باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 1 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

النخبة السودانية بين إدمان الفشل والأسباب البنيوية

اخر تحديث: 1 أكتوبر, 2026 10:36 مساءً
شارك

النخبة السودانية بين إدمان الفشل والأسباب البنيوية: قراءة نقدية في أطروحة منصور خالد وحدودها التفسيرية

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يبدأ المقال بمدخل تحليلي يوضح أن كتاب «النخبة السودانية وإدمان الفشل» قدّم تشخيصاً بنيوياً لعلة سياسية متجذرة، إذ رأى أن إخفاقات السودان المتكررة ليست حوادث منفصلة أو نتيجة سوء حظ أو ظروف خارجية، بل نمط سلوكي متكرر تنتجه نخبة سياسية وعسكرية ومثقفة عاجزة عن التعلم من أخطائها، فتعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل. وقد أثارت هذه الأطروحة جدلاً واسعاً بين من اعتبرها تشخيصاً شجاعاً ومن رأى فيها تبسيطاً أو تصفية حسابات. وبعد حرب نيسان/أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش وقوات الدعم السريع، يفرض المقال سؤالاً منهجياً: هل يكفي تفسير إدمان الفشل النخبوي وحده لتفسير كارثة بهذا الحجم؟ ويجيب بأن الاكتفاء به يعيد إنتاج مغالطة اختزال ظاهرة مركبة في عامل واحد. لذلك يعيد المقال بناء الأطروحة على ضوء نظرية النخبة، ويختبرها تاريخياً وإحصائياً، ثم يضيف مسحاً شاملاً لعوامل أخرى: الإرث الاستعماري وهندسة الحدود، التدخلات الإقليمية والدولية، البنية الاقتصادية الريعية وانهيارها بعد فقدان النفط، التهميش الإقليمي والهوية الإثنية، والتغير المناخي والتنافس على الموارد. والهدف ليس نفي مسؤولية النخبة، بل وضعها في سياقها الصحيح كعامل مركزي وسط منظومة أسباب متشابكة.

وفي الفصل الأول، يحرر المقال مفهوم النخبة من حمولته الأخلاقية، ويستند إلى علم الاجتماع السياسي الكلاسيكي حيث تُعد النخبة الحاكمة ظاهرة بنيوية ثابتة في كل مجتمع منظم، والسؤال الجوهري هو هل تتجدد النخبة عبر الكفاءة والمشروعية أم تعيد إنتاج نفسها عبر الولاء والقرابة والغنيمة. وحين تنغلق دورة تداول النخب، تتحول النخبة إلى نظام مغلق يعيد إنتاج أخطائه بلا تصحيح ذاتي. وهذا يمنح تعبير «إدمان الفشل» دلالة بنيوية لا أخلاقية، فهو يصف عطباً في آلية التصحيح الذاتي للنظام السياسي. لكن الإطار النظري نفسه يقر بأن انغلاق الدورة يتأثر بعوامل خارجية عن إرادة النخبة، كالبنية الاقتصادية والموارد والعلاقات الخارجية، ما يفتح الباب للنظر في العوامل الأخرى. ويُظهر التاريخ السوداني أن دورة تداول النخب ظلت مغلقة، إذ تعاقبت أنظمة عسكرية وفترات ديمقراطية هشة دون تسليم سلمي للسلطة عبر انتخابات حرة.

وفي الفصل الثاني، يُعرض جوهر الأطروحة في ثلاثة مرتكزات مترابطة: الأول أن مشكلة السودان ليست في الموارد أو الإمكانات البشرية، بل في طبيعة النخبة التي أدارتها. والثاني أن هذه النخبة، سواء كانت أحزاباً طائفية أو تيارات أيديولوجية أو مؤسسة عسكرية، تعاملت مع الدولة كغنيمة تُقتسم لا كمؤسسة عامة تخدم المجتمع. والثالث أن النخبة عجزت عن إدارة التنوع العرقي والثقافي والديني، فلجأت إلى خطابات إقصائية زادت الهامش تهميشاً، وهو ما حذر من أنه سيقود إلى انفجارات متتالية. وتُعزز سيرة صاحب الأطروحة هذه الصورة، فقد شغل مناصب وزارية في عهد نميري، ثم أصبح مستشاراً سياسياً لجون قرنق، وشارك في هندسة اتفاقيات السلام التي أفضت إلى انفصال الجنوب. فهو شاهد عيان ومشارك فاعل، ما يمنح شهادته قيمة تجريبية مضاعفة، لكنه يفتح سؤالاً مشروعاً عن الموقع الذي يتكلم منه الناقد نفسه.

وفي الفصل الثالث، تُفحص الأدلة التاريخية الداعمة للأطروحة. فمنذ استقلال السودان عام ١٩٥٦، تكرر النمط نفسه: انقلاب عبود عام ١٩٥٨، وانقلاب نميري عام ١٩٦٩، وانقلاب البشير عام ١٩٨٩، وانقلاب البرهان على الشراكة الانتقالية في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢١، إضافة إلى محاولات انقلابية وثورتين شعبيتين أطاحتا بحكم عسكري عامي ١٩٦٤ و١٩٨٥ دون ترسيخ حكم مدني مستقر. هذا التكرار عبر أكثر من سبعين عاماً يمنح مفهوم الإدمان معناه الدقيق: ليس خطأً وقع مرة، بل سلوكاً بنيوياً تكرر رغم معرفة النخبة بعواقبه. وبالمثل، فإن الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب التي اندلعت قبل الاستقلال، ثم توقفت باتفاقية أديس أبابا ١٩٧٢، ثم استؤنفت عام ١٩٨٣ حتى اتفاقية السلام الشامل عام ٢٠٠٥ قبل انفصال الجنوب عام ٢٠١١، تكشف عجزاً متكرراً عن حل معضلة الهوية والتنوع. وأعقبت ذلك حرب دارفور منذ ٢٠٠٣ وحرب النيل الأزرق وجنوب كردفان، إذ ظلت النخبة المركزية تتعامل مع الأطراف بمنطق يشتري الوقت بدل إعادة صياغة العقد الوطني، وهو ما وثقه محللون بأن النخبة لم تنتقل من النضال ضد الاستعمار إلى بناء الدولة.

وفي الفصل الرابع، تُفكك الأساطير والمعلومات المضللة المحيطة بالأطروحة. الأسطورة الأولى اختزال الأطروحة إلى حكم أخلاقي فردي بأن النخبة شريرة أو خائنة، بدل قراءتها كتحليل بنيوي لآلية إعادة إنتاج السلطة. والثانية توظيف الكتاب لتبرئة فئة بعينها من النخبة على حساب أخرى، بينما وجه النقد الأصلي إلى منظومة النخبة بمجملها. والثالثة والأخطر قراءة الكتاب كحكم قدري نهائي بأن السودان محكوم عليه بالفشل الأبدي، وهو استنتاج لا يسانده النص بل يناقض منطقه القائم على أن الإدمان حالة يمكن الإقلاع عنها. أما المعلومة المضللة الأبرز فتتعلق بموقع صاحب الأطروحة نفسه، إذ اتُهم بأنه كان قريباً من دوائر القرار الأمريكية بل عميلاً لها، وهو اتهام غير مثبت بأدلة وثائقية قاطعة، ويوضح كيف تتحول معارك النخبة الفكرية إلى ساحة لتبادل الاتهامات، بما ينتج مفارقة أن ناقد إدمان الفشل النخبوي أصبح موضوعاً لحرب سرديات نخبوية مضادة.

وفي الفصل الخامس، تُمتحن الأطروحة في ضوء حرب ٢٠٢٣ وما بعدها. فالبيانات تظهر أن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم بما يقارب ١٢ مليون نازح، وأن أكثر من ٣٠ مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من ٤٢ في المئة، وتجاوز التضخم ١٧٠ في المئة، وامتد الفقر المدقع ليطال أكثر من ٧١ في المئة من السكان، مع تقديرات بمقتل عشرات الآلاف ووقوع مجاعة كارثية. والحرب لم تكن قدراً خارجياً، بل امتداداً لفشل النخبة في ترتيب أولويات بناء الدولة والأمة، وهو ما سرّع الانزلاق نحو الحرب. كما أن الحرب بين جيش نظامي وميليشيا نشأت من رحم الدولة ذاتها، إذ تطورت قوات الدعم السريع من ميليشيات الجنجويد التي استخدمتها النخبة الحاكمة سابقاً في دارفور، وهذا أفصح مثال على تكرار النمط: نخبة مركزية تستعين بقوة موازية لحل أزمة سياسية آنية، فتتحول تلك القوة لاحقاً إلى منافس مسلح على السلطة. لكن الأمانة المنهجية تقتضي ألا يُختزل تفسير الحرب في سلوك النخبة وحده.

وفي الفصل السادس، تُمسح العوامل الأخرى المسببة للأزمات في خمسة محاور. المحور الأول هو الإرث الاستعماري وهندسة الحدود والهويات، إذ لم تُبنَ الدولة السودانية من رحم تطور داخلي عضوي، بل رسمها الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري بحدود جمعت قسراً مكونات عرقية ودينية وثقافية متباينة، واعتمدت سياسة الحكم غير المباشر التي كرست الفوارق الإثنية والجهوية، واتبعت سياسة فرّق تسد بين الشمال والجنوب، فورثت النخبة الوطنية انقسامات جاهزة. والمحور الثاني هو التدخلات الإقليمية والدولية المباشرة في تأجيج الحرب الراهنة، إذ خلصت بعثات أممية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن أفراداً وكيانات في الإمارات وغيرها قامت بأدوار في تجنيد وتمويل ونقل متعاقدين عسكريين ودعم قوات الدعم السريع، مع شبكات عابرة للحدود في تشاد وليبيا والصومال وكولومبيا، وتهريب الذهب عبر شبكات إقليمية، وفشل معاهدة جدة سريعاً، وعجز مجلس الأمن عن فرض عقوبات فعالة. والمحور الثالث هو البنية الاقتصادية الريعية وانهيارها البنيوي، إذ شكل فقدان عائدات النفط بعد انفصال الجنوب صدمة كبرى، مع خسارة ثلاثة أرباع الإنتاج النفطي ونصف الإيرادات الحكومية، ثم تحول اقتصاد الذهب إلى ساحة تنافس مسلح وتهريب، وانهيار قيمة الجنيه وتضخم جامح. والمحور الرابع هو التهميش الإقليمي والهوية الإثنية كديناميكية مستقلة نسبياً، ويقع إقليم دارفور في قلبها، فرغم موارده الهائلة عانى إهمالاً متراكماً، ووثق الكتاب الأسود احتكار قبائل وأسر محدودة للمناصب، وتحول التصنيف الهوياتي إلى ثنائية متخيلة بين السودان الإفريقي والعربي بعد تسليح الجنجويد. والمحور الخامس هو التغير المناخي والتنافس على الموارد الطبيعية، إذ ارتفعت درجات الحرارة وتراجعت الأمطار وتوسع التصحر، ما ضاعف التنافس بين المزارعين والرعاة على الأرض والمياه، وحول صراع الموارد إلى صراع مسلح واسع مع ضعف آليات الوساطة.

وفي الفصل السابع، تُقارن الدراسة بين دور فشل النخبة ودور العوامل الأخرى. فالتمييز يقوم بين مستويين: العوامل البنيوية العميقة التي تخلق بيئة هشة قابلة للانفجار لكنها لا تنتج الأزمات بمفردها، والنخبة بوصفها الفاعل المباشر الذي يحول هذه الشروط إلى أزمات أو يحتويها. فالإرث الاستعماري والتغير المناخي والبنية الريعية هي المسرح، والنخبة هي الممثل الذي يقرر كيف يستخدمه. والمقارنة ليست بين بدائل متنافسة بل بين طبقات متداخلة من السببية. ففي دارفور ٢٠٠٣، كان التهميش والتغير المناخي أرضية الصراع، لكن القرار النخبوي بتسليح الجنجويد هو ما حول نزاعاً على الموارد إلى حملة إبادة. وفي حرب ٢٠٢٣، كان التدخل الإقليمي حاسماً، لكنه لم يكن ليجد مدخلاً لولا القرار النخبوي السابق بتشكيل قوات الدعم السريع. ومع ذلك، هناك حالات تراجعت فيها مسؤولية النخبة نسبياً لصالح العوامل البنيوية، لكن ما يميز الحالة السودانية ليس وجود هذه العوامل، بل فشل النخبة المزمن في إدارتها. وتُرتّب العوامل في ثلاثة مستويات: النخبة كصمام أو مشغل، والعوامل البنيوية الداخلية كأرضية أو قابلية، والعوامل الخارجية كمعجل أو مضاعف. وإصلاح النخبة شرط لا غنى عنه، لكنه غير كافٍ وحده، لأن معالجة سلوك النخبة دون العوامل الأخرى لن تكسر حلقة التكرار.

وفي الفصل الثامن، تُستخلص دروس عملية. كسر حلقة الإدمان يتطلب آلية مؤسسية حقيقية لتجديد النخبة عبر انتخابات محلية ولامركزية وتفويض حقيقي للصلاحيات والموارد. وأولوية تقديم الخدمات الأساسية في كل الأقاليم بالتساوي لمعالجة التهميش التاريخي. وإصلاح القطاع الأمني كقضية سياسية بامتياز تشمل دمج أو تفكيك قوات الدعم السريع ضمن تسوية شاملة. وجعل الرقابة الدولية على تدفقات السلاح والذهب أولوية تفاوضية مع آليات مساءلة حقيقية للأطراف الإقليمية. وبناء استراتيجية تنويع اقتصادي تحرر الاقتصاد من الريع الأحادي عبر تطوير الزراعة والثروة الحيوانية. وجعل العدالة الانتقالية أولوية عاجلة لا مؤجلة. وبناء إطار إعادة الإعمار على تسوية سياسية جديدة تمنع إدارة الموارد بمنطق الغنيمة. وإدماج برامج إدارة النزاع على الموارد الطبيعية ضمن أي خطة تنموية. والاعتراف بأن أي حل مستدام يتطلب معالجة متزامنة للنخبة والعوامل البنيوية والتدخلات الخارجية.

وفي الخاتمة النقدية، تبقى أطروحة إدمان الفشل أداة تحليلية قوية ومدخلاً ضرورياً لا كافياً لفهم حرب ٢٠٢٣ وما سبقها. فالحرب نتاج تقاطع خمسة عوامل بنيوية مستقلة نسبياً عن سلوك النخبة مع سلوك نخبوي متكرر فشل في تحويل هذه العوامل إلى فرص للدمج الوطني. وقيمة الأطروحة أنها تحول السؤال من من المسؤول إلى ما الآليات البنيوية الداخلية والخارجية التي تجعل النخبة تعيد إنتاج أزماتها، وكيف يمكن كسرها. والإجابة لا تكمن في انتظار توبة النخبة وحدها، بل في إعادة هندسة مؤسسية جذرية تشمل تجديد آليات السلطة ومعالجة الاقتصاد الريعي وضبط التدخل الخارجي وإنصاف الأطراف المهمشة والتكيف مع الضغط البيئي، بحيث يصبح تكرار النمط القديم مكلفاً بما يكفي لردع أي نخبة قادمة. وفي هذا المعنى المركب، يظل الكتاب أقرب إلى مرآة تعكس أخطاء الماضي منه إلى نبوءة تحكم على مستقبل لم يُكتب بعد.

النص الكامل للمقال

مدخل تحليلي

حين أصدر الدكتور منصور خالد كتابه «النخبة السودانية وإدمان الفشل» في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن يكتب تأريخاً عابراً لحكومات تعاقبت على الخرطوم، بل كان يقترح تشخيصاً بنيوياً لعلة سياسية متجذرة: أن إخفاقات السودان المتكررة ليست حوادث منفصلة ناجمة عن سوء حظ أو ظروف خارجية، وإنما نمط سلوكي متكرر تنتجه نخبة بعينها، سياسية وعسكرية ومثقفة، عاجزة عن التعلّم من أخطائها فتعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل (خالد، ١٩٩٣؛ سنهوري، ٢٠٢٦). هذه الأطروحة، التي وصفها أحد قرائها بأنها «تشريح فكري لمرض السياسة السودانية» (سنهوري، ٢٠٢٦)، أثارت منذ صدورها جدلاً واسعاً بين من اعتبرها تشخيصاً شجاعاً يستحق التعميم، ومن رأى فيها تبسيطاً مخلاً أو حتى تصفية حسابات شخصية من رجل قضى هو نفسه عقوداً في قلب النخبة التي ينتقدها (النيلين، ٢٠١٨؛ إبراهيم، ٢٠١٧). وقد صدر الكتاب في كانون الثاني/يناير من العام ١٩٨٥، أي قبل أسابيع فقط من انتفاضة أبريل التي أطاحت بنظام جعفر نميري، وهو توقيت يمنح النص دلالة مضاعفة: فقد كتبه منصور خالد وهو في خضمّ اللحظة السياسية التي ينتقدها، لا بعد انقضائها (Ultra Sudan، ٢٠٢٢). بيد أن أي قراءة أمينة لهذه الأطروحة اليوم، بعد اندلاع حرب نيسان/أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تفرض على الباحث سؤالاً منهجياً لا يمكن تجاوزه: هل يكفي تفسير «إدمان الفشل النخبوي» وحده لتفسير كارثة بهذا الحجم، أم أن الاكتفاء به يُعيد إنتاج المغالطة نفسها التي حذّر منها منصور خالد، أي اختزال ظاهرة مركبة متعددة الأسباب في عامل واحد مريح تفسيرياً لكنه غير كافٍ تجريبياً؟ هذا المقال، في نسخته الموسعة هذه، يعيد بناء أطروحة منصور خالد على ضوء نظرية النخبة في العلوم السياسية، ويختبرها بالأدلة التاريخية والإحصائية المتاحة، ثم ينتقل — وهو الإضافة الجوهرية لهذه النسخة — إلى مسح شامل للعوامل الأخرى غير النخبوية التي أسهمت في صناعة الأزمة السودانية المتكررة: الإرث الاستعماري وهندسة الحدود، التدخلات الإقليمية والدولية، البنية الاقتصادية الريعية وانهيارها بعد فقدان النفط، التهميش الإقليمي والهوية الإثنية، والتغير المناخي والتنافس على الموارد الطبيعية. والهدف من هذا التوسيع ليس نفي مسؤولية النخبة، بل وضعها في سياقها الصحيح: عاملاً مركزياً وسط منظومة أسباب متشابكة، لا سبباً وحيداً يعفي بقية الفاعلين من المساءلة.

أولاً: النخبة كمفهوم تحليلي لا كشتيمة أخلاقية

قبل الحكم على أطروحة منصور خالد، يجب تحرير مفهوم «النخبة» من حمولته الأخلاقية الشائعة في الخطاب السوداني العام، حيث يستخدم غالباً كمرادف للفساد أو الانتهازية الفردية. في الأدبيات الكلاسيكية لعلم الاجتماع السياسي، فإن فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا اعتبرا وجود نخبة حاكمة ظاهرة بنيوية ثابتة في كل مجتمع منظم، وأن السؤال الجوهري ليس «هل توجد نخبة؟» بل «هل تتجدد هذه النخبة عبر آليات تراكم الكفاءة والمشروعية، أم تُعيد إنتاج نفسها عبر الولاء والقرابة والغنيمة؟» — وهو ما سمّاه باريتو «دورة تداول النخب» (circulation des élites). حين تنغلق هذه الدورة، أي حين تعجز الأنساق الاجتماعية عن ضخ عناصر جديدة تحمل كفاءات وولاءات مغايرة إلى مواقع القرار، تتحول النخبة القائمة إلى ما يشبه نظاماً مغلقاً يعيد إنتاج أخطائه بلا تصحيح ذاتي. هذا الإطار النظري يمنح تعبير منصور خالد «إدمان الفشل» دلالة أدق مما يوحي به ظاهره العامي: فهو لا يصف رذيلة أخلاقية فردية، بل يصف عطباً في آلية التصحيح الذاتي للنظام السياسي ذاته، حيث تتكرر الأزمة نفسها — الانقلاب العسكري، الانقسام الحزبي، إقصاء الهامش — لأن بنية اتخاذ القرار لم تتغير، لا لأن الأفراد أشرار بطبعهم. غير أن هذا الإطار النظري نفسه، في صيغته الكلاسيكية عند باريتو وموسكا، لم يكن يفترض أن النخبة تعمل في فراغ: فحتى نظرية تداول النخب تقرّ بأن انغلاق الدورة يتأثر بعوامل خارجة عن إرادة النخبة ذاتها، كالبنية الاقتصادية للمجتمع وموارده وعلاقاته الخارجية، وهو ما يفتح الباب أمام ضرورة النظر في تلك العوامل الأخرى لا الاكتفاء بتحليل سلوك النخبة بمعزل عن سياقها. ويُظهر التاريخ السوداني الحديث أن «دورة تداول النخب» ظلت مغلقة على نحو مزمن: فبين عامي ١٩٥٦ و٢٠٢٣، تعاقب على حكم السودان أربعة أنظمة عسكرية (عبود ١٩٥٨-١٩٦٤، نميري ١٩٦٩-١٩٨٥، البشير ١٩٨٩-٢٠١٩، البرهان ٢٠٢١-الآن) وثلاث فترات ديمقراطية هشّة (١٩٥٦-١٩٥٨، ١٩٦٤-١٩٦٩، ١٩٨٦-١٩٨٩)، وكلها انتهت إما بانقلاب عسكري أو بثورة شعبية، دون أن يتمكن أي نظام من تسليم السلطة سلمياً لخلفه عبر انتخابات حرة (De Waal، ٢٠١٥).

ثانياً: عرض أطروحة منصور خالد ومرتكزاتها الثلاثة

يمكن تلخيص جوهر أطروحة منصور خالد، كما استخلصها قراء الكتاب ومحلّلوه، في ثلاثة مرتكزات مترابطة (سنهوري، ٢٠٢٦؛ الأقباط متحدون، ٢٠٢٠). المرتكز الأول هو أن مشكلة السودان ليست مشكلة موارد أو إمكانات بشرية — فالسودان يمتلك مساحة زراعية شاسعة ومياهاً وفيرة من النيلين وكوادر متعلمة لا بأس بها منذ الاستقلال — بل مشكلة في طبيعة النخبة السياسية التي أدارت هذه الموارد. المرتكز الثاني هو أن هذه النخبة، سواء كانت أحزاباً طائفية كالأمة والاتحادي الديمقراطي، أو تيارات أيديولوجية كالشيوعيين والإسلاميين، أو مؤسسة عسكرية تدخلت مراراً، تعاملت مع الدولة بوصفها «غنيمة» تُقتسم بين المتنافسين لا مؤسسة عامة تخدم المجتمع (سنهوري، ٢٠٢٦). المرتكز الثالث هو أن هذه النخبة عجزت تحديداً عن إدارة التنوع العرقي والثقافي والديني الذي يميز السودان، فلجأت أحياناً إلى خطابات إقصائية زادت الهامش تهميشاً، وهو ما حذّر منصور خالد من أنه سيقود حتماً إلى انفجارات سياسية واجتماعية متتالية (سنهوري، ٢٠٢٦). ويضيف مراجعون للكتاب أن منصور خالد اتهم النخبة السودانية بأنها «خانت قضيتها» وأن السودان «قد يهلك، متخلى عنه من أبنائه» (مراجعة كتاب «الحكومة التي يستحقونها»، ١٩٩٠). سيرة الرجل نفسه تمنح هذه الأطروحة وزناً خاصاً: فقد شغل مناصب وزارية في عهد جعفر نميري (وزيراً للشباب ثم للخارجية بين ١٩٧١ و١٩٧٥)، ثم انشق ليصبح مستشاراً سياسياً لجون قرنق في الحركة الشعبية لتحرير السودان بعد ١٩٨٤، وشارك لاحقاً في هندسة اتفاقيات السلام التي أفضت إلى انفصال الجنوب عام ٢٠١١ (العربي الجديد، ٢٠٢٠؛ الجزيرة نت، ٢٠٠٤)، أي أنه كتب عن «إدمان الفشل» وهو شاهد عيان ومشارك فاعل في المشهد الذي ينتقده، وهو ما يمنح شهادته قيمة تجريبية مضاعفة، لكنه يفتح الباب أيضاً أمام سؤال مشروع عن الموقع الذي يتكلم منه الناقد نفسه (Sudan Horizon، ٢٠٢٦).

ثالثاً: الأدلة التاريخية الداعمة للأطروحة

حين نفحص التاريخ السياسي السوداني منذ الاستقلال عام ١٩٥٦ في ضوء معيار «تكرار النمط دون تعلّم»، نجد شواهد كثيرة تدعم أطروحة منصور خالد تجريبياً لا خطابياً فقط. فالسودان شهد ثلاثة انقلابات عسكرية ناجحة كبرى غيّرت نظام الحكم بالكامل: انقلاب إبراهيم عبود عام ١٩٥٨، وانقلاب جعفر نميري عام ١٩٦٩، وانقلاب عمر البشير عام ١٩٨٩، إضافة إلى انقلاب عبد الفتاح البرهان على الشراكة الانتقالية المدنية-العسكرية في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢١، ومحاولات انقلابية عديدة أخرى، وثورتين شعبيتين أطاحتا بحكم عسكري (١٩٦٤ و١٩٨٥) دون أن تتمكن أي منهما من ترسيخ حكم مدني مستقر يتجاوز فترة انتقالية قصيرة قبل أن تعود الدائرة إلى الانقلاب من جديد. هذا التكرار بالذات — لا وقوع انقلاب واحد، بل عودة النمط نفسه أكثر من أربع مرات عبر أكثر من سبعين عاماً — هو ما يمنح مفهوم «الإدمان» معناه الدقيق: ليس خطأً وقع مرة، بل سلوكاً بنيوياً تكرر رغم معرفة النخبة بعواقبه في كل مرة سابقة. وبالمثل، فإن الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، التي اندلعت أصلاً في مديرية الاستوائية عام ١٩٥٥ قبل الاستقلال الرسمي بعام واحد، ثم توقفت باتفاقية أديس أبابا ١٩٧٢، لتستأنف عام ١٩٨٣ بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان وتستمر حتى اتفاقية السلام الشامل عام ٢٠٠٥ (attaqa.net، ٢٠٢٢)، قبل أن ينتهي المسار كله بانفصال الجنوب عام ٢٠١١، تكشف عجزاً متكرراً عن حل معضلة الهوية الوطنية والتنوع التي أشار إليها منصور خالد صراحة. وأعقبت ذلك حرب دارفور منذ عام ٢٠٠٣ وحرب النيل الأزرق وجنوب كردفان، إذ ظلت النخبة المركزية في الخرطوم — بصرف النظر عن لونها الأيديولوجي، يسارياً كان أو إسلامياً أو ليبرالياً — تتعامل مع الأطراف بمنطق تفاوضي يشتري الوقت بدل أن يعيد صياغة العقد الوطني، وهو بالضبط ما وثّقه محمد سنهوري في قراءته للكتاب حين قال إن النخبة «لم تستطع الانتقال من مرحلة النضال ضد الاستعمار إلى مرحلة بناء الدولة» (سنهوري، ٢٠٢٦). ويضيف تحليل دوحي (٢٠٢٥) أن فشل النخبة في ترتيب أولويات بناء الدولة والأمة — قبل الاستقلال وبعده — هو ما سرّع الانزلاق نحو الحرب الشاملة في ٢٠٢٣ (Haroon، ٢٠٢٥).

رابعاً: الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة المحيطة بالأطروحة

بيد أن القوة التفسيرية لأطروحة «إدمان الفشل» أنتجت أيضاً تشويهات شائعة يجب تفكيكها بدقة منهجية. الأسطورة الأولى هي اختزال الأطروحة إلى حكم أخلاقي فردي («النخبة السودانية شريرة أو خائنة بطبعها») بدل قراءتها كتحليل بنيوي لآلية إعادة إنتاج السلطة؛ وهذا الاختزال يحوّل نصاً تحليلياً إلى شعار شعبوي يُستخدم أحياناً للتنصل من المسؤولية الجماعية بدل تحديدها. الأسطورة الثانية هي توظيف الكتاب لتبرئة فئة بعينها من النخبة (عسكريين أو مدنيين، إسلاميين أو علمانيين) على حساب فئة أخرى، بينما منصور خالد نفسه — رغم ما وُصف به من انحياز ضد الإسلاميين تحديداً (مراجعة قارئ، Goodreads) — وجّه نقده الأصلي إلى منظومة النخبة بمجملها لا إلى تيار بعينه. الأسطورة الثالثة، وهي الأخطر منهجياً، أن يُقرأ الكتاب كحكم قدري نهائي («السودان محكوم عليه بالفشل الأبدي»)، وهو استنتاج حتمي لا يسانده النص أصلاً، بل يناقض منطقه الداخلي القائم على أن الإدمان حالة يمكن الإقلاع عنها متى تغيّرت آليات تجديد النخبة. أما المعلومة المضللة الأبرز فتتعلق بموقع منصور خالد نفسه: فقد اتُّهم من قبل خصومه، وعلى رأسهم المؤرخ عبدالله علي إبراهيم في كتابه «…ومنصور خالد» (٢٠١٧)، بأنه لم يكن مجرد قريب من دوائر القرار الأمريكية بحكم دراسته وعمله في الأمم المتحدة واليونسكو، بل «عميل» لها (العربي الجديد، ٢٠٢٠) — وهذا الاتهام، الذي يظل غير مثبت بأدلة وثائقية علنية قاطعة حتى تاريخ كتابة هذا المقال، يوضح كيف تتحول معارك النخبة الفكرية نفسها إلى ساحة لتبادل اتهامات تفتقر أحياناً إلى الإسناد، بما يُنتج مفارقة لافتة: أن ناقد إدمان الفشل النخبوي أصبح هو نفسه موضوعاً لحرب سرديات نخبوية مضادة. وقد وثّق موقع «سودان هورايزن» (٢٠٢٦) هذا التناقض في تحليل بعنوان «من منصور خالد إلى عبدالله علي إبراهيم: حين صنعت نخبة السودان الأزمة ثم انتهت إلى صناعة نظريات عنها»، مشيراً إلى أن النقاش حول الكتاب تحوّل في كثير من الأحيان من تحليل بنيوي إلى تصفية حسابات شخصية بين أفراد النخبة ذاتها (Sudan Horizon، ٢٠٢٦).

خامساً: امتحان الأطروحة في ضوء حرب ٢٠٢٣ وما بعدها

تمنحنا حرب نيسان/أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مختبراً تجريبياً غير مسبوق لصلاحية أطروحة «إدمان الفشل» بعد أربعة عقود من صياغتها الأولى. فالبيانات المتاحة اليوم تُظهر أن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، بما يقارب ١٢ مليون نازح (بما في ذلك أكثر من ١١.٥ مليون نازح داخلي و٣.٧ مليون لاجئ وعائد في الدول المجاورة)، وأن أكثر من ٣٠ مليون شخص — أي نحو ثلاثة من كل خمسة سودانيين — بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وهو أعلى رقم مسجّل في تاريخ الاستجابة الإنسانية الحديثة لدولة واحدة (Development Action Platform، ٢٠٢٥؛ InfoMigrants، ٢٠٢٦). كما قُدّرت حصيلة القتلى بنحو ١٥٠ ألف شخص حتى حزيران/يونيو ٢٠٢٤ (AMES Australia، ٢٠٢٥)، بينما وثّقت قاعدة بيانات النزاعات المسلحة (ACLED) مقتل ما لا يقل عن ٤٤,٨٧٣ شخصاً بين ١٥ أبريل ٢٠٢٣ و١٩ سبتمبر ٢٠٢٥، مع الإقرار بأن الرقم الفعلي أعلى بكثير نظراً لصعوبة التوثيق في مناطق النزاع (Kornher، ٢٠٢٥). وأشار تقرير الأمم المتحدة لعام ٢٠٢٦ إلى أن الحرب أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ٥٩ ألف شخص ونزوح نحو ١٣ مليون شخص (The Independent، ٢٠٢٦). وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من ٤٢ في المئة منذ اندلاع الحرب، وتجاوز التضخم ١٧٠ في المئة، وامتد الفقر المدقع ليطال أكثر من ٧١ في المئة من السكان، مع دخول أكثر من ٦٠٠ ألف شخص في مستويات مجاعة كارثية وثمانية ملايين آخرين على حافة المجاعة (Small Wars Journal، ٢٠٢٦؛ Development Action Platform، ٢٠٢٥). هذه الحرب لم تكن قدراً خارجياً هبط على السودان، بل — وفق تحليل دوحي حديث — امتداداً لفشل النخبة السودانية، ما قبل الاستقلال وما بعده، في ترتيب أولويات بناء الدولة والأمة، وهو ما سرّع الانزلاق نحو الحرب (Haroon، ٢٠٢٥). كذلك تُظهر دراسة حديثة عن «فشل الدولة واستحواذ النخبة على النظام الغذائي الزراعي» في السودان أن الحروب الفاشلة غالباً ما تنشأ من انهيار «التسوية السياسية» — أي التوزيع الضمني للسلطة بين النخب الحاكمة — وهي فرضية تتقاطع بدقة مع تشخيص منصور خالد القائل بأن النخبة تتعامل مع الدولة كغنيمة تُقتسم لا كمؤسسة تُدار (Resnick et al.، ٢٠٢٦). بعبارة أخرى: الحرب الحالية بين جيش نظامي وميليشيا نشأت أصلاً من رحم الدولة ذاتها (قوات الدعم السريع تطورت من ميليشيات الجنجويد التي استخدمتها النخبة الحاكمة سابقاً في دارفور) هي أفصح مثال على «تكرار النمط»: نخبة مركزية تستعين بقوة موازية لحل أزمة سياسية آنية، فتتحول تلك القوة لاحقاً إلى منافس مسلح على السلطة نفسها — وهذا بالضبط الحلقة المفرغة التي حذّر منها منصور خالد قبل أربعين عاماً. غير أن الأمانة المنهجية تقتضي، كما سيفصّل القسم التالي بالتفصيل، ألا يُختزل تفسير هذه الحرب في «سلوك النخبة» وحده، فثمة عوامل أخرى بنيوية وخارجية لعبت دوراً حاسماً لا يقل أهمية.

سادساً: العوامل الأخرى المسببة لأزمات السودان، غير فشل النخبة

يقتضي البحث العلمي المنضبط ألا يتوقف عند تفسير واحد مهما بلغت قوته التفسيرية، بل أن يمسح بدقة وشمول العوامل الأخرى المتفاعلة معه. وتتوزع هذه العوامل، بحسب الأدبيات المتخصصة، على خمسة محاور رئيسية.

المحور الأول: الإرث الاستعماري وهندسة الحدود والهويات. لم تُبنَ الدولة السودانية الحديثة من رحم تطور داخلي عضوي، بل رسمها الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري (١٨٩٩-١٩٥٦) بحدود إدارية جمعت قسراً بين مكونات عرقية ودينية وثقافية شديدة التباين — عرب مسلمون في الشمال والوسط، وأفارقة مسيحيون وأصحاب معتقدات محلية في الجنوب، وقبائل عربية وأفريقية متداخلة في دارفور وكردفان — دون أن يرافق ذلك مشروع دمج وطني حقيقي. بل إن الإدارة الاستعمارية اعتمدت سياسة «الحكم غير المباشر» (Indirect Rule) التي كرّست الفوارق الإثنية والجهوية عبر تفويض السلطة المحلية لزعامات قبلية وطائفية بعينها، وهو ما أنتج بنية سياسية ما بعد استقلالية ورثت هذه الانقسامات جاهزة دون أن تملك النخبة الوطنية الناشئة عام ١٩٥٦ الوقت أو الأدوات لإعادة صياغتها. ويوضح تحليل تاريخي أن بريطانيا اتبعت سياسة «فرّق تسد» على مستويين: فصلت بين الشمال والجنوب عبر «السياسة الجنوبية» التي منعت دخول الإسلام واللغة العربية إلى الجنوب، بينما قسّمت الجنوب نفسه إلى مئات المشيخات الأهلية الصغيرة عبر «الإدارة الأهلية»، مما أضعف أي هوية وطنية جامعة قبل الاستقلال (Country Studies، ١٩٩١). بل إن الحدود الاستعمارية بين الشمال والجنوب لم تُراعِ الانتماءات القبلية، إذ حرصت بريطانيا في بعض الحالات على تقسيم القبيلة الواحدة بين المحافظات لتسهيل السيطرة الإدارية، مع جمع قبائل متنافسة داخل الوحدة الإدارية نفسها (USC Spatial Sciences، ٢٠١٠). هذا الإرث ليس مسؤولية النخبة الوطنية اللاحقة بقدر ما هو شرط تاريخي بنيوي سبقها وقيّد خياراتها منذ اللحظة الأولى؛ ومما يعزز هذا التحليل أن دراسات أزمة دارفور تُرجع جانباً كبيراً من جذور الصراع فيها إلى «دور الاستعمارين القديم والحديث في التأسيس للصراع وتعميقه»، بما في ذلك حصر تعريف الصراع بمحور الشمال-الجنوب وتصويره كصراع عرقي بين «عرب» و«سود» بما يحجب مسألة الأرض والموارد التي كانت جوهر النزاع الفعلي (Goodreads، مراجعة كتاب «دارفور: منقذون وناجون»، ٢٠٠٩).

المحور الثاني: التدخلات الإقليمية والدولية المباشرة في تأجيج الحرب الراهنة. لا يمكن فهم استمرار حرب ٢٠٢٣ وضراوتها بمعزل عن الدعم الخارجي الذي تلقاه طرفا النزاع. فقد خلصت بعثة تقصي حقائق دولية تابعة للأمم المتحدة إلى وجود «أسباب معقولة للاعتقاد» بأن أفراداً وكيانات تعمل من الإمارات العربية المتحدة أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها قامت بأدوار مهمة في شبكات تجنيد وتمويل ونقل ونشر متعاقدين عسكريين أجانب، وفي تقديم دعم عسكري استفادت منه قوات الدعم السريع (Masr360، ٢٠٢٦). وأكد تحقيق أممي لاحق، نُشر في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٦، أن شبكة عابرة للحدود تضم أفراداً وكيانات في الإمارات وتشاد وكولومبيا وليبيا والصومال زوّدت قوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات العسكرية والتدريب والأفراد الأجانب (The Independent، ٢٠٢٦). وأفادت تقارير أن الإمارات استخدمت ثقلها الدبلوماسي في مجلس الأمن لعرقلة وصول تقرير خبراء رسمي عن خطوط تدفق الأسلحة هذه إلى لجنة العقوبات الأممية (Horizons، ٢٠٢٦)، بينما اتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الإمارات بتسهيل نشر متعاقدين عسكريين كولومبيين لدعم قوات الدعم السريع، بعد أن تلقوا تدريباً في قواعد عسكرية إماراتية (Addis Standard، ٢٠٢٦). ولم تقتصر هذه الشبكات على الأسلحة فحسب، بل امتدت إلى تهريب الذهب: فوفق إحصاءات منظمة «سويس إيد» السويسرية، استوردت الإمارات ٢٩ طناً من الذهب مباشرة من السودان في عام ٢٠٢٤، ارتفاعاً من ١٧ طناً في ٢٠٢٣ (أي بزيادة ٧٠ في المئة)، إضافة إلى كميات كبيرة عبر دول وسيطة كتشاد (١٨ طناً) وليبيا (٩ أطنان) ومصر (٢٧ طناً)، وهي دول تعمل كـ«نقاط خروج» للذهب الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع (Swissaid، ٢٠٢٥). وتُقدَّر قيمة الذهب المسروق خلال الحرب بنحو ١٠٠ مليون دولار على الأقل، بعد أن سيطرت الجماعات المسلحة على مصفاة الذهب الحكومية والبنك المركزي في الخرطوم وهرّبت المعدن عبر الحدود (Business Insider Africa، ٢٠٢٦). ورغم هذه الأدلة الموثقة أممياً، لم تُفرض حتى تاريخه أي عقوبة على مسؤول إماراتي بعينه، ولم يُمارَس ضغط فعّال لوقف تدفق الذهب المهرّب أو السلاح، بينما ظلت مؤسسات دولية، بما فيها مجلس الأمن، «مشلولة تتحجّج كثيراً بالتجاذبات الجيوسياسية وغياب الوضوح» (alsifr.org، ٢٠٢٦). وقد شهدت محاولات الوساطة الدولية نفسها هذا الإخفاق بوضوح: فمعاهدة جدة الموقعة في ٢٠ أيار/مايو ٢٠٢٣ برعاية أمريكية-سعودية، والتي كان يُفترض أن تُنهي القتال، انهارت خلال أيام معدودة بعد أن استؤنفت الاشتباكات الواسعة في ٢٣ أيار/مايو، لتُعلَّق المعاهدة رسمياً في الأول من حزيران/يونيو من العام نفسه إثر خروقات متكررة. هذا الفشل التفاوضي السريع يوضح أن الأزمة تجاوزت في جوهرها حدود قدرة النخبة السودانية وحدها على الحل، إذ باتت القرارات السيادية الجوهرية — كمنع دخول السلاح عبر الحدود أو التحكم في الموارد الاستراتيجية — خارج قبضة أي طرف سوداني، حكومياً كان أو معارضاً، وتحولت قوات الدعم السريع بفعل هذا الإسناد الخارجي إلى قوة عسكرية موازية للجيش تستقوي برعاتها الإقليميين لا بقاعدتها الداخلية وحدها (عربي٢١، ٢٠٢٥).

المحور الثالث: البنية الاقتصادية الريعية وانهيارها البنيوي. شكّل فقدان السودان لعائدات النفط، التي كانت تمثل نحو ٣٦ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل انفصال الجنوب في تموز/يوليو ٢٠١١ (الجزيرة، ٢٠١١)، صدمة اقتصادية بنيوية لم تستطع الحكومة المركزية استيعابها. فقد خسر السودان نحو ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي، ونصف إيراداته الحكومية، ونحو ثلثي احتياطاته من العملة الصعبة (Carnegie Endowment، ٢٠١٣)، وتراجعت صادرات النفط من ١٦.٧ في المئة و١٣.٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عامي ٢٠١٠ و٢٠١١ على التوالي، إلى ٣.٣ في المئة فقط في عام ٢٠١٢ (OECD، ٢٠١٣)، بينما مثّل النفط نحو ٩٠ في المئة من إجمالي صادرات السودان قبل الانفصال (UNESCWA، ٢٠١١). ولم تكن هناك استراتيجية استباقية جادة لتنويع مصادر الدخل رغم تحذيرات متكررة من اقتصاديين مطلعين أدركوا مسبقاً رغبة الجنوبيين الراسخة في الانفصال (الجزيرة، ٢٠١١). وحاول السودان لاحقاً سد هذه الفجوة عبر اقتصاد الذهب، لكن هذا القطاع تحول بدوره إلى ساحة تنافس مسلح لا مصدر استقرار، حيث قُدّرت الخسائر المباشرة الناجمة عن الصراع بين قيادة الدعم السريع والجيش على عائدات الذهب وحدها بمليارَي دولار (عربي بوست، ٢٠٢٣)، فضلاً عن تهريب واسع لهذا الذهب عبر شبكات إقليمية تصل حتى أبوظبي (عربي٢١، ٢٠٢٥). ورافق ذلك انهيار متسارع لقيمة الجنيه السوداني، الذي تراجع من أقل من ٤٠ جنيهاً مقابل الدولار قبل عام ٢٠١١ إلى نحو ٤٥٠ جنيهاً في عهد الحكومة الانتقالية عام ٢٠٢١، ثم فقد نحو ٤٠ في المئة إضافية من قيمته خلال خمسة أشهر فقط عقب انقلاب تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢١ (المجلة، ٢٠٢١)، في حلقة تضخمية غذّت بدورها السوق السوداء والتهريب عبر الحدود وأضعفت أي قدرة للدولة على تمويل خدماتها الأساسية أو ضبط اقتصادها الحربي. ولمعالجة هذا الخلل، تحتاج البلاد إلى إصلاحات اقتصادية ومؤسسية هيكلية وعميقة لإيجاد مصادر جديدة للنمو تعوّض عائدات النفط، مع تحسين أنماط الحوكمة في تدبير الموارد وتوزيعها بين الفئات الاجتماعية والأقاليم (Carnegie Endowment، ٢٠١٣). هذه العوامل الاقتصادية البحتة — لا سلوك النخبة وحده — هي ما يفسر جانباً كبيراً من هشاشة الدولة السودانية بنيوياً حتى قبل اندلاع القتال المباشر عام ٢٠٢٣.

المحور الرابع: التهميش الإقليمي والهوية الإثنية كديناميكية مستقلة نسبياً. يشير الباحث عبده مختار موسى إلى أن مفهوم التهميش (marginalization) في السودان تجاوز الدلالة الكلاسيكية لعدم المساواة الاقتصادية ليشمل حالات معقدة ناتجة عن تحولات بنيوية أعمق في علاقة المركز بالأطراف (موسى، ٢٠١٠). ويقع إقليم دارفور، الذي تبلغ مساحته نحو ٥١٠ آلاف و٨٨٨ كيلومتراً مربعاً ويسكنه نحو ٩.٥ ملايين نسمة من قبائل الفور والمساليت والزغاوة والرزيقات والداجو (الجزيرة، ٢٠٢٦)، في قلب هذه الديناميكية: فرغم غناه بموارد زراعية وتعدينية ورعوية هائلة، عانى عقوداً من الإهمال المتراكم من الحكومات المركزية المتعاقبة، وهو ما أوصله إلى حالة من التخلف والفقر أسهمت في انفجار الصراع المسلح فيه منذ عام ٢٠٠٣ (abjjad.com). وقد اندلعت شرارة التمرد في دارفور في فبراير/شباط ٢٠٠٣، حين هاجمت مجموعتان متمردتان هما «حركة تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة» منشآت حكومية ومراكز شرطة، احتجاجاً على تهميش مزمن واتفاقات سلام ثنائية (شمال-جنوب) استبعدت دارفور من تقاسم السلطة والموارد، خصوصاً عائدات النفط (NYT/CFR، ٢٠٠٦). وقد وثّق «الكتاب الأسود»، الذي وزّعه ناشطون من دارفور والشرق مطلع الألفية، بالأرقام كيفية احتكار عدد محدود من القبائل والأسر في وسط السودان لغالبية المناصب الوزارية والسيادية منذ الاستقلال، وهو ما رسّخ شعوراً تراكمياً بالحرمان لدى الأطراف تجاوز في تأثيره أي قرار سياسي عابر لنخبة بعينها. والأخطر أن التصنيف الهوياتي في دارفور تحول تدريجياً، بحسب تحليل ميداني، من نزاع أصلي حول الأرض والموارد بين مزارعين مستقرين ورعاة رحّل إلى ثنائية متخيّلة بين «السودان الإفريقي» و«السودان العربي» لم يعرفها المجتمع المحلي التقليدي إلا بعد أن أنتجتها الدولة الحديثة عبر تسليحها لمليشيات الجنجويد، وهي في جوهرها إعادة تدوير لتحالفات بدوية قديمة تشكلت ملامحها منذ أواخر الثمانينيات (Echorouk، ٢٠٢٦)، أي أن الأيديولوجيا الإثنية هنا نتاج تفاعل الدولة مع البنية الاجتماعية القائمة أصلاً لا اختراعاً نخبوياً بحتاً. بل إن سياسات التمييز ضد المزارعين غير العرب في دارفور فاقمت من آثار الفقر وتناقص الأراضي والمياه وتزايد انعدام الأمن والتوترات الإثنية، بحيث تحوّلت المنافسة على الموارد في المناطق الغربية الخصبة إلى محرك رئيسي لعنف الجنجويد بعد عام ٢٠٠٣ (IFRI، ٢٠٠٤).

المحور الخامس: التغير المناخي والتنافس على الموارد الطبيعية. يشكل التصحر وتراجع الأمطار في الحزام الساحلي الذي يضم دارفور وكردفان عاملاً بيئياً متصاعداً ضاعف من حدة التنافس التقليدي بين المزارعين المستقرين والرعاة الرحّل على الأرض ومصادر المياه، وهو تنافس تفاقم مع تراكم الإفقار وانسداد الأفق السياسي في المنطقة (Echorouk، ٢٠٢٦). وتُظهر بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن درجات الحرارة في السودان ارتفعت بما بين ٠.٨ و١.٦ درجة مئوية منذ الستينيات، وأن الأمطار في دارفور تراجعت بما بين ١٠ و٣٠ مليمتراً لكل عقد خلال موسم الأمطار، مع توقعات بارتفاع إضافي في درجات الحرارة يتراوح بين ٠.٥ و٣ درجات مئوية بحلول عام ٢٠٥٠ وتراجع مستمر في معدلات الأمطار (UNEP، ٢٠٢٢). ويصنَّف السودان رابع أكثر دول العالم تأثراً بالتغير المناخي من بين ١٨٦ دولة، مع احتياجات تقدّر بنحو ٢.٥ مليار دولار سنوياً للتكيف مع آثاره (Dabanga، ٢٠٢٦). وقد أدى الجفاف وتوسع التصحر جنوباً إلى تقلص قاعدة الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها سبل عيش المزارعين والرعاة، مما زاد من التنافس على الأرض والمياه ودفع المزارعين إلى إنتاجية أدنى والرعاة إلى فقدان مصادر مياههم ومراعيهم التقليدية (UNEP، ٢٠٢٢). وبحسب دراسة منشورة في دورية «إم دي بي آي» العلمية، فإن الصراع في دارفور، الذي نشب في مطلع القرن الحادي والعشرين، يمثل أزمة متعددة الأوجه تغذيها عوامل اجتماعية-سياسية وبيئية، مع لعب ندرة الموارد — التي فاقمها التغير المناخي — دوراً محورياً في تأجيج التوترات بين المجتمعات الزراعية والرعوية (MDPI، ٢٠٢٤). هذا البعد البيئي، الذي توثقه دراسات فض النزاعات في منطقة الساحل الأفريقي عموماً، يذكّرنا بأن بعض جذور الأزمة السودانية تسبق أي قرار نخبوي بعينه، وترتبط بديناميكيات بيئية وديموغرافية يصعب أن تُنسب مباشرة إلى «إدمان» سياسي بعينه، وإن كانت طريقة إدارة الدولة لهذا التنافس — عبر التسليح بدل الوساطة والتنمية — تعيدنا مجدداً إلى مسؤولية النخبة في التعامل مع نتائج هذا العامل الهيكلي.

سابعاً: المقارنة بين دور فشل النخبة ودور العوامل الأخرى في أزمات السودان

بعد أن عرضنا بالتفصيل مرتكزات أطروحة «إدمان الفشل النخبوي» واستعرضنا العوامل الخمسة الأخرى المسببة للأزمات السودانية، يبرز سؤال منهجي جوهري: كيف نقارن بين دور فشل النخبة ودور هذه العوامل الأخرى؟ وكيف نزن الأهمية النسبية لكل منها في تفسير أزمات السودان المتكررة؟ للإجابة على هذا السؤال، يجب أولاً التمييز بين مستويين تحليليين: مستوى العوامل البنيوية العميقة (Deep Structural Factors) ومستوى العوامل الفاعلة المباشرة (Proximate Actors). العوامل البنيوية — كالإرث الاستعماري، والتغير المناخي، والموقع الجغرافي، والبنية الاقتصادية الريعية — تعمل على المدى الطويل، وهي في جوهرها شروط مسبقة تخلق بيئة هشّة قابلة للانفجار، لكنها لا تنتج الأزمات بمفردها، إذ تظل كامنة أو مُدارة إذا وُجدت مؤسسات قادرة على الوساطة والتنمية. أما النخبة، بوصفها الفاعل المباشر الذي يتخذ القرارات، فهي التي تحوّل هذه الشروط البنيوية إلى أزمات فعلية أو تنجح في احتوائها. بعبارة أخرى: الإرث الاستعماري والتغير المناخي والبنية الريعية هي «المسرح» الذي تجري عليه الأحداث، بينما النخبة هي «الممثل» الذي يقرر كيف يستخدم هذا المسرح. وبالتالي، فإن المقارنة بين دور فشل النخبة ودور العوامل الأخرى ليست مقارنة بين بدائل متنافسة، بل بين طبقات متداخلة من السببية.

ولتوضيح هذه المقارنة بمثال محدد، لنأخذ حرب دارفور عام ٢٠٠٣: كان التهميش الاقتصادي والتغير المناخي عاملين بنيويين خلقا أرضية الصراع، لكن القرار النخبوي بتسليح ميليشيات الجنجويد واستخدامها كقوة موازية هو ما حوّل نزاعاً على الموارد بين مزارعين ورعاة إلى حملة إبادة جماعية أسفرت عن مقتل ما يقدر بنحو ٣٠٠ ألف شخص ونزوح أكثر من ٢.٥ مليون (UN، ٢٠٠٤). هنا نرى بوضوح أن العوامل البنيوية كانت شرطاً ضرورياً لكن غير كافٍ للانفجار، في حين أن القرار النخبوي كان الشرط الكافي الذي أطلق العنف واسع النطاق. وبالمثل، في حرب ٢٠٢٣: كان للتدخل الإقليمي الإماراتي دور حاسم في تسليح قوات الدعم السريع واستدامة قدرتها القتالية، لكن هذا التدخل نفسه لم يكن ليجد مدخلاً لولا القرار النخبوي السابق بتشكيل قوات الدعم السريع أصلاً كقوة موازية للجيش، وهو قرار اتخذته النخبة الحاكمة في الخرطوم خلال العقد الأول من الألفية. فالتدخل الخارجي استغل انقساماً نخبوياً صنعته النخبة نفسها.

ومع ذلك، فإن الأمانة المنهجية تقتضي الاعتراف بأن هناك حالات تراجعت فيها مسؤولية النخبة نسبياً لصالح العوامل البنيوية. فالتغير المناخي في دارفور، على سبيل المثال، ظاهرة عالمية لا يمكن إلقاء مسؤوليتها على نخبة بعينها، وإن كانت الاستجابة النخبوية لها — بالتسليح بدل التنمية والوساطة — هي ما حوّلها إلى صراع مسلح. وبالمثل، فإن الإرث الاستعماري الذي رسم الحدود وجمّد الهويات الإثنية سبق وجود النخبة الوطنية، ومع ذلك كان يمكن للنخبة أن تتجاوز هذا الإرث لو توفّرت إرادة سياسية حقيقية، كما فعلت دول أخرى خرجت من استعمار مماثل وبنت دولاً قادرة على إدارة التنوع. فما يميز الحالة السودانية ليس وجود هذه العوامل البنيوية — فهي مشتركة بين كثير من الدول الأفريقية — بل فشل النخبة المزمن في إدارتها.

وهنا يبرز سؤال حاسم: هل يمكن تصور أن السودان كان سينجو من هذه الأزمات لو تغيّرت نخبته دون تغيير العوامل البنيوية؟ الإجابة على هذا السؤال هي جوهر المقارنة. الأدلة المتاحة تشير إلى أن تغيير النخبة وحده غير كافٍ، لكنه شرط ضروري. فلو جاءت نخبة جديدة بعد ٢٠١٩ ببرنامج إصلاحي جذري يتجاوز منطق الغنيمة ويتعامل مع الأطراف على أساس الشراكة الحقيقية ويواجه الإرث الاستعماري بالبناء المؤسسي لا بالإقصاء — لكان من الممكن تجنب الانزلاق إلى الحرب. لكن هذا يتطلب أيضاً مواجهة العوامل البنيوية الأخرى: سياسات اقتصادية لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الريع الأحادي، ومؤسسات لامركزية حقيقية تعالج التهميش التاريخي، واستراتيجيات وطنية للتكيف مع التغير المناخي، وآليات إقليمية ودولية لضبط تدفقات السلاح والعمل على وقف التدخلات الخارجية. بعبارة أخرى: أطروحة منصور خالد تبقى صحيحة في جوهرها المنهجي — أن سلوك النخبة هو الحلقة التي تحوّل العوامل البنيوية الموروثة والخارجية إلى أزمات فعلية متكررة — لكنها تصبح مضللة إذا استُخدمت لتجاهل هذه العوامل الأخرى بوصفها مجرد خلفية ثانوية.

ويمكن ترتيب الوزن النسبي للعوامل في أزمات السودان وفق ثلاثة مستويات تحليلية. المستوى الأول هو النخبة: تشكّل «الصمام» أو «المُشغّل» الذي يقرر تحويل الإمكانات السلبية إلى أزمات فعلية، ولا يمكن فهم أي أزمة سودانية كبرى دون تحليل القرارات النخبوية التي سبقتها. المستوى الثاني هو العوامل البنيوية الداخلية (الإرث الاستعماري، التهميش، التغير المناخي، البنية الريعية): تشكل «الأرضية» أو «القابلية» للانفجار، وهي شروط ضرورية لكنها لا تكفي وحدها. المستوى الثالث هو العوامل الخارجية (التدخلات الإقليمية والدولية): تشكل «المُعجّل» أو «المُضاعِف» الذي يمدّ الأزمة بالوقود والموارد ويطيل أمدها، لكنه لا يخلقها من العدم. هذا الترتيب ليس ترتيباً هرمياً للتحميل الأخلاقي للمسؤولية — فجميع المستويات تتحمل مسؤولية متقاطعة — بل ترتيب سببي يُظهر أن النخبة هي الحلقة التي تربط بين المستويين الآخرين، وأن إصلاحها شرط لا غنى عنه لأي حل مستدام، مع ضرورة معالجة العوامل البنيوية والخارجية في الوقت نفسه، لأن معالجة سلوك النخبة وحده دون معالجة هذه العوامل لن تكسر حلقة التكرار، بل ستعيد إنتاجها بأشكال جديدة.

ثامناً: الدروس المستفادة الواقعية والقابلة للتنفيذ لسودان ما بعد الحرب

استناداً إلى هذا التحليل المركّب، يمكن استخلاص دروس عملية تتجاوز مجرد إصلاح سلوك النخبة إلى معالجة العوامل البنيوية المتشابكة معها. الدرس الأول هو أن كسر «حلقة الإدمان» يتطلب آلية مؤسسية حقيقية لتجديد النخبة لا مجرد تغيير الوجوه، عبر انتخابات محلية ولامركزية تفتح الطريق أمام قيادات من الأطراف والهامش، مصحوبة بتفويض حقيقي للصلاحيات والموارد لا شكلياً فقط (Small Wars Journal، ٢٠٢٦)؛ وهذا يعالج مباشرة الإرث الاستعماري القائم على مركزية السلطة. الدرس الثاني هو أولوية تقديم الخدمات الأساسية المرئية في كل الأقاليم بالتساوي، لا في الخرطوم وحدها، لمعالجة تراكم التهميش التاريخي في دارفور والشرق والجنوب (Small Wars Journal، ٢٠٢٦). الدرس الثالث هو ضرورة التعامل مع إصلاح القطاع الأمني بوصفه قضية سياسية بامتياز لا مسألة تقنية، بحيث يشمل دمج أو تفكيك قوات الدعم السريع تسوية سياسية شاملة تعالج جذور نشوء الميليشيات الموازية أصلاً، بدل الاكتفاء بحلول أمنية مؤقتة (Small Wars Journal، ٢٠٢٦). الدرس الرابع هو جعل ملف الرقابة الدولية على تدفقات السلاح والذهب عبر الحدود أولوية تفاوضية لا تفصيلاً هامشياً، بحيث تُفرض آليات مساءلة حقيقية على الأطراف الإقليمية الداعمة لأي من طرفي الصراع، تفعيلاً لما وثقته بعثات تقصي الحقائق الأممية نفسها (Masr360، ٢٠٢٦؛ عرب٤٨، ٢٠٢٦). الدرس الخامس هو بناء استراتيجية تنويع اقتصادي حقيقية تحرر الاقتصاد السوداني من الاعتماد الأحادي على ريع مورد واحد (النفط أمس، الذهب اليوم)، عبر تطوير القطاعين الزراعي والحيواني اللذين أهملا تاريخياً رغم الإمكانات الهائلة (الجزيرة، ٢٠١١)، بما يقلل من حوافز النخبة والقوى الخارجية على السواء للتصارع حول ريع مركّز. الدرس السادس هو جعل العدالة الانتقالية أولوية عاجلة لا مؤجلة، خاصة حقوق النساء والناجين، لأن تأجيل المحاسبة في كل جولة سودانية سابقة كان أحد أسباب تكرار العنف السياسي دون رادع حقيقي (Small Wars Journal، ٢٠٢٦). الدرس السابع، وهو الأقرب لصميم أطروحة منصور خالد، هو أن أي إطار لإعادة الإعمار الاقتصادي يجب أن يُبنى على تسوية سياسية جديدة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والنخبة بحيث لا تُدار الموارد بعد الحرب بمنطق الغنيمة نفسه الذي أشعلها أصلاً، بل بمنطق مؤسسي شفاف قابل للمساءلة (Elbadawi et al.، ٢٠٢٣؛ اللجنة الاقتصادية لأفريقيا، ٢٠٢٤). أما الدرس الثامن فيتعلق مباشرة بالتغير المناخي: إدماج برامج إدارة النزاع على الموارد الطبيعية (الأرض والمياه والمراعي) ضمن أي خطة تنموية للأطراف، بدل ترك هذا التنافس ليتحول من جديد إلى صراع مسلح كما حدث في دارفور. والدرس التاسع هو ضرورة الاعتراف بأن أي حل مستدام يتطلب معالجة متزامنة لجميع المستويات الثلاثة — النخبة والعوامل البنيوية والتدخلات الخارجية — إذ لا يمكن إصلاح النخبة في فراغ اقتصادي منهار وتدخلات خارجية مفتوحة، كما لا يمكن معالجة البنية الاقتصادية دون نخبة ملتزمة بالإصلاح، ولا يمكن ضبط التدخلات الخارجية دون دولة سودانية قادرة على فرض سيادتها على مواردها وحدودها.

خاتمة نقدية

تبقى أطروحة منصور خالد عن «إدمان الفشل» أداة تحليلية قوية لفهم النمط المتكرر في تاريخ النخبة السودانية، ومدخلاً ضرورياً — لا كافياً وحده — لفهم حرب ٢٠٢٣ وما سبقها من أزمات. فالقراءة المتأنية للأدلة تكشف أن الحرب الراهنة نتاج تقاطع خمسة عوامل بنيوية مستقلة نسبياً عن سلوك النخبة — الإرث الاستعماري، التدخل الإقليمي والدولي، البنية الاقتصادية الريعية المنهارة، التهميش الإقليمي والهوية الإثنية، والتغير المناخي — مع سلوك نخبوي متكرر فشل مراراً في تحويل هذه العوامل إلى فرص للدمج الوطني بدل أن يديرها بمنطق الإقصاء والتسليح والغنيمة. القيمة الحقيقية لأطروحة منصور خالد تكمن في كونها تحوّل السؤال من «من المسؤول عن هذه الكارثة؟» — سؤال يستدعي غالباً تبادل الاتهامات بين فصائل النخبة نفسها أو إلقاء اللوم كاملاً على أطراف خارجية — إلى سؤال أكثر إنتاجية: «ما الآليات البنيوية، الداخلية منها والخارجية، التي تجعل النخبة السودانية تعيد إنتاج أزماتها جيلاً بعد جيل، وكيف يمكن كسرها فعلياً معاً؟». والإجابة على هذا السؤال المركّب، كما تُظهر الدروس المستخلصة أعلاه، لا تكمن في انتظار أن «تتوب» النخبة القائمة عن إدمانها وحدها، بل في إعادة هندسة مؤسسية جذرية تشمل تجديد آليات السلطة، ومعالجة الاقتصاد الريعي، وضبط التدخل الخارجي، وإنصاف الأطراف المهمشة، والتكيف مع الضغط البيئي المتصاعد — بحيث يصبح تكرار النمط القديم مكلفاً سياسياً ومؤسسياً وإقليمياً بما يكفي لردع أي نخبة قادمة، جديدة كانت أم قديمة، عن السير على الدرب ذاته. وفي هذا المعنى المركّب وحده، يظل كتاب منصور خالد أقرب إلى مرآة تعكس أخطاء الماضي منه إلى نبوءة تحكم على مستقبل لم يُكتب بعد. ذلك أن السودان، رغم كل ما قيل عن «إدمان الفشل»، يظل بلداً يملك من الموارد البشرية والطبيعية ما يكفي لبناء دولة قادرة على إدارة تنوعها بشراكة لا بإقصاء، وبمؤسسات لا بغنائم — لكن ذلك يقتضي الإقلاع الجماعي، لا الفردي، عن إدمان طويل الأمد أضرّ بالنخبة والمجتمع على حد سواء.

المراجع

Attaqa. نفط السودان.. ضحية الأزمات السياسية [الإنترنت]. ٢٠٢٢ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: attaqa.net

الأقباط متحدون. د. منصور خالد النخب السودانية وإدمان الفشل [الإنترنت]. ٢٠٢٠ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: copts-united.com

الجزيرة نت. هل يسد الذهب فجوة النفط بالسودان؟ [الإنترنت]. ٢٠١١ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: aljazeera.net

الجزيرة نت. منصور خالد [الإنترنت]. ٢٠٠٤ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: aljazeera.net

الجزيرة نت. إذا انفصل إقليم دارفور فستقع هذه الكوارث الست عربيا وأفريقيا [الإنترنت]. ٢٠٢٦ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: aljazeera.net

اللجنة الاقتصادية الأفريقية للأمم المتحدة. التخطيط لإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاع في السودان: إطار عمل ودروس من التجارب الدولية. ديسمبر ٢٠٢٤.

المجلة. السودان… أرقام اقتصادية مرعبة [الإنترنت]. ٢٠٢١ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: majalla.com

النيلين. بعد أن رأى في النخبة السودانية “الفشل”، يعود السياسي منصور خالد لينعتهم بالكاذبين [الإنترنت]. ٢٠١٨ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: alnilin.com

إبراهيم، عبدالله علي. …ومنصور خالد. الخرطوم: دار نشر غير محددة؛ ٢٠١٧.

خالد، منصور. النخبة السودانية وإدمان الفشل. الطبعة الأولى. القاهرة/الخرطوم: دار نشر غير محددة؛ ١٩٩٣.

سنهوري، محمد. «النخبة السودانية وإدمان الفشل»… تشريحٌ فكري لمرض السياسة السودانية [الإنترنت]. سودانايل. ٢٠٢٦ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: sudanile.com

صفر.الأرض.العمل.رأس المال. الإمبريالية الفرعية للإمارات في السودان [الإنترنت]. ٢٠٢٦ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: alsifr.org

عربي بوست. أضاعا ملياري دولار من عائدات الذهب.. الأثر المدمر لصراع حميدتي والبرهان على الاقتصاد السوداني [الإنترنت]. ٢٠٢٣ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: arabicpost.net

عربي٢١. الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع.. كيف غيّر مسار الحرب ودمّر اقتصاد السودان؟ [الإنترنت]. ٢٠٢٥ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: arabi21.com

عرب٤٨. تحقيق أممي: الدعم الخارجي والمسيّرات يؤججان حرب السودان [الإنترنت]. ٢٠٢٦ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: arab48.com

مصر٣٦٠. الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع.. خريطة السلاح والمرتزقة في السودان [الإنترنت]. ٢٠٢٦ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: masr360.net

موسى، عبده مختار. أثر التهميش على الاستقرار السياسي في السودان: حالة أزمة دارفور. مجلة السياسة الدولية. مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة. العدد ٢١٨. أكتوبر ٢٠١٠.

العربي الجديد. رحيل منصور خالد صاحب “النخبة السودانية وإدمان الفشل” [الإنترنت]. ٢٠٢٠ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: alaraby.co.uk

الإيكوروك أونلاين. دارفور: جذور المأساة [الإنترنت]. ٢٠٢٦ [تاريخ الاطلاع: ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦]. متاح على: echoroukonline.com

Addis Standard. Rights group reveals Colombian fighters linked to atrocities in Sudan trained at UAE military bases, urges sanctions over RSF support [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: addisstandard.com

Business Insider Africa. The ‘largest gold heists in history’ worth around $100m came from one of Africa’s bloodiest wars, with the UAE allegedly at the center [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: africa.businessinsider.com

Carnegie Endowment for International Peace. أزمة اقتصاد السودان وكرة الثلج منذ انفصال الجنوب [Internet]. 2013 [cited 2026 Sep 26]. Available from: carnegieendowment.org

Country Studies. Sudan – The Society and Its Environment [Internet]. [cited 2026 Sep 26]. Available from: country-studies.com

Dabanga Radio TV Online. Sudan 4th among 186 countries most affected by climate change [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: dabangasudan.org

De Waal A. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Cambridge: Polity Press; 2015.

Development Action Platform. Sudan Crisis, Two Years On – Public Report April 2025 [Internet]. 2025 [cited 2026 Sep 26]. Available from: dev.developmentactionrefugees.org

Elbadawi I, Amin M, Elobaid A, Alhelo A, Osman A, Suliman K. Post-Conflict Reconstruction, Stabilization, and Growth Agenda for Sudan. Economic Research Forum Working Paper No. 1662. 2023.

Haroon M. The Forest for the Trees: The 15 April 2023 War and the Challenge of Nation-Building and State-Building in Sudan. Siyasat Arabiya. 2025;13(76).

Horizons. Pressure Mounts on UAE Over Alleged Role in Sudan War Ahead of Berlin Talks [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: horizons.dz

IFRI. Darfur: Ancient Origins and New Violence [Internet]. 2004 [cited 2026 Sep 26]. Available from: ifri.org

InfoMigrants. Sudan: Massive displacement after more than 1,000 days of war [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: infomigrants.net

Kornher L. Sudan: Massive displacement after more than 1,000 days of war. German Institute of Development and Sustainability [Internet]. 2025 [cited 2026 Sep 26]. Available from: reliefweb.int

MDPI. Climate Change as a Double-Edged Sword: Exploring the Potential of Environmental Recovery to Foster Stability in Darfur, Sudan [Internet]. 2024 [cited 2026 Sep 26]. Available from: mdpi.com

NYT/CFR. Interview: Political Solution Needs to Be Found in Darfur [Internet]. 2006 [cited 2026 Sep 26]. Available from: archive.nytimes.com

OECD. Sudan Economic Outlook [Internet]. 2013 [cited 2026 Sep 26]. Available from: web-archive.oecd.org

Resnick D, Abushama H, Kirui OK, Siddig K, Ahmed M. State Failure and Elite Capture of Sudan’s Agrifood System. CGSpace/CGIAR. 2026.

Small Wars Journal. Rebuilding Governance After Conflict: Lessons from Sudan for Fragile States [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: smallwarsjournal.com

Sudan Horizon. From Mansour Khalid to Abdullahi Ali Ibrahim: When Sudan’s Elite Created the Crisis and Then Ended up Making Theories About It [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: sudanhorizon.com

Swissaid. United Arab Emirates: More Than Ever a Hub for Conflict Gold [Internet]. 2025 [cited 2026 Sep 26]. Available from: swissaid.ch

The Independent. UN report details foreign networks fueling war in Sudan [Internet]. 2026 [cited 2026 Sep 26]. Available from: the-independent.com

Ultra Sudan. السودان.. نخبة تدمن الفشل وتنتقده [Internet]. 2022 [cited 2026 Sep 26]. Available from: ultrasudan.ultrasawt.com

UNEP. EU-UNEP Climate Change and Security Project: Building Resilience to Climate-Related Security Risks in North Darfur, Sudan [Internet]. 2022 [cited 2026 Sep 26]. Available from: wedocs.unep.org

UNESCWA. ينبغي أن يُعد الانفصال السلمي لجنوب السودان في 9 تموز/يوليو 2011 إنجازاً سياسياً فريداً [Internet]. 2011 [cited 2026 Sep 26]. Available from: archive.unescwa.org

USC Spatial Sciences. Ethiopian foothills and never completely dominated Darfur [Internet]. 2010 [cited 2026 Sep 26]. Available from: spatial.usc.edu

Goodreads. مراجعة كتاب «دارفور: منقذون وناجون» [Internet]. 2009 [cited 2026 Sep 26]. Available from: goodreads.com

Cambridge Core. The Government they Deserve: The Role of the Elite in Sudan’s Political Evolution, by Mansour Khalid [Internet]. 1990 [cited 2026 Sep 26]. Available from: cambridge.org

AMES Australia. Africa’s forgotten humanitarian disaster [Internet]. 2025 [cited 2026 Sep 26]. Available from: amesnews.com.au

Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
صناديقُ بلا وطنٍ أو وطنٌ بلا صناديق؟
منشورات غير مصنفة
الغزل والقهر والحريات عبر بوابات السقوط !! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله
الأخبار
قبول جنوب السودان العضو 193 في الامم المتحدة
اكتب لي حتى افهمك .. بقلم: عثمان يوسف خليل
منبر الرأي
الكتابة عمل ينجز، لا حكاية تؤجل..

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مبادرات شبابية تعيد تعريف السياسة .. والتغيير يبدأ من هنا .. بقلم: خالد التجاني النور

خالد التيجاني النور
منبر الرأي

هل حقاً نحن كسالى أم “مطاميس”؟ .. بقلم: إبراهيم سليمان

إبراهيم سليمان
منبر الرأي

نحن الترابلة .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
منبر الرأي

تحديات التربية في فضاءات الحرية المحمية .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss