النخبة ودوائر الامتیاز: كیف یُعاد إنتاج السلطة في السودان؟

د. أیمن بشرى*
١ مایو ٢٠٢٦

aymen.b.ahmed@gmail.com

ملخص:
یمیز المقال بین الامتیاز (شروط البدایة) والنخبة (أصحاب القدرة الفعلیة على القرار). المفھومان لا یتطابقان تلقائیاً، لكن السؤال الحاسم ھو آلیات التحول من الامتیاز إلى النخبة. یطرح المقال فكرة “دوائرالامتیاز” المتداخلة (مكانیة، تعلیمیة، شبكیة) التي تمنح قدرة تراكمیة على الوصول إلى النخبة. انخفاض الحركیة الاجتماعیة یحول المجتمعات إلى أنظمة مغلقة.
الامتیاز ینتج إحساساً بالاستحقاق، وحرمانھ ینتج تھمیشاً یتحول إلى صراع وجودي. الحل: إصلاح قواعد إنتاج النخبة، لا تغییر الوجوه فقط.

  1. مقدمة: حین تُضلِّ لنا الكلمات
    تختلط مفاھیم كثیرة في النقاش السیاسي والثقافي السوداني، ویقود ھذا الخلط إلى أخطاء في التشخیص قبل أن ینعكس على الحلول. وقد ظھر ذلك في الجدل حول تعریف “الثورة” بعد ٢٠١٩، وتعریف ”الحرب الأھلیة” بعد اندلاعھا في أبریل
    ٢٠٢٣، حیث طغت التعاریف العاطفیة على التحلیل البنیوي.
    لكن من أكثر المفاھیم التباسًا رغم تغیر الأوضاع ھما مفھومي “الامتیاز” و “النخبة”. والخلط بینھما لیس لغویًا فقط، ولكنھ خلطٌ یضلل فھمنا لطبیعة السلطة نفسھا، كیف تُنتج، ولماذا تستقر أو تنھار، ولماذا تتكرر الأزمات رغم تغیّر الشعارات.
  2. ما الامتیاز؟ وما النخبة؟
    الامتیاز ھو مجموعة من الظروف والموارد غیر المتكافئة التي لا یختارھا الفرد ابتداءً، وتمنحھ أفضلیة في الوصول إلى الفرص أو المنافسة علیھا، كالمكان الذي نشأ فیھ، نوع التعلیم، اللغة، الشبكات الاجتماعیة، وسھولة الوصول إلى المؤسسات والترقي فیھا.
    النخبة ھي مجموعة محدودة تشغل مواقع أو تمتلك شبكات تمنحھا قدرة غیر متكافئة ومستقرة على التأثیر في القرارات والموارد في المجتمع، سواء عبر الدولة أو الاقتصاد أو الجیش أو المؤسسات الدینیة أو الإعلامیة أو غیرھا. والانتماء إلى النخبة لا یرتبط بذات الشخص أو أصلھ الاجتماعي بقدر ما یرتبط بالموقع الذي یشغلھ أو الشبكات التي یسیطر علیھا داخل بنیة القوة والتأثیر.
    الخلط الشائع یعامل الاثنین كأنھما شيء واحد. والحقیقة أن ھناك أصحاب امتیاز لم یصیروا نخبة، وھناك من صعدوا من خارج دوائر الامتیاز إلى مواقع التأثیر. لكن السؤال الحاسم لیس وجود ھذه الحالات، بل نسبتھا وآلیات حدوثھا: ھل الصعود إلى النخبة مسار مفتوح نسبیاً، أم أنھ محكوم ببنیة تعید إنتاج نفسھا؟
  3. دوائر الإمتیاز:
    الامتیاز لا یعمل كحالة ثنائیة، تملكھ أو لا تملكھ، بل كدوائر متراكبة. بعض أفراد المجتمع یقع داخل دائرة واحدة، وبعضھم في تقاطع عدة دوائر في آنٍ واحد. وكلما زاد عدد دوائر الإمتیاز التي یجد المرء نفسھ فیھا، كلما تحوّل الامتیاز من مجرد میزة نسبیة إلى قوة تراكمیة تقرب أكثر من النخبة ویكون لھا قدرة أكبر على إعادة إنتاج نفسھا. من أمثلة دوائر الإمتیاز:
    ● مكاني: العاصمة/المدن (خدمات، مدارس، احتكاك مؤسسي).
    ● تعلیمي: جودة التعلیم، اللغة، الشھادات.
    ● شبكي: العلاقات والقدرة على “فتح الأبواب.”
    ● مؤسسي: القرب من جھات القرار أو البرامج النوعیة.
    ● قبلي/جھوي: الإنتماء لقبیلة أو جھة محددة یتیح فرصاً لا تتوفر لغیر المنتمین لتلك الجھة.  

رسم توضیحي:
یشرح ھذا الرسم التوضیحي أن دوائر الامتیاز متعددة ومتراكبة. بعض أفراد المجتمع یجدون أنفسھم في إحدى ھذه الدوائر فقط، وآخرون یجدون أنفسھم في أكثر من دائرة امتیاز. ومن یقع في مركز تقاطعھا تكون فرصھ في الوصول إلى النخبة أعلى. الألوان المختلفة تمیز بین عدد الدوائر التي تتقاطع. في الأسفل یظھر الرسم كیف تؤدي دوائر الامتیاز إلى النخبة. مثال:
“طفل نشأ في حي راقٍ بالخرطوم، التحق بمدرسة الخرطوم العالمیة، ثم درس الطب في جامعة الخرطوم. ھذا الطفل لم یختر شیئاً من ھذا. لكن ھذه الدوائر الثلاث (مكانیة، تعلیمیة، شبكیة) تجعل طریقھ إلى بعثة دراسیة أو منصب رفیع أقصر بكثیر من طفل نشأ في قریة نائبة في أقاصي البلاد، مھما كانت جدارتھ. ولا ینتج ذلك بالضرورة عن ظلم مقصود من أفراد بعینھم، بل كثیرًا ما یكون نتیجة تراكمات بنیویة تعمل بصورة تلقائیة ما لم تتدخل المؤسسات لتصحیحھا.
ھذا المثال لیس حالة استثنائیة، ولكنھ یعكس نمطاً یتكرر بدرجات متفاوتة في المجتمع.
بالتالي، الصعود لیس خطًا مستقیمًا، بل عبور متتالٍ بین دوائر. ومن یصلون إلى قمة النخبة غالبًا ھم من امتلكوا “حزمة” متكاملة من ھذه الدوائر.
دوائر الامتیاز تعمل كآلیة سببیة متكاملة تُعید إنتاج النخبة عبر الزمن. ورغم أن الامتیاز لا یعطي موقعاً مباشراً، إلا أنھ یزید من التعرض لفرص نوعیة، كتعلیم أفضل، احتكاك مؤسسي، شبكات أوسع، وھو ما یؤدي إلى تراكم مھارات وقدرات قابلة للملاحظة، مثل الثقة، واللغة، والقدرة على تقدیم الذات.
وعند لحظة التقییم، كما في مقابلات العمل، أو الترشیحات، أو الاختیار للمناصب، قد لا تُقاس الكفاءة دائمًا بصورة مباشرة، ولكن عبر ھذه الإشارات الظاھرة. وھنا یحدث الخلط: إذ قد تُف َّ سر آثار الامتیاز بوصفھا كفاءة فردیة. وبھذا، لا یُختار الأفضل بالضرورة، بل یُختار من یبدو أفضل وفق أدوات قیاس غیر دقیقة قد تعجز عن التمییز بین الكفاءة وآثار الإمتیاز.
ومع دخول ھؤلاء إلى مواقع التأثیر، تبدأ حلقة إعادة الإنتاج: إذ یمیلون، بوعي أو بدونھ، إلى إعادة إنتاج المسارات نفسھا، عبر الشبكات، والتوصیات، ومعاییر الاختیار، مما یجعل الوصول إلى النخبة أقل انفتاحًا بمرور الزمن.
رغم ذلك، لا یعني ھذا أن الامتیاز وحده یفسر إنتاج السلطة أو الصراعات السیاسیة، لكنھ یمثل أحد أھم الآلیات التي تحدد من یملك فرص الوصول إلى مواقع التأثیر.
٤. الحركیة الاجتماعیة (social mobility)
تُع َّ رف الحركیة الاجتماعیة بأنھا قدرة الأفراد من طبقات اجتماعیة مختلفة على التنقل بین الطبقات، صعوداً وھبوطاً، سواء في مسار حیاتھم الشخصیة (في شخوصھم) أو عبر الأجیال (بین آبائھم وأبنائھم).
المجتمعات التي تنھار فیھا ھذه الخاصیة تمتاز بـالھشاشة لأنھا تتحول إلى أنظمة طبقیة مغلقة. عندھا تختفي آلیات التجدید والمراجعة الذاتیة فتفقد قدرتھا على قراءة التحولات فتنھار.
أما المجتمعات التي تمتاز بحركیة اجتماعیة عالیة فتمتاز بـالحیویة بسبب المنافسة الحقیقیة على مواقع القیادة. ھذا یسمح باستمرار النخبة في الاحتفاظ بجودتھا أو زیادتھا، لأن الداخلین الجدد یجلبون معھم خلفیات وخبرات وتصورات مختلفة تكسر الرتابة.
مجتمعنا السوداني شھد حركیة اجتماعیة حقیقیة في ستینیات وسبعینیات القرن الماضي: أبناء القرى والأریاف وصلوا إلى أعلى المناصب الأكادیمیة والسیاسیة. لكن ھذه الحركیة تراجعت بشكل ملحوظ في العقود الأخیرة. الیوم، اسأل نفسك: كم وزیراً أو مدیراً عاماً نشأ في مخیم للنازحین؟ أو تعلمّ في مدرسة ریفیة بلا كھرباء؟ الاستثناءات موجودة، لكنھا تؤكد القاعدة:
الطریق أصبح أضیق.
٥. من الامتیاز إلى السلوك: الإحساس بالاستحقاق
الامتیاز لا یمنح فرصًا فقط، ولكنھ یُنتج مع الزمن إحساسًا بالاستحقاق. فما ھو بنیوي في تفسیره كظروف النشأة والفرص المتاحة، یُعاد تفسیره ككفاءة فردیة. عندھا ترتفع توقعات الفرد بدوره في القیادة ویُف َّ سر الاستبعاد كإقصاء، حتى لو كان جزءًا من توسیع المشاركة.
وفي الاتجاه الآخر، عندما تبدأ فئات من المحرومین من الإمتیاز بالصعود، یتشكل لدیھا أیضًا إحساس متزاید بالاستحقاق قائم على توقع المشاركة الفعلیة. عندما لا یتحقق ذلك التوقع، یتحول إلى شعور بالتھمیش. ھذا ربما یكون المدخل النفسي لصراع المركز والھامش. فعندما تُحرم مجموعات اجتماعیة أو جھویة بصورة مزمنة من دوائر الامتیاز، وتضعف أمامھا فرص الحركیة الاجتماعیة، یتولد تدریجیاً شعور جمعي بالتھمیش والإقصاء. وعندھا یتحول الصراع إلى صراع حول الاعتراف والكرامة والمستقبل. وھو شعور یرتبط غالباً بحرمان مادي ومؤسسي حقیقي، لا بمجرد الإدراك الذاتي وحده.
من إشكالات الإمتیاز أنھ یؤثر حتى على التنافس العادل. ففي مقابلات الاختیار للوظائف مثلاً، قد یتحول شعور الإستحقاق إلى سلوك، مثل ثقة أعلى وقدرة على إعطاء انطباع جید. ومع أدوات تقییم غیر دقیقة، قد تُف َّ سر ھذه الإشارات ككفاءة. عندھا قد یتقدم من یجید العرض على من یملك الجدارة الفعلیة. یعطي ھذا انطباعاً بعدالة النظام بینما ما یقف خلفھ فعلیاً ھو أدوات قیاس قاصرة.
خذ مثالاً واقعیاً:
“لنأخذ مقابلة عمل في ھیئة حكومیة كبرى بالخرطوم. مرشحان: الأول من أسرة میسورة، تعلمّ في مدارس خاصة، یتحدث بثقة، ویعرف أعضاء اللجنة من نوادٍ ونشاطات سابقة. الثاني من منطقة طرفیة، خریج جامعة إقلیمیة، متردد في الحدیث، ولا یعرف أحداً. لو كان معیار الاختیار ‘الانطباع العام،’ فسینجح الأول حتماً. لكن لو كان ھناك اختبار عملي محاید، قد یختلف المشھد. المشكلة لیست في نوایا اللجنة، بل في أداة التقییم نفسھا.”
٦. الإمتیاز وصراع السلطة: إغلاق مسارات الوصول
الناس لا یحتاجون إلى نظریة سیاسیة لیدركوا أن السلطة ھي أعلى درجات الامتیاز. تكفیھم التجربة الیومیة: من یملك السلطة یملك الموارد، والأمن، والقدرة على تشكیل المستقبل. وفي مقال سابق بعنوان “السلطة: لماذا یسھرُ الخلقُ جرّاھا ویختصموا”، استعرضنا كیف أن ھذا الإدراك لیس مجرد حسابٍ عقلاني، بل ھو مرتبط بغریزة ضاربة في عمق الدماغ البشري، تتغذى على محفزات بیولوجیة ونفسیة واجتماعیة متراكمة عبر مئات الآلاف من السنین.
الفارق بین المجتمعات لیس في وجود ھذا الصراع أو غیابھ، بل في القنوات التي یجري عبرھا. حین تكون مسارات الوصول إلى السلطة مفتوحة نسبیاً ومؤسسیة، تتحول طاقة الصراع إلى منافسة منتجة. وحین تُغلق ھذه المسارات، أو تبدو مزیفة، یتحول الصراع إلى توترات تنفجر دوریاً في شكل انقلابات أو حروب. ذلك لأن السلطة لم تعد أداة لإدارة الدولة، ولكنھا صارت وسیلة للوصول للأمن والحمایة المجتمعیة. وعندھا لا یعود فقدان السلطة مجرد خسارة سیاسیة مؤقتة، ولكن یُنظر إلیھ كتھدید للأمن والمكانة والمستقبل الجماعي.
وھنا یظھر الرابط العمیق بین الامتیاز والسلطة: حین یُحرم أنُاس من السلطة، لیس بسبب قصور فردي ولكن بسبب موقعھم خارج دوائر الامتیاز، یتحول الأمر من مجرد مطالبة سیاسیة فحسب إلى ما یشبھ “استرداد كرامة” مھمشة. وفي المقابل، تدفع ھشاشة الدولة النخب نفسھا إلى إغلاق النظام خوفاً من فقدان الحمایة. وھذا البُعد النفسي الاجتماعي ھو ما یفسر حدة الصراعات حول السلطة وصعوبة تسویتھا بأدوات سیاسیة وحیدة.
ومن ھنا، فإن استقرار الدول لا یعتمد فقط على الدعوات الأخلاقیة للوحدة أو الوطنیة، وإنما على بناء مؤسسات تضمن ألا یتحول الوصول إلى السلطة إلى الطریق الوحید للوصول إلى الامتیاز أو الحمایة. فعندما تفشل الدولة في توفیر مسارات عادلة وآمنة للمشاركة، تتآكل الثقة بین المجموعات الاجتماعیة، وتصبح التسویات السیاسیة نفسھا ھشة وقابلة للانھیار.
٧. الخاتمة:
المشكلة لیست في وجود الامتیاز، ولا في وجود النخب، بل في كیفیة تحوّل الأول إلى الثانیة داخل آلیات انتقاء مغلقة. الامتیاز یحدد من یبدأ. النخبة تحدد من یقرر. والتصمیم المؤسسي یحدد ھل یبقى الباب مفتوحًا أم یُغلق. حین تُغلق مسارات الحركیة الاجتماعیة، یتحول التفاوت من مجرد فروقات في الفرص إلى شعور جماعي بالإقصاء، وتتحول السیاسة من تنافس حول البرامج إلى صراع حول الوجود نفسھ.
ولا تمثل دوائر الامتیاز وحدھا تفسیراً كاملاً للأزمة السودانیة، لكنھا تمثل إحدى الآلیات المركزیة التي تتفاعل مع بنیة الدولة والاقتصاد والسیاسة في إنتاج عدم الاستقرار.
من دون فھم ھذه العلاقة، سنظل نفسر السیاسة كقصص أخلاقیة، بینما ھي في الواقع نتیجة بنى تحدد من یملك القدرة على الفعل ومن یُستبعد منھا. ولھذا، فإن إصلاح الدولة لا یجب أن یستھدف تغییرالحكومات أو الوجوه فقط، ولكن علیھ أن یستھدف تصمیم القواعد والمؤسسات التي تحدد من یصل إلى مواقع النفوذ، وكیف یصل إلیھا، وكیف تُ َّ وزع فرص الوصول نفسھا.
——————————————
*د. أیمن بشرى طبیب استشاري في الباطنیة وأمراض الدم، حاصل على درجة الدكتوراه في الطب (PhD)، ولھ عدد من الأوراق العلمیة المحكّمة. عمل رئیساً لقسم أمراض الدم في مستشفى جامعي في النرویج. مھتم بعلم النفس، الفلسفة والتاریخ.
یكتب في قضایا السیاسة ونظم الحكم من منظور تحلیلي یستند إلى خبرتھ الطبیة والبحثیة والإداریة.

aymen.b.ahmed@gmail.com

عن د. أيمن بشرى

د. أيمن بشرى

شاهد أيضاً

الثنائيات القاتلة: مدخل إلى إعادة بناء الدولة السودانية

الثنائيات القاتلة: مدخل إلى إعادة بناء الدولة السودانية(إشكالية الهويات، السلطة، والمؤسسات في استقرار السودان السياسي)د. …