“المقاديرُ تُصيِّر العيَّ خطيباً”: من وهم الخبراء إلى ضرورة الوعي الجمعي لصناعة السلام في السودان

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو

المقاديرُ تُصيِّر العيَّ خطيباً؛ مثلٌ عربي يُضرب للجاهل الذي تسعفه الأقدار، أو يُخدع به من بيده الحلّ والربط، فيُفاجأ بأنه عييٌّ لا يُرجى منه نفع. وتُروى في ذلك حكاية: يُحكى أن الحجاج بن يوسف الثقفي وُصف له رجلٌ بالجهل، وكانت له إليه حاجة، فقال في نفسه: لأختبرنّه أولاً. فلمّا دخل عليه سأله: أعصاميٌّ أنت أم عظاميّ؟ يريد: أشرُفتَ بنفسك أم بآبائك الذين صاروا عظاماً؟ فأجابه الرجل: أنا عصاميٌّ وعظاميّ. فظنّ الحجاج أنه فطن للمغزى، وأنه يجمع بين شرف النفس وشرف الآباء، فقضى له حاجته وزاده، وأبقاه عنده. ثم ناقشه يوماً فبان له جهله، فقال له: اصدقني وإلا قتلتك؛ كيف أجبتني؟ فقال: والله ما أدري أيّهما خير، فخشيت أن أخطئ، فجمعتُ بينهما؛ فإن ضرّني أحدهما نفعني الآخر. فقال الحجاج: “المقاديرُ تُصيِّر العيَّ خطيباً”، فصار قوله مثلاً. وهكذا تنقلب الموازين حين يُخدع الناس بعبارةٍ لا يملك قائلُها معناها، فيُقدَّم الجاهل ويُؤخَّر صاحب الرأي.

بهذا المعنى، تبدو الحكاية مدخلاً كاشفاً لواقعٍ سودانيٍّ يتقدّمه خطابٌ واثقٌ بقدر ما هو فقير في مضمونه. لقد أفرزت الحرب طبقةً من “الخبراء الاستراتيجيين” الذين احتلّوا المنابر، يقدّمون بضاعةً مزجاة من التحليل المعاد، ويستعيضون عن الفكرة بإيقاع الكلام، وعن المشروع بزخرف القول؛ «زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا» (سورة الأنعام: 112)، أي تزيين الباطل بالألفاظ المنمّقة والمموّهة لخداع السامع وإضلاله. وهنا تتجلّى المفارقة: حين يتزاوج مفهوم “العيّ الخطيب” مع “زخرف القول”، لا يعود العجز مجرد قصورٍ في الفهم، بل يتحوّل إلى خطابٍ قادرٍ على الإيهام، يربك الوعي العام ويصادر القدرة على التمييز بين الفكرة وصداها، بين المشروع وصورته البلاغية.

إن هذا النمط من الخطاب لا يكتفي بإعادة إنتاج الأزمة، بل يسهم في تعميقها، لأنه يمنح الوهم هيئة المعرفة، ويقدّم الانطباع بديلاً عن الرؤية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول المجال العام إلى مسرحٍ للبلاغة الخادعة، حيث تُدار القضايا المصيرية بلغةٍ تُخفي أكثر مما تُظهر، وتوحي بالفعل وهي عاجزة عنه. ومن ثمّ، فإن نقد “الخبراء” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه رفضاً للخبرة، بل رفضاً لتزييفها، ولتحويلها إلى سلعةٍ خطابية منفصلة عن شروطها المعرفية والأخلاقية.

غير أن الإشكال لا يقف عند هؤلاء، بل يتجاوزهم إلى نمط تفكيرٍ كاملٍ داخل النخبة، ظلّ أسير الفردانية السياسية، حيث يُنتظر “الخبير” ليقترح، و”الحكيم” ليحسم، بينما تُعطَّل طاقات المجتمع الواسعة. هذا النمط، في جوهره، هو الذي أنتج الفراغ، وهو الذي يسمح للـ“عيّ” أن يصبح خطيباً، لأن المعيار لم يعد جودة الفكرة، بل حضور الصوت.

ومن هنا، فإن القطيعة المطلوبة ليست مع أشخاص، بل مع هذه البنية الذهنية ذاتها. فالحل لا يكمن في استبدال خبيرٍ بآخر، ولا في استدعاء حكيمٍ مفترض، بل في الانتقال إلى مستوى مختلف من التفكير: التفكير الجمعي، بوصفه أداة إنتاج للمعرفة والحلول. إن الوعي الجمعي ليس شعاراً أخلاقياً، بل آلية عملية، تقوم على تفاعل العقول وتراكم الخبرات وتقاطُع الزوايا، بحيث تتولّد أفكارٌ أكثر نضجاً وواقعية من تلك التي ينتجها عقلٌ منفرد، مهما بلغ ذكاؤه.

في هذا الأفق، تبرز الحاجة إلى قيادةٍ جماعية، لا تُلغي الأفراد ولكن تعيد توظيفهم داخل بنيةٍ أوسع، تُدار فيها الاختلافات بوصفها مصادر غنى، لا بؤر صراع. قيادةٌ تستند إلى الوعي الجمعي، لا إلى الكاريزما الفردية، وتستمد شرعيتها من قدرتها على تنظيم العقول لا احتكار القرار. فالحروب المعقّدة لا تُفكّ شيفراتها بحدسٍ فردي، بل بعملٍ تراكميٍّ منظم، يشتبك فيه الباحث مع الممارس، والمجتمع مع الدولة، والفكرة مع التجربة.

إن تفكيك طلاسم الحرب السودانية يقتضي، قبل كل شيء، إعادة بناء طريقة التفكير نفسها: الانتقال من ردود الأفعال إلى إنتاج المبادرات، ومن استهلاك الخطاب إلى صناعة المعرفة. وهذا لا يتحقق إلا عبر منصاتٍ حقيقية للتفكير الجماعي: ورش عمل متخصصة، ومراكز عصف ذهني، ومسارات تشاركية تجمع مختلف الفاعلين، بحيث يصبح السلام مشروعاً يُنتج، لا شعاراً يُردّد. فحين تتكامل العقول، تتقلص مساحة الخطأ، ويتحول الاحتمال إلى خطة، والرغبة إلى برنامج.

إن الوعي الجمعي، حين يقترن بقيادةٍ جماعية، قادر على نقل السودان من حالة الدوران في الأزمة إلى أفق الفعل المؤسس؛ إذ يتيح بناء قواعد صلبة للسلام، لا تقوم على توازنات هشة، بل على فهمٍ عميقٍ لجذور الصراع، ومعالجةٍ منهجيةٍ لمسبباته، بما يضمن ديمومة الاستقرار، لا مجرد هدنةٍ مؤقتة.

الخلاصة: من العيّ الخطيب إلى الوعي الفاعل
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل عجز الخيال السياسي، واستقالة العقل الجمعي. وبينما يملأ “العيّ الخطيب” الفضاء ضجيجاً، يبقى السؤال الحقيقي: من يملك الشجاعة لابتكار فكرة؟

إن الانتقال من زمن “الحكماء الغائبين” إلى زمن “الوعي الجمعي الحاضر” ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. فالأمم لا تُنقذ بخطبٍ بليغة، بل بأفكار جريئة، وإرادة جماعية قادرة على تحويل الألم إلى أفق.

ولعل التحدي الأكبر أمام النخبة السودانية اليوم، ليس أن تتفق، بل أن تجرؤ: أن تكسر القوالب، وتخون المألوف، وتعيد تخيّل الوطن من جديد. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يرحم الذين اكتفوا بالشرح حين كان المطلوب هو الفعل.

نحو وعيٍ جمعيٍّ سوداني يتجاوز العيّ في زخرف قوله وغروره، ويؤسس لسلامٍ مستدام

Habobsalah@gmail.com

٢٣مارس-٢٠٢٦

صلاح الحبو

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

طيّ الوعي: السودان بين محاولة التغييب واستعادة البصيرة

طيّ الوعي: السودان بين محاولة التغييب واستعادة البصيرةقراءة نقدية في بنية الوعي الجمعي تحت ضغط …