د. صبري محمد خليل/
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
اولا : تمهيد:
تهدف هذه الدراسة إلى بيان ضرورة إعادة الإعتبار، للهوية الأشعرية –المالكية للتدين الشعبي السوداني، وذلك على عدة مستويات:
أولاً:المستوى الدستوري:
الحفاظ – على المستوى الدستورى – على هوية التدين الشعبي السوداني، بإعتباره:
- سنيّاً.
- أشعرياً عقدياً.
- مالكياً فقهياً.
- مع أثر صوفي عملي.
مع التنبيه إلى أن كثيراً من الدول العلمانية تنص في دساتيرها على دين أو مذهب معين، لكن باعتباره هوية حضارية رمزية ، وليس تشريعاً ملزماً.بخلاف المجتمعات الإسلامية – ومنها المجتمع السودانى – حيث يشكل الإسلام هيكله الحضارى ، وتشكل هذه المذاهب الإسلامية جزء فاعل من بنيته الحضارية.
ثانياً: المستوى الأكاديمي:
- إعادة صياغة المناهج التعليمية بما يتسق مع هذه الهوية.
- إدخال مقررات عن:
١. المذهب الأشعري
٢. المذهب المالكي
٣. التصوف السوداني - إنشاء مراكز علمية متخصصة فى دراسة هذه المذاهب الإسلامية.
ثالثاً: المستوى الخطابي:
- تأهيل الأئمة والدعاة وفق هذه الهوية الدينية ، التى تعبر عن جوهر التدين الشعبى السودانى.
- ضبط الخطاب الدعوى بما يحقق الوحده الإسلامية، ويقلل الخلافات المذهبية.
رابعاً: المستوى الثقافي:
- تشجيع دراسة هذه المذاهب في المنابر الثقافية المختلفة.
- إنشاء وتفعيل منابر ثقافية إلكترونية تعنى بهذه المذاهب الاسلاميه .
أهمية إعادة الإعتبار :
إعادة الاعتبار لهذه الهوية للتدين السعبى السودانى تحقق الاهداف الابجابية التاليه:
١. الإتساق بين هوية المجتمع التدينية وبنيته الحضارية.
٢. مواجهة المذاهب البدعية المخالفة.
٣. كما تحدّ من ظواهر سالبة” فتن” مثل:
- التفرق في الدين” الشيع بالمصطلح القرآنى( الذين فرقو دينهم وكانوا شيعا).
- الأئمة المضلين، وهم كل متبوع بلا دليل، والتى قال عنها الرسول( صلى الله عليه وسلم) أنها (الأخوف على الامة من فتنة الدجال).
- فتنه الهرج “القتل”.
- بيع الدين بالدنيا والاتجار بالدين.
- الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة، كدماء المسلمين، وغير المسلمين” الذميبن والمعاهدين والمستامنين وغير المحاربين…”. كما فى مذاهب الغلو”التطرف التدينى” .
- تحويل الدين من غاية، إلى وسيلة إلى غاية غيره “كالسلطه “، كما فى مذهب التفسير السياسى للدين، الذى يختزل الدين فى بعده السياسى.
- الكهنوت والثيوقراطية التى تتعارض مع الإسلام.
…………
المتن التفصيلى للدراسه:
تعريف التدين الشعبي:
يجب التمييز بين:
اولا : الدين: أصول ثابتة مصدرها النصوص القطعية
ثانيا : التدين: فهم والتزام بشري بهذه الأصول
ثالثا : أما التدين الشعبي فهو:معرفة والتزام شعب معين بالدين.
التدين الشعبي السوداني:
اتساقا مع ما سبق فان التدين الشعبى السودانى هو:معرفة والتزام الشعب السوداني بالدين الإسلامي.
بنية التدين الشعبي السودان:
1.علاقة الانتماء الإسلامية:
للشخصية السودانية علاقات انتماء متعددة، أهمها:
علاقة الانتماء الإسلامية، وهذه العلاقة:تكاملية لا تناقضية مع باقي علاقات الإنتماء ” الوطنية، القومية، القارية …”
والإسلام:دين وحضارة
لذا:يشمل المسلمين وغير المسلمين من حيث البعد الحضاري.
2.علاقة الإسلام بالوجود الحضارى السابق عليه:
الإسلام لم يُلغِ الوجود الحضاري ” القبلى والشعوبى السابق على دخول الاسلام السودان، ولكن حدده، بالابقاء ملا يتناقض مع ثوابته وإلغاء ما تناقض معها. بدليل اعتبار العرف مصدراً من مصادر التشريع. فالتدين الشعبي السوداني هو:محصلة تفاعل الإسلام مع الوجود الحضارى السوداني السابق عليه.
هوية التدين الشعبي السوداني:
أولاً: سني:
أغلب السودانيين مسلمون سنة، وفقا لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح “أهل السنة”، الذى ىجعل المصطلح يشمل جميع للمذاهب السنية الخاضعه للضبط الشرعى للمصطلح. وذلك خلافا لمذهب التضييق المذهبى للمصطلح- الذى يقصر مصطلح أهل السنة على مذهب واحد.، والذى يترتب عليه إخراج أغلب المسلمين من دائرة أهل السنة.
ثانياً: أشعري عقدياً:
التدين الشعبي السوداني أشعري في العقيدة، لأن:أغلب المسلمين في السودان ينتمون إلى هذا المذهب،وهو أيضاً المذهب الغالب في العالم الإسلامي.
أصول المذهب الأشعري:.
- تنزيه الله عن التشبيه
- إثبات الصفات الإلهية.
- القول بان الفعل الانسانى كسب بشرى وخلق الهى.
- مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق
- الحسن والقبح شرعيان
- أفعال الله لا تُعلل.
نماذج لتاثير المذهب الأشعري على التدين تلشعبى السودانى:
أثر المذهب في:
- طريقة التفكير الفقهيةوالفكرية.
- فهم النصوص عند العلماء السودانيين.
- سلوك المجتمع.
ثالثاً: مالكي فقهياً:
التدين السوداني مالكي فقهياً، لأن:المذهب المالكي هو السائد في السودان.
أصول المذهب المالكى:
- القرآن
- السنة
- الإجماع
- القياس
- المصالح المرسلة
- العرف
- سد الذرائع
خصائصه وأثره على التدين الشعبى السودانى:
من أهم خصائصه:
- مراعاة العرف
- عدم تكفير المسلم بالذنب
- تقليل الخلاف المذهبي
- رفض فرض المذهب بالقوة
مما أدى إلى: - استقرار المجتمع السودانى
- مرونة الاجتهادات الفقية للعلماء السودانيين.
رابعاً: الأثر الصوفي العملى:
للتصوف السني أثر واضح في التدين الشعبى السودانى ، والبعد العملى ” السلوكى” للشخصية الحضارية العامة السودانية.
إسهاماته:
- المساهمه فى نشر الإسلام
- ترسيخ القيم مثل:
١. التسامح الدينى
٢. الزهد.
٣. التضامن الاجتماعى. - دوره المعرفي:
١. تبسيط الدين للعامة
٢. تقديم سلوك عملي واضح. - بعض الإشكاليات:
اختلاط التصوف ببعض البدع نتيجة:ضعف الوعي والتعليم،وظروف التخلف الحضاري… - معالجه الإشكاليات:
١.لا يكون بإلغائه – المستحيل عمليا- بل تنقيته من البدع، التى اختلطت به، فى مراحل تاريخية متاخرة – شانه فى ذلك شأن العديد من المذاهب الإسلامية الأخرى- وهو ما دعى اليه العديد من أعلام التصوف على مر العصور.
٢. الموقف العلمى الصحيح من التصوف- والذى قرره أعلام المذاهب السنية المتعددة- هو ليس رفضاً مطلقاً،ولا قبولاً مطلقا،بل: موقف نقدي تقويمي ،يقبل ما وافق الكتاب والسنة، ويرفض ما خالفهما.
أثر المذهب الحنبلي “التيار السلفي الدعوى “على التدين الشعبى السودانى:
وفد مذهب الحنبلي ،فى صيغته العقدية والفقهية ، التى صاغها محمد بن عبد الوهاب ، إلى السودان من السعودية ومصر، وإتخذ أسماء متعددة” كجماعة أنصار السنة المحمدية، والتيار السلفى الدعوى…”
خصائصه:
- مذهب حديث نسبيا في السودان ، خلافا للمذهبين الأشعرى والمالكى، المتجذرين تاريخيا فى المجتمع السودانى.
- حقق انتشار نسبي، محدود فى بعض قطاعات المجتمع السودانى، وأحدث تأثير نسبى، على بعض مظاهر، التدين الشعبى السودانى.
أسباب محدودية انتشاره:
- إختلافه عن البنية التقليدية للتدين الشعبى السودانى.
- اتهامه بالتضييق المذهبي.
- مشكله الضبط الشرعى لمسائل التكفير ، والمخالف فى المذهب.
- مسألة ضبط تفسير النصوص، بتجاوز الفهم الشاطح أو الحرفى ، إلى الفهم الذى يجمع بين المعانى الظاهره، والمجازية المعتمده” المشهورة بمصطلح العلماء”.
شروط التوازن والتفعيل :
لتحقيق التوازن بين المذاهب ، وتفعيل دور ايجابى لهذا المذهب فى التدين الشعبى السودانى:
- الضبط الشرعي مفهوم التكفير، وحكم المخالف فى المذهب.
- الموقف الصحيح من التصوف، الذى يتجاوز موقفى الرفض والقبول المطلقين، الى موقف تقويمى ،معياره الإتفاق أو الإختلاف، مع الكتاب والسنه -كما اشرنا اعلاه-
- اعتماد مذهب الشمول الشرعى لمصطلح أهل السنة.
- الضبط الشرعى للمفاهيم، بما يحول دون الفهم الحرفى و الغلو.. خاتمه ” ملخص” :
التدين الشعبي السوداني يقوم على بنية : - سنية ( مذهبيا )
- أشعرية (عقديا)
- مالكية (فقهيا)
- صوفية (سلوكيا)
وهذه البنية : - متجذرة تاريخياً.
- ومتوافقة مع طبيعة المجتمع السودانى.
لذلك فإن إعادة الإعتبار لها، ضرورة للحفاظ على الإستقرار الفكري والإجتماعي للمجتمع السودانى.
ولا يعنى ذلك قفل باب الاجتهاد، بل يعنى اتخاذها نقطة البداية- وليس نقطه نهاية- لاى إجتهاد، بإعتبارها تجسد ماضى المجتمع السودانى وخبرته التاريخية.
كما لا يعنى ذلك فرض اعاده الاعتبار لهويته الاشعرية- المالكية بقرارات سياسية فوقية، بل إنشاء وتفعيل مبادرات شعبية – مؤسسية – مستقلة ” عن المستوى السياسى ” الحزبى الضيق” الرسمى والمعارض – فى نفس الان-“، تسعى بشكل سلمي ، لتحقيق ما هو ممكن من خطوات تجاه تحقيق هذا الهدف.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم