المواجهة: قصة قصيرة: كتابة أولى: محمود محمد مدني .. كتابة ثانية: حسن الجزولي

 


 

 

***
أحدهم قال بغم، قالها بعد أن فاض به الكيل ورغب أن يفضفض بما في داخل صدره من غبن، حمل فأساً وخرج للخلاء الواسع، ثم بدأ بحفر حفرة عميقة، بعدها استلقى على الأرض، تلفت يمنى ويسرة ليتأكد من أن لا أحد حوله، أدخل فمه في جوف الحفرة العميقة وصرخ بأعلى صوته متفوهاً بكلمة (بغم) التي حذر منها حاكم البلدة، أعاد الرجل طمرها بالتراب وحمل فأسه عائداً، وهو يحس براحة عميقة في صدره الذي كان مثقلاً فتخلص منه، التقط عسس الحاكم الكلمة برغم بعدهم عن مكان الحفرة فبلغوا الحاكم، غضب الحاكم كون أحد أفراد رعيته خرق أحد فورمانات الحكم الذي يحرم أي كلمة في حق الحاكم ،، ولو بكلمة بغم تحيداً، لأنها دالة كبرى على اختصار الكثير من الكلمات والخطب التي تشير لعسف الحاكم والدعوة للتمرد على حكمه.
أمر الحاكم بجمع الرعية في ساحة القصر، إكتظت ساحة القصر بجموع الرعية الذين جاؤوا وهم يعلمون أن الحاكم لا يأمر بجمعهم إلا لخطب عظيم، كانوا يتحوقلون ويتبسملون ويتلون التمائم والتعاويذ بأن يبعد عنهم غضب الحاكم وينجيهم من عقابه الذي يعم شرهم وخيرهم ويعلمونه جيداً.
بعد فترة طالت إزدادت خلالها توجساتهم، أطل الحاكم من على شرفة قصره المنيف، فضجت ساحة الرعية بالصمت المريب، تمعن فيهم الحاكم كمن يتمعن في حشود من نمل أو حثالة حيوانات أمامه، صاح فيهم والغضب يتطاير من فمه والشرر من عينيه اليمنى، سأل بعد أن سب وشتم بأقذع الألفاظ عن الذي نطق بكلمة (بغم) المحرمة في حدود ضيعته التي يحكمها، سكتت الجموع ولم ينطق أي أحد منهم، كرر سؤاله والشرر قد ازداد تطايراً من عينه اليسرى هذه المرة، فلم ينطق أحد.
زفر الحاكم زفرة تنين يخرج السنة نيران حارقة من فمه، والشرر أصبح يتطاير من كلا عينيه، قال للرعية أنه سيمهلهم حتى نهاية الأسبوع ليشيروا إلى من نطق بالكلمة المحرمة، وإلا فعليهم الاستعداد لما سيقع عليهم جميعاً، رجالهم ونسائهم وعواجيزهم وأطفالهم، بما فيهم حيواناتهم، ماشيتهم، طيورهم، ومجاري مياههم العذبة، سيمسح الجميع بالأرض وسيرون.
في اليوم التالي لاحظت الرعية بأن عسس وجيش الحاكم بأمره بدأ الاستعداد لليوم الموعود الذي ينتظرهم نهاية الأسبوع.
تحولت جميع مصانع البلد إلى الانتاج الحربي، توقفت منتجات العنب والبصل والشعير فتحولت مصانعها إلى مصانع تنتج السيوف والحراب والنصال الحادة، وأماكن منتجات العلف والذرة وفول الصويا تحولت لتنتج النبال والمنجنيق وقذائف اللهب، باختصار كل شئ في البلدة تحول للتصنيع الحربي.
أصبحت الرعية في هم كبير وكاد الغم أن ينهك ما تبقى من قوى أجسامهم، أطفالهم كانوا يخرجون متلصصين ليشاهدوا ذاك الانتاج الذي لم يعتادوه مكوماً أمام مقار العسس فيهرعون بشفاه مرتجفة إلى ذويهم ينقلون لهم ما شاهدوا، كان جميع السكان يبحلقون في نشاط الجند وهم يواصلون بهمة انتاج تلك الأسلحة الفتاكة استعداداً ليوم الوعيد والتهديد. كانت أيام الأسبوع تتناقص فتزداد معها زفرات السكان وهم في هم عظيم ولا يدرون ما يفعلون.
حل يوم الوعيد فتجمع السكان المغلوب على أمرهم في باحة قصر الحاكم، وهم يطلقون الزفرات حرى، التف من حولهم وخلفهم جيش الحاكم بأمره وهم مدججون بالأسلحة الفتاكة التي صنعوها لتكفي إبادة جميع السكان وتفيض، وبعد فترة طالت خارت فيها قوة السكان وكاد بعضهم أن ينهار من شدة التعب والهم تحت أشعة الشمس الحارقة، أطل الحاكم متبوعاً ببطانته من حوله، جلس بكبرياء وغطرسة، ثم تحدث، قال أنه منحهم أسبوعاً بأكمله ليفصحوا عن الذي تحدى فورمانات حكمه ونطق بكلمة (بغم) والآن ورأفة بهم سيمنحهم الفرصة الأخيرة علً أحداً منهم يتقدم معترفاً أو مشيراً للمتهم، وعندما لم يتقدم أي أحد، قال لهم أنه سيعد حتى ثلاثة وبعدها سوف يرون، في لحظة تكور غضب السكان وسرى بينهم حتى سال الشرر من أعينهم مدراراً، فتقدموا جميعاً خطوتين للأمام ،، بدأ الحاكم في التعداد، فزحف السكان بضع خطوات للأمام نحو شرفة الحاكم، واحد، قال الحاكم، تقدم السكان خطوات غاضبة نحوه، أثنان، قالها الحاكم، فتحفز الجميع وقد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من شرفة الحاكم، وقف الحاكم مندهشاً من جرأتهم، وما كاد ينطق بالحرف الأخير ويوجه سؤاله الأخير لهم عن من هو الذي نطق بالكلمة الحرام، حتى صاح جميع السكان، كلهم، برجالهم ونسائهم، صغارهم وأطفالهم وعواجيزهم، صاحوا بغضب دفعة واحدة وكأنهم كانوا يدخرون قرارهم لمثل هذه اللحظة ،، كلنا كلنا كلنا!.
ـــــــــــــــ
** سلخت وقتاً ممتعاً مع الصديق الراحل القاص محمود محمد مدني بمنزله بعد أن تناولت معه وجبة الغداء وأنا أستمع لشائق القصص القصيرة التي كان يقرأها علي وأنا مستلقي في فيرندة منزله، وقد توقفت من بين جميع قصصه القصية الممتعة عند قصة قصيرة بعينها، بحثت عنها بعد رحيله فتأكد لي أنه لم ينشرها كغالب قصصه التي لم يحرص على نشرها، لافي الدوريات الخليجية عندما كان يعمل هناك أو في الملاحق الأدبية بالسودان!، حدثت عنها بعض الأصدقاء المشتركين من المهتمين، فأشار علي أغلبهم بإمكانية إعادة كتابتها!، تهيبت التجربة، حيث لا أعلم ما إن كان هناك مثل هذا التقليد في المجال الثقافي وانتاج القصة القصيرة، إلا أني غامرت فيما بعد وأعدت كتابتها كما هي مسجلة في ذاكرتي ،، فماذا ترون!.

hassanelgizuli3@gmail.com

 

آراء