منذ أن وعى الإنسان وجوده، وهو يسعى إلى المعرفة. بها اكتشف النار، وشق الأنهار، وبنى المدن، وبلغ الفضاء. ولم يكن عبثًا أن يكون أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾،
فالقراءة هي مفتاح المعرفة، والمعرفة هي أساس العمران. لكن مع تقديرنا لقيمة العلم، يظل سؤال يفرض نفسه: هل يحتاج الإنسان إلى أن يعرف كل شيء؟
قد يبدو الجواب لأول وهلة بالإيجاب، غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فليس كل ما يُعرف ينفع، وليس كل ما يُقال يستحق أن يُسمع، وليس كل ما يقع أمام أعيننا يستحق أن يشغل عقولنا.
لقد أصبح الإنسان في هذا العصر يعيش وسط طوفان من المعلومات. الأخبار تتلاحق، والإشاعات تنتشر، ووسائل التواصل لا تكاد تترك للعقل فرصة ليلتقط أنفاسه. وأصبح كثير من الناس يقضون ساعات طويلة يتابعون أخبارًا لا تغير واقعهم، ويطاردون تفاصيل لا تضيف إلى حياتهم علمًا ولا حكمة.
والمفارقة أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة المعرفة، كما أن كثرة المعرفة لا تعني بالضرورة كثرة الحكمة. فقد يمتلئ الذهن بالمعلومات، بينما يظل صاحبه عاجزًا عن التمييز بين المهم والهامشي، وبين الحقيقة والادعاء.
ولهذا كان من الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه قبل أن يطلب معرفة شيء: ماذا سأستفيد من هذه المعرفة؟ هل ستزيدني فهمًا، أو تعينني على عمل، أو تقربني من فضيلة، أو تدفع عني ضررًا؟ فإن كان الجواب نعم، فهي معرفة تستحق السعي إليها، وإن كان غير ذلك، فربما كان تركها أولى.
ولا يعني هذا الدعوة إلى الجهل أو التقليل من شأن العلم، فالإسلام جعل طلب العلم عبادة، ورفع منزلة العلماء، وحث على التفكر والتدبر. وإنما المقصود أن يوجه الإنسان جهده إلى العلم النافع، لا إلى الفضول الذي يستهلك العمر ويبدد الفكر.
ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا»، فلم يكن المقصود مجرد العلم، وإنما العلم الذي يثمر عملًا، ويهدي إلى خير، ويصلح حياة الإنسان.
إن من أثمن نعم الله على الإنسان أن يعرف ما يحتاج إليه في دينه، وما يقيم به معاشه، وما ينفع أسرته ومجتمعه. أما الانشغال بأسرار الناس، وتتبع خصوصياتهم، والخوض فيما لا يعنيه، فليس من المعرفة التي تبني الإنسان، بل من الفضول الذي يفسد القلب ويضيع الوقت.
وقد صدق من قال: ليس العالم من جمع أكبر قدر من المعلومات، وإنما العالم من عرف ما ينفعه فنفع به نفسه والناس.
وفي النهاية، ليست قيمة الإنسان فيما يعرفه من أخبار وأسماء وأرقام، وإنما فيما تصنعه تلك المعرفة من وعي، وما تغرسه من خلق، وما تثمره من عمل. فالمعرفة الحقيقية ليست ما يملأ الذاكرة، بل ما ينير البصيرة. وحين يدرك الإنسان ذلك، يعلم أن الحكمة ليست في أن يعرف كل شيء، وإنما في أن يعرف ما ينبغي أن يعرف، في الوقت الذي ينبغي أن يعرفه..
عثمان يوسف خليل
