لم يكن قادة حماس يتوقعون أن القادم أسوأ مما يتصورون، عندما أطلقوا الصواريخ من قطاع غزة باتجاه إسرائيل، في السابع من أكتوبر 2023، لم يحسبوا حساب ردة فعل الكيان على المجزرة التي راح ضحيتها 1200 إسرائيلي، حسبوا أن الأمر سينتهي بطأطأة رأس الدولة الممتلكة لأكبر مفاعل نووي بالمنطقة (ديمونة)، هذه واحدة من أعطاب العقل الحمساوي، الذي يعتقد ساذجاً أن حربه على الكيان سيكون مهرجانا لا حريقاً يلتهم المنطقة بأسرها، ولم يخطر ببال أكبر مفكريهم أن النشوة القصيرة الأمد التي استشعروها، ستتحول إلى كابوس ينشر رائحة الموت في المنطقة كلها، لقد حادوا عن طريق المصطفى في فقه الحرب، فلم يعدوا أنفسهم الاعداد الكافي لمواجهة ترسانة عسكرية وتكنلوجية، يستحيل أن تقف بوجهها الصواريخ المصنوعة من الصفيح، لقد اندهش العالم لسذاجة عقول بعض الجماعات الإسلامية بالشرق الأوسط، ومدى جهلها بمجريات ما يدور بمعامل الكيمياء والفيزياء، بالدول التي تنفق المال الوفير من أجل البحوث العلمية، حتى ثبت جلياً ان الجماعات والمليشيات المسلحة العقائدية، فاقدة لبوصلة المسؤولية الأخلاقية بحق الشعوب التي سطت على مؤسساتها، فهي غير جديرة بان ترعى نفسها ناهيك عن أن تحقن دماء شعبها، رغم مرارة الفقد وخسارة الأنفس والثمرات، إلّا أن التطورات المأساوية بالمنطقة كشفت حقيقة أن التطرف والإرهاب لا يبني دولة.
بعد مرور أكثر من عامين سويت غزة بالأرض، وتمت تصفية قيادات حماس، وسودت صورهم صفحات الميديا ولحقت أسماءهم ألقاب الشهداء، بمن فيهم الزعيم والقائد الرمز إسماعيل هنية، بعد أن طالته يد الكيان وهو نائم في حضن نظام الولي الفقيه، وذات المصير حل بحزب الله، فقُضي على قيادته العليا، التي على رأسها حسن نصر الله، هذه القفزة الكبيرة في المواجهة منحت دولة الكيان الفرصة للتوغل في لبنان، وأسهمت في إسقاط نظام الأسد بسوريا، ودخول إسرائيل الجولان ودرعا والقنيطرة، جاء كل هذا الدمار كنتيجة بديهية للشعارات العنترية والوهمية التي ما قتلت ذبابة، وامتد التسونامي لإيران، الرئيس رئيسي ووزير خارجيته قضيا في حادث تحطم مروحية، بينما المرشد علي خامنئي قُتل في ضربة أمريكية إسرائيلية، ففقد النظام رأسه، وذهل العالم وتساءل كيف لنظام ظل يهدد ويتوعد لعقود من الزمان، أن يكون هشاً بهذا المستوى الذي جعل من قيادة الدولة هدفاً سهلاً بين ليلة وضحاها، ما شاهده العالم لم يكن ليشاهده حتى في أفلام هوليوود الخيالية، لكنه علو الكعب التقني، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ومن يمتلك ناصية العلم التكنولوجي المتقدم يحجز لنفسه مقعداً متقدماً، في مسرح المستقبل المشرق للشعوب التي عملت حكوماتها جهد ايمانها لتحقيق الرفاه، ففوضى الجنوح والتهور والحمق لا تورث سوى الانحطاط والحروب العبثية وإهدار كرامة الانسان.
الخلاصة، كل من تبنى شعاري “محو إسرائيل” و “الموت لأمريكا”، انتهى به الأمر مسجياً بين الأنقاض وكتل الأسمنت والسيخ، هذه هي آخر محطات دول الاستبداد المذهبي والديني والعسكري، التي قدمت شعوبها ككباش فداء من أجل تعفن العمائم واللحى الزيف على كراسي السلطة، حصاداً مراً لشعارات الهوس الجوفاء، كانت مالات الأمور ستكون بخلاف ما يجري اليوم، لو انخرطت هذه الأنظمة المستبدة في المفاوضات، التي كانت سوف تفضي إلى حل مع إسرائيل وأمريكا، لكن العقل العقائدي اختار الحرب فجلب الدمار الشامل للشعوب، الدرس المستفاد: من يرفع الشعارات الداعية إلى إزالة الدول والكيانات سيزول هو قبل زوال هذه الدول، وسوف يحصد الندم ويبقى عبرة للتاريخ، وكما يقول المثل: الشقي يشوف في نفسه والسعيد يشوف في أخيه، فهل يسعد إخوان السودان رفاق حماس وحزب الله وإيران، فيحقنوا دم الشعب السوداني، ويجنبوا أنفسهم قبل الآخرين الخراب؟، على كل ها هي الكرة بملعبهم، عليهم اختيار التفاوض الحقيقي الذي طُرحت اجندته عبر الرباعية الدولية، وبكل جدية ودون مماطلة، أو سيحل بهم ما حل بالرؤوس الكبيرة من حلاقة، فالحلاق ممسكاً بمقصه منشغلاً بأن يخلص من الرأس الكبيرة، وبعدها مباشرة سيتجه إلى بورتسودان، حيث الشعر الكث لآخر حركات الهوس الديني بالمنطقة، والمحطة الأخيرة وآخر معقل من معاقل الولاءات الصريحة للولي الفقيه.
إسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم