الميليشيات القبلية في جنوب السودان: التسليح والجذور التاريخية وتأثيرها على مسار الصراع

بقلم: لوال كوال لوال
تُعد ظاهرة الميليشيات القبلية في جنوب السودان من أكثر القضايا تعقيدًا في التاريخ السياسي والعسكري للبلاد، إذ ارتبط ظهورها بمراحل الصراع الطويل الذي شهده السودان قبل انفصال الجنوب، كما ارتبطت بسياسات التسليح والانقسامات داخل الحركات المسلحة نفسها. ولم تكن هذه الظاهرة وليدة لحظة سياسية محددة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من الصراعات والانقسامات والتدخلات التي أدت في النهاية إلى انتشار السلاح وسط المجتمعات المحلية وتحويل بعض التكوينات القبلية إلى قوى عسكرية فاعلة في الصراع. يمكن القول إن الظهور المنظم للميليشيات المسلحة في جنوب السودان بدأ بشكل واضح بعد انشقاق صموئيل قاي توت وأكوت أتيم عن الحركة الشعبية لتحرير السودان في السنوات الأولى للحرب الأهلية الثانية. فقد شكل هذا الانشقاق نقطة تحول مهمة في مسار الصراع، حيث وجدت الحكومة السودانية في الخرطوم فرصة لاستغلال هذه الانقسامات داخل الحركة الشعبية، فبادرت إلى دعم وتسليح تلك المجموعات المنشقة واستخدامها في مواجهة الجيش الشعبي لتحرير السودان. وقد كان الهدف من هذه السياسة إضعاف الحركة الشعبية من الداخل عبر فتح جبهات متعددة ضدها، بدلاً من مواجهة قوة عسكرية موحدة. اعتمدت هذه الاستراتيجية على مبدأ الحرب غير المباشرة أو ما يعرف بالحرب بالوكالة، حيث جرى تسليح مجموعات محلية ذات انتماءات قبلية وتحويلها إلى ميليشيات تقاتل إلى جانب الحكومة. ومع مرور الوقت، أدى هذا النهج إلى إدخال السلاح بشكل واسع إلى المجتمعات المحلية في جنوب السودان، وهو أمر كانت له آثار عميقة على طبيعة الصراع وعلى البنية الاجتماعية نفسها. فقد تغيرت أنماط العلاقات التقليدية بين المجتمعات المحلية، وأصبح السلاح عاملاً حاسمًا في كثير من النزاعات التي كانت تُحل في السابق عبر الأعراف والتقاليد. في هذا السياق برز عدد من القادة العسكريين الذين لعبوا أدوارًا مهمة في تشكيل هذه الميليشيات أو قيادتها خلال مراحل مختلفة من الحرب. ومن بين هؤلاء القادة عبد الله أشوال الذي كان من الشخصيات العسكرية البارزة في المجموعات التي تحالفت مع الحكومة السودانية في بعض فترات الصراع، كما برز اسم فاولينو ماتيب نيال الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز القادة العسكريين في قوات دفاع جنوب السودان، وهي القوة التي ضمت عددًا من المجموعات المسلحة الجنوبية التي لم تكن ضمن صفوف الحركة الشعبية في ذلك الوقت. لقد لعبت قوات دفاع جنوب السودان دورًا مهمًا في تعقيد المشهد العسكري في الجنوب، إذ ضمت تشكيلات متعددة ذات خلفيات قبلية وسياسية مختلفة، وكانت تتحرك أحيانًا وفق حسابات محلية أو إقليمية تتجاوز الأهداف السياسية العامة للحرب. كما أن هذه القوات ساهمت في ترسيخ نمط جديد من التنظيم العسكري يقوم على الولاء للقائد أو للقبيلة أكثر من الولاء لمؤسسة عسكرية وطنية موحدة. وفي خضم هذه التحولات ظهر أيضًا قادة آخرون كان لهم تأثير في مسار الصراع وفي ظاهرة الميليشيات المسلحة، من بينهم عبد الباقي أيي أكول الذي ارتبط اسمه ببعض التشكيلات العسكرية المحلية التي نشأت في سياق الحرب وما صاحبها من تحالفات متغيرة بين القوى المختلفة. وقد عكست هذه الظاهرة طبيعة الصراع في جنوب السودان، حيث كانت الولاءات العسكرية والسياسية قابلة للتغير تبعًا للظروف الميدانية أو الحسابات السياسية. ومع استمرار الحرب خلال تسعينيات القرن الماضي، توسعت ظاهرة الميليشيات المسلحة بشكل كبير، وأصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد العسكري في الجنوب. وقد أدى هذا التوسع إلى تعقيد الصراع، إذ لم يعد الصراع يدور فقط بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، بل أصبح يشمل مواجهات بين مجموعات جنوبية مختلفة، بعضها يقاتل إلى جانب الحكومة وبعضها يقاتل إلى جانب الحركة الشعبية، بينما تحاول مجموعات أخرى الدفاع عن مناطقها أو مصالحها المحلية. كان لانتشار السلاح بين المجتمعات المحلية أثر بالغ على طبيعة النزاعات التقليدية في جنوب السودان. فالكثير من المجتمعات الرعوية كانت لديها تاريخ طويل من النزاعات المرتبطة بالمراعي والمياه والماشية، لكنها كانت في الغالب تُدار ضمن أطر اجتماعية تقليدية تحد من حجم العنف. غير أن إدخال الأسلحة الحديثة إلى هذه النزاعات أدى إلى رفع مستوى العنف بشكل كبير، وجعل من السهل أن تتحول النزاعات المحلية إلى مواجهات دامية واسعة النطاق. عندما تم توقيع اتفاقية السلام الشامل في عام 2005 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، ظهرت فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد العسكري في جنوب السودان. فقد تضمنت الاتفاقية ترتيبات أمنية تهدف إلى دمج بعض الميليشيات والقوات المسلحة الأخرى في الجيش الشعبي لتحرير السودان، وذلك في إطار عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة. لكن هذه العملية واجهت تحديات كبيرة، إذ لم يكن من السهل دمج مجموعات عسكرية نشأت في سياقات مختلفة وتحمل ولاءات قبلية أو شخصية قوية داخل مؤسسة عسكرية واحدة. كما أن بعض القادة احتفظوا بنفوذهم المحلي وقواتهم الخاصة، وهو ما جعل عملية توحيد القوات المسلحة عملية معقدة وطويلة. عندما نال جنوب السودان استقلاله في عام 2011، كان الأمل كبيرًا في أن تتمكن الدولة الجديدة من بناء مؤسسات وطنية قوية وأن يتم حصر السلاح في يد الدولة. غير أن الواقع كان أكثر تعقيدًا، إذ ظلت الكثير من المجموعات المسلحة تحتفظ بقدراتها العسكرية، كما ظلت الانقسامات السياسية والقبلية تؤثر على بنية المؤسسة العسكرية نفسها. وقد أدى اندلاع الصراع السياسي في عام 2013 إلى إعادة إنتاج ظاهرة الميليشيات المسلحة بصورة أكثر وضوحًا، حيث انخرطت مجموعات قبلية مختلفة في الصراع، وظهرت تشكيلات مسلحة جديدة تدعم هذا الطرف أو ذاك. وفي كثير من الحالات، لم تكن هذه المجموعات جزءًا رسميًا من القوات المسلحة، لكنها كانت تمتلك السلاح والقدرة على خوض المعارك. إن استمرار ظاهرة الميليشيات القبلية في جنوب السودان يمثل تحديًا كبيرًا أمام مشروع بناء الدولة. فوجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يقوض سلطة الدولة ويجعل من الصعب فرض سيادة القانون. كما أن انتشار السلاح بين المدنيين يزيد من احتمالات اندلاع العنف في أي لحظة، خصوصًا في ظل التوترات القبلية أو السياسية. ومن الواضح أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر الحلول العسكرية وحدها، بل تتطلب مقاربة شاملة تشمل إصلاح المؤسسات الأمنية، وتعزيز المصالحات المجتمعية، وإطلاق برامج فعالة لنزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية. كما أن بناء جيش وطني مهني يعتمد على الكفاءة والانضباط بدلاً من الولاءات القبلية يظل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار في البلاد. إن التجربة التاريخية في جنوب السودان تظهر بوضوح أن تسليح المجتمعات المحلية قد يكون أداة قصيرة المدى في إدارة الصراع، لكنه يترك آثارًا طويلة المدى يصعب معالجتها لاحقًا. ولذلك فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب، بل في بناء نظام سياسي وأمني قادر على منع عودة الميليشيات إلى لعب دور مركزي في الحياة السياسية والعسكرية. فمستقبل جنوب السودان لن يتحدد فقط بقدرة قادته على توقيع اتفاقيات السلام، بل بقدرتهم على بناء دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الولاءات الضيقة، ويكون فيها السلاح تحت سلطة القانون، وتكون فيها الهوية الوطنية إطارًا جامعًا لكل مكونات المجتمع. وفي غياب ذلك، ستظل الميليشيات القبلية أحد أهم العوامل التي تعيق استقرار البلاد وتعرقل مشروع بناء الدولة الذي حلم به شعب جنوب السودان لسنوات طويلة.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

خطاب حميدتي في كمبالا وتحولات الصراع في السودان: قراءة سياسية في الروايات المتنافسة

بقلم: لوال كوال لوال لم يكن الخطاب الذي ألقاه محمد حمدان دقلو (حميدتي) في كمبالا …