. في كل ليلة تكون ساحتها مسرحاً لرقصاتهم على أنغام الطنبور و غناء بدون شك هو طروب ولهم فيه معاني وذكريات. كل أهل الحي والرحل من عرب البادية قد حزنوا على فقد الحرازة التي كانت لهم كالأم الحنون وهي تحتضن جمعهم برفق وشفقة. كانوا يعتقدون أنها شجرة مباركة، قطعها حرام، فكيف تزهق روحها بتلك الصورة البشعة.؟. كلما يذكرونها يتساءلون مستنكرين “بأي ذنب قتلت”؟. فلا يجدون جوابا

مصير حرازة الوالد المؤسف و الفراغ الذي تركته ما هو إلا صورة حية للتدهور الاقتصادي والأخلاقي الذي يعيشه مجتمع المنطقة بل وطن بأكمله . فمع طول الغياب وجدتُ بعد تلك العودة أن معظم الأقارب والصحاب قد رحلوا إلي العواصم أو صار بعضهم من أهل القبور . أما الباقين أنهكتهم مرارات الحياة وغيرت ملامحهم تضاريس الزمن ورياح النسيان الحارقة من قبل دواوين العواصم الحكومية و مسؤوليها و أصحاب أيد قابضة لا تنفق مؤسساتهم على الخدمات كما يجب أو تتصدق على الفقراء . سعدت أنني على الأقل قد قابلت من بين الأحياء الشخص الوحيد الذي يذكرني بماضي الحياة . رفيق الصبى الذي كان يكبرني بعدد السنين ويفوقني ببسطة في الجسم. إنه الوجيه عندما كان في شبابه المزهر “محمد الخير “. للأسف وجدته أسوأ حالاً من ما كنت أتوقع . تبدلت طلعته الجميلة التي كانت تنضح “شباباً” نضراً وبهاءا. كان معشوق البنات ووشوشة عبير أجواء ونساتهن خلال الأمسيات المقمرة. وكن مع هبات نسيم الصبا العذري يسافرن مع موجاته عبر تخوم السماء فيتجاوزن والنشوة تغمرهن موقع الثريا العالية. وجدته قد ضعف بصره ونحل جسمه فتحول ذاك النضار الشبابي اليانع إلي شخص غلبت على وجهه آثار تضاريس الشيخوخة المبكرة . معظم أسنانه التي كان يتباهى بها في ريعان شبابه قد سقطت. كم كان بخبث يغازل ببريق بياضها المعجبات من شابات القرية في مواسم أفراح الشباب و تجمعات الأسر السعيدة في أيام الأعياد.

بعد السلام الحار والمجاملات المعتادة و الترحم على الأموات، جلسنا على “العنقريب” الذي تعرض نسيج حباله لتعريات السنين. “أبو الخير” رجل ظريف و ونّاس. مجالسته لا تمل. قدم لي كوزا من ماء زئر عتيق رسم على جدرانه التكلس و الطحلب الأخضر لوحة تجريدية ذكرتني كيف في طفولتي كنت وصغار الحي نرش الماء و نبلل الخيش الذي كانت جدتي تلفه حول قلتها “جرة الماء” لتساعد تلك العملية في تبريد الماء. سبحان الخالق، كيف تعلمت ذلك جدتي بالفطرة ، “علم من لا يعلم؟ منّ الفيزياء”. رحمة الله عليها . جلس صديقي “أبو الخير” قبالي وفرحا بقدومي صار كعادته يثرثر. فهو يحب الحكي وفتح ملفات أخبار أهل المدينة السرية كلها التي لا تفرط في حفظها مكتبته الخاصة. قال لي هل تعلم أن عبدالغفار “الكحيان” ود “عشوش” قد ترك القرية منذ سنين؟. من زمن “شال الصعيد”، وصار هناك من رموز المجتمع العاصمي؟. قلت والله لم أسمع بحكم غيابنا الطويل عن السودان ، وحتى إن سمعت سوف لن أصدق. لأنه لا يخطر ببالي يوما أو حتى في هذيان حمى الليالي المظلمة أنه سيترقى هكذا وبسرعة القفز على العمود إلي درجات ذوي المهن الهامة والصفوة العاصمية. لكن يا أخي الفاضل لا غرابة فالعواصم كل واحدة منها زي الوادي الكبير المليان بالشجر فيه الزين والشين. العاقل يختار ضل الشجر الزين عشان يرتاح تحته وثيابه تظل نظيفة من درن تأباه الناس . لكن سبحان الله مغير الأحوال. ربنا إن أراد شيئا أن يكون يقول له كن، سيكون . واصلت حديثي فقلت له “يا عزيزي أبو الخير، خلينا من سيرة ود عشوش والآخرين، إن شاء الله ربنا يهدينا ويهديه. شوف بالله كيف خليتنا الحين تجاوزنا الحد وقطعنا فيه” .

ففكرت بسرعة في تحويل الموجة من الحديث الذي لا يفيد إلي ” الإيف إيم “FM فسألته ، “طمني أخبارك انت كيف؟إن شاء الله تكون صحتك بخير وما عندك شكية ؟. أنا جيت مشتاق ليكم وإلي إخباركم تقعد تضيع لي الوقت في فلان سوى وعلان ما سوى؟ الله يهديك. كنت مشتاق تكلمني عن أيام الزمن الجميل وانت ما شاء الله أيام كنت شاباً وسيماً لابساً الجلابية “السكروتة” وطاقية “المنسج” الحمراء “شغل سكينة المشهورة” و كيف كنت تمتلك “الدارة” أيام أعراس العمر والزمن الجميل . والله كأنني الآن أشاهد قدامي الفنان بابكر ود السافل بصوته الرائع يجلجل بدون مايكرويف، وأشوفك كيف كنت تتفنن فى أداء عرضة الفرسان خاصة مع أغنية “آمنة الفي الضمير مالكاني ما شفتوها…… قالوا شفنا الشافا …..قلت ماشفتوها “.ضحك أبو الخير حتى أدمعت عيناه. قال لي؛ والله انت زول حَفَّار آبار! حليل ود السافل وحليل ود العطية وحليل آمنة السمحة، أخي دعني من نبش مقبرة هذه الذكريات ومثلها لأنها والله تثير حزني، فالأسى يبعث الأسى من مرقده. قلت له بالعكس الإنسان في سن الكبر يكون أكثر عرضة للإكتئاب و من ضمن أسبابه فقد الصحبة أو الوطن أو الممتلكات واستعادة الذكريات الجميلة علاج طبيعي وبدون كلفة مادية ، فلا حاجة تدعونا إلى أخذ أقراص طبية. يا أخي كن جميلاً في داخلك ترى الوجود جميلا. إن شاء الله عندما أرجع إلى العاصمة سأتصل ببرنامج “ما يطلبه المستمعون” وأهديك أغنية خاصة من أغنيات الفنان المخضرم المرحوم أحمد الجابري “الزهور بسمت لينا”. يقول فيها “والغصون مالت فرحى تنثر الورد علينا”. تخيل نفسك يا أخي تدخل جنينة خضراء ذات بهجة وغصون أشجارها من شدة فرحتها بقدومك تستقبلك بنثر ورودها العطرة عليك؟ هل في الدنيا أجمل من مثل هذا الترحاب؟. ليت كل ناس الدنيا يكونون كذلك بهذه الأريحية، لكن هيهات.أرجوك تنتظرها ويا رب تبتسم لك الدنيا كلها عندما تستمع لها فتبتسم معها لك كل مشاعرك من أعماق قلبك.

صمتنا برهة، يبدو أن ذكر ماضي الشباب كان وقعه سالباً و مؤثراً على نفس أبو الخير الرقيق طيب القلب. شعرت بذلك عندما عدَّل جلسته خالفا رجله اليمنى على اليسرى وأخرج من جيبه كيساً صغيراً من البلاستيك يحتوي على مادة تميل إلى اللون الأسود ففتحها وأخذ منها قبضة بإصبعيه السبابة والإبهام، كورها ثم حشرها داخل فمه. فاحت منها رائحة قوية جعلتنا سوياً نعطس لكن ربنا لطف بنا، فهواء الليل الشتوي هب نشطا في إتجاه مغاير فحمدت الله. قلت له “ما هذا الذي تعاطيته يا شيخ؟ هل صرت من مدمني المخدرات ؟” نظر إليَّ و الدهشة في عينيه كانت تعني تعجباً و استنكارا. فقال ، كنت أسمع الناس يتحدثون عن الأفيون في بلاد الأفغان البعيدة وعن تأثيره المخدر. يمكن إنت تكون عندك معلومات عنه أكثر مني. ليتني أحصل عليه وأستطيع إن أمكن شراءه لكي يريحني من هموم هذه الدنيا التي نكرتنا وتنكرت حتى على الصغار . “بجملة اعتراضية قال” سمعنا كلاماً أنه توجد مخلوقات كونية غريبة تنزل من السماء تزور الأرض وقالوا في ناس شافوها في بلادكم هناك في أروبا و سمعت أنهم كمان قاموا بعلاج بعض الناس حتى أن عملياتهم الجراحية قالوا لا تترك أثرا. كلام زي الحلم. يا ريت لو أصادفهم يوما ما، يمكن يزرعوا لي أسنان جديدة لنج. ضحك ضحكة مجلجلة رغم ضيق نفسه جراء التدخين المزمن الذي أتلف جهازه التنفسي، ثم استطرد قائلا يبدو أنك لا تعلم أنني كنت مبتلى بالتدخين منذ عقود، لكن بعد أن ذبحنا التضخم وصارت السيجارة “البرنجية” تعادل سعر كيلو اللحم تركت التدخين وصرت عبداً لهذه العادة السيئة التي يصعب الخلاص منها إذا وقع المرء في شباكها. التنباك دا يهدئ الأعصاب المتعبة ففي وطننا تسع أعشار السكان كادت أعصابهم أن تتلف كلية نتيجة الفقر وصروف الزمان من عطالة وضرائب وجبايات، وفساد كلها أدت إلى غلاء المعايش حتى أننا صرنا نتمنى الموت
.
تابع أبو الخير: حليل أيام كنا نحب أكل اللحم. هل تتذكر كيف ونحن راجعين إلى بيوتنا نهاية اليوم المدرسي كانت تعجبنا نكهة الشواء وطبيخ البامية ودمعة الشوق “كبي”، الكلام دا كان في حي الأفندية والجماعة الربنا راضي عنهم. لكن نقول الحمد والشكر لله إن الحالة يا أخي كانت مستورة . بارك الله في وردي رحمه الله في عليائه، غنى للوطن ولكل الشعوب ، وصف الوطن بأنه حبوباً وكبيراً لابساً التوب، و السروال، و العراقي و المركوب. الوصف دا فيه توثيق و تمجيد لينا نحن الغلابة. شوف مركوبي الغلبان دا ، رغم أنه صار مرقعا فهو رفيقي وصديقي، حكمة والله تحير “صاحي والا نايم والا نعسان” قط لا يفارقني. وفي كل مناسبات الأتراح والأفراح ما قَصَّر معايا، شادي حيله فهو والله حقيقة صديق العمر الذي فضل. “ود أمونة” الصرماتي لو تتذكره رحمه الله، قام بالترقيعات دي كلها. لولاه وخياطة إيده السمحة، كان العوض على الله. ود أمونة كان يتبارك بصديق العمر عندما أجيه محتاجا للمساعدة . كان يحلف ما يكلفني مليما واحداً ، بالعكس مرة بشرني وقالي البخت والبركات تتنزل عليه يوم أجيه ويصلح مركوبي “المعجزة”. حليلهم ناس ود أمونة .الله يرحمهم كلهم. كانوا ناس جنة، سمحين وطيبين زي الملايكة. و الله صاحبي “مركوبي دا” شكله كأنه فصلوه من كورة أولاد البندر “المطاميس” مدمنين اللعبة بدون قروش تعود عليهم. في تلك اللحظة ألقيت نظرة خاطفة أتفحص ترقيعات المركوب. فتأثرت وحزنت أن أرى مركوبه هكذا قد صار من كثرة الترقيع يشبة تقاسيم صورة خارطة حقول أروبا التي نشاهدها من الجو أثناء سفرنا على ظهر الطائرات. حزنت من أعماقي وشعرت بالذنب فأنبت نفسي و تساءلت كيف أزوره وأنا لابساً هكذا أفخر ماركات الأحذية الجلدية الإيطالية. قلت يا ربي هل من فرط الحياء وعزة النفس قصد أبوالخير بدبلوماسيته المعتادة أن يلفت نظري إلى معاناته بإشارته لهذا المركوب؟. الحال كان واضحا ويقولون في المثل “الجواب يعرف من عنونه”. وانا أحدق النظر في وجه الصديق ورفيق العمر أبوالخير، كنت كأنني أسمع من خلف الجدران العتيقة هاتفا يحدثني وهو يقرأ عليَّ كتاب وتاريخ رحلة سنين طويلة مجبورة على ذلك المركوب ليعبر صحاري وجبال ووهاد كلها كانت معناة فظلت هكذا حروفها منقوشة على هيكله ذاكرة تاريخه ؟. يبدو أن كل رقعة جلدية كانت تحكي عن قصة منفردة . وكل قصة تحتاج إلى مترجم. على كل حال أصابني الحزن العميق و”مَسِخَتْ” عليَّ كل الدنيا ففقدت في تلك اللحظة لذة طعم الحياة . تفهمت الوضع الإنساني المأساوي الذي يعيشه أبوالخير وآخرون ، فهو وغيره الكثيرين يحتاجون إلى كل العون “الصحي والمادي والمعنوي”. لكن في المثل يقولون العين بصيرة واليد قصيرة. ليتني كنت مثل “شيخ زايد الخير”، كنت حليت مشاكل أبو الخير وصحبه بل كل الوطن. آه، الله كريم. تحسست خلسة جيبي إن كان فيه ما يكفي من الأوراق المالية التي نفسها لا فايدة من كثرتها (أصابها التضخم) فهي مثل أوراق الشجر التي تجف و تتحات موسم كل خريف في بلادنا الأوروبية المظلمة نهاراتها ولياليها.

صاح أبو الخير ونادى ” يا بنية، تعالي نكرم عمك دا قومي سوي لينا العشا. سوي السخينة وكتري الزيت والبصل، وبعدين ما تنسي بعدها تتقلي الشاي الأحمر. إعتدل في جلسته ثم قال لي: هل تتذكر يا حامد أفندي أيامنا الحلوة ديك عندما كنا صغارا و يرسلوننا نشتري الشاي والسكر والشعيرية والبسكويت من دكان وديوسف؟. كنا قبل ما ندخل الدكان نشم رائحة الزيت، “زيت السمسم” والسمن و نكهة حلوى الطحينية والشاي؟، والله كانت لطيفة وهي تنبعث من الباب. الشاي كان يجيبونه من الهند “فلت” في صناديق خشبية كبيرة مغلفة من الداخل بقسطير الألومنيوم. كل شيء كان رخيصاً والناس في نعمة وصحة وعافية ، والنعم قالوا لا يمكن تدوم. صدقوا والله، عشنا وشفنا. الحين الشاي صار لا طعم ولا رائحة له، صار شاي أكياس من ورق. يا حليل زمن الكيف. أهو كيفنا صار في إستعمال التمباك العفن دا. إنت شفته وشميت رائحته الكريهة . بس كيف نسيته؟ بسبب طول المدة والا إتغابيت؟. والله خفت عليك من شدة العطس. لكن للأسف يا حامد أفندي الشيء دا صار هو خيار كيفنا الوحيد. قلت له لكن التمباك غير مشكلة إدمانه فأطباء الفم والأسنان يحذرون من تعاطيه هو والقات عند اليمانية ، يقولون طول تعاطي هذه المواد تتلف اللثة والأسنان وفي بعض الحالات قد تسبب السرطان. ليتك تحاول تتخلص من هذه العادة الضارة . يا أخي أشغل نفسك بذكر الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسترتاح أعصابك. شوف لك شيخ يهديك لكن يكون من النوع الذي بالجد يخاف الله ولا يجامل في قول الحق ومحاربة الباطل والفساد. شيخ يكون ورع وواصل! جائز بعد الكبر دا يحفظك كتاب الله.

صمت قليلا أبو الخير، ومتأسفاً ندمت أنا لأنني ظننت أنني قد تدخلت في خصوصياته فأحرجته. قلت له معليش يا شيخ، سامحني بس خوفي منك بكرة تنساني وتنسى ربنا وذكر الليالي و تقوم تحاول استعمال ما هو أخطر من تعاطي التمباك. حاول يضحك، بصغها من فمه (السَفَّة) و شرب شربة ماء، ثم نظر إلي وجهي الذي كان يتابعه فقال “غريبة ناديتني يا شيخ ، إنت بقيت من الأولياء والا بتعلم الغيب ؟. عجيب والله، القصة التي أريد أرويها لك ما فارقت بعيد!. تنفس الصعداء وضرب كفا على كف وقال لي لكن في الأول قولي ” إنت النصائح السمحة دي جبتها من وين؟ أشوف كلامك دا كله كلام شيوخ، حيرتني والله . لكن بس قالوا أروبا حقتكم بلد نصارى بس، عشان كدا محطات نزول مخلوقات السماء الغريبة وشياطينها توجد عندكم هناك. المهم، الله يسلمك وعيالك، أقولك في زمنا دا كثرت العجايب ومن السهولة أن تكون أميرا أو وزيرا أو طبيبا أو محاميا أو صحافيا شهيرا بدون تعب وراء سهر ليالي و نيل شهادات مدارس ثانوية أو حتى جامعية . وهو يضحك ساخرا “هل تذكر في المدرسة الأولية كتاب المحفوظات الوردي الغلاف ؟ والمحفوظة التي كانت محببة لدينا التلاميذ عشان كانت تحفزنا نكون أطباء ومحامين أو صحفيين….إلخ ؟، نسيت الباقي من تلك الأمنيات التي كانت و الله عذبة. لا أحد منا قد صار واحدا من تلك الفئات . لكن الحمد لله على كل حال. ربنا لطف والخير ظهر فيك إنت و عبدالكريم ود سعد رحمة الله عليه، ربنا يطول في عمرك وربنا يغفر للنقيب أمجد “مات شهيدا في الهجوم المشهور على القصر الجمهوري “. انتو سمعتم كلام أهلكم والمدرسين خاصة الناظر شيخ هاشم كان مربياً لا مثيل له. لكن الغريب في هذه السنوات العجاف العجيبة التي نعيشها اليوم كثيرون صاروا لا يستحون. الناس يا أخي تغيرت. كل واحد أسدل لحيته ولبس القفطان الأبيض والعباية السوداء والا بنية اللون من فوق الجلابية وكمَّل الهندام بمسبحة ” خشب البقس لو تتذكره” وعصاية “أبنوس” تلمع ، و “ملافح” من جمالها يعجز الوصف. كل واحد صار شيخاً له “تبع” من الحيران الذين لا يقبلون فيه لومة لائم، يدَّعون أنه صار واصلاً وصار من أصحاب الكرامات المعجزات. أنا فكرت يوما أكون شيخاً مثل بعضهم لأنني كنت أشطر منهم ، وغير السيجارة التي تركتها من زمن وصرت عبد التمباك اللعين فايلاتي كلها والحمد لله نظيفة و”الفات مات” . إن شاء الله بس حسن الخاتمة تكون يا رب نهايتي ليلة جمعة وكرامتي يوم داك تبين في سماء الكون . لكن أقولك السر، عشان تكون من زمرة الشيوخ عليك تحصل على عدد حيران أقله عشرة أشخاص يروجون لك ويسلمون على يديك و رجليك ويصلون معك صلاة الفجر. أعوذ بالله من الشرك. على كل القصة التي أريد أحكيها لك أنه أثناء غيابكم الطويل و في عام مضى عليه “زهاء عشرة سنوات أو أكثر ” قام وفد من إحدى الطرق التي هكذا تكونت حديثا مثل الشركات التجارية الوهمية التي ملأت العالم ، بزيارة ترويجية إلى بلاد أفريقية . طوافهم شمل أكثر من دولة. إتباعا للسنة المحمدية كانوا حريصين على أن لا يفرطوا في صغيرة ولا كبيرة و تيمنا بما تعلموه من كتاب رياض الصالحين أمّروا على أنفسهم في تلك الرحلة أكثرهم وجاهة وبسطة في الجسم. الرجل لم يقصر في إختيار أجمل العباءات والعمائم ومركوب جلد “النمر”،غالي ونفيس، القالوا منوع عندكم في بلاد العجم. بعد رحلة طويلة متنقلين من طائرة إلى أخرى وصلوا محطتهم الأولى وهي تونس الخضراء. بهرتهم برونقها الطبيعي وجمال أهلها فتذكر أكبرهم سناً أيام الطفولة الجميلة و الحبوبات كيف كن يحفظن عن ظهر قلب قصة أبوزيد الهلالي الفارس المغوار ورحلته الشاقة من أرض الحجاز إلى تلك البقاع بصحبة الشقيقين الفارسين يحي ومرعي. ترحم الشيخ على الجدات وصار يحجي أصحابه . كان حكاي شديد فقال لهم أن جدته كانت بصوتها الهادي الحنون تقول ” يونس في تونس و التونسة في جزيرة والجزيرة بين بحرين” ….إلخ.قال لهم التونسة هي الجنينة الخضراء المليئة بالفواكه والأشجار المزهرة والمياه العذبة. الجميع حمدوا الله أنهم الآن وصلوا تونس فعاشوا وشاهدوا بأنفسهم نفائس جنات هذه الدنيا.

ونحن في إنتظار الإبنة لتعود لنا بالوجبة المفضلة واصل أبوالخير حديثه “إحتفلت مدينة واحدة من دول المغرب المجاورة بقدوم الوفد الرفيع الزائر من ذلك الوطن الكبير الذي يكنون له الحب والاحترام والتقدير. واثناء الترحيب وحسن الضيافة وتبادل عبارات المحبة والثناء واحتساء الشاي الأخضر فجأة حان وقت صلاة المغرب فأذن مؤذن واصطف الناس للصلاة. و تبركاً بالوفد الزائر طلبوا من الأمير الوجيه التقدم ليؤم الناس. ما شاء الله، لم يتوانى الشيخ، فقام نحنح وبَسْمَلَ ثم صلى على النبي محمد عليه الصلاة والسلام ودعى الناس لسد الفرجات كيلا يتركوا فرصة للشياطين لتلعب. قرأ سورة الفاتحة وسورة الإخلاص في الركعة الأولى ثم الفاتحة وسورة الضحى في الركعة الثانية.
المفاجأة كانت بعد ……..
نتابع غداً

drabdelmoneim@yahoo.com
Alarabi AA © July 2026

Author
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
ولاية وسط دارفور الفتنة القادمة .. بقلم : محمد إسحق دربين
رغم رفض عصابات البرهان لوجوده.. تمديد مهمة فولكر بيرتس لعام آخر .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف
الأخبار
دولة غربية واتحادات تدعو الى استكمال التفاوض بين العسكري والتغيير
منبر الرأي
حين سقط الصادق والترابي في انتخابات 1968 .. بقلم: عبدالله الشقليني
الأخبار
فرنسا: الانقلاب قد يعرقل شطب ديون السودان

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

اتفاق موسكو .. يذوب على خط الاستواء .. بقلم: اسمهان فاروق / الخرطوم

طارق الجزولي
منبر الرأي

بيع السودان بالجملة والقطاعي من عبود، نميري الى القشير والرمدان . مسكين السودان

شوقي بدري
منبر الرأي

المشير “بركاوي”: استخفّ قومُه فأطاعُوه .. بقلم: عِزّان سعيد

طارق الجزولي
منبر الرأي

بيت السودان في لندن إشتروْه بِنهَارٍ وباعوْه بليـْل .. بقلم: السفير/جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss