د. مهدي تاج الدين
يمر السودان اليوم بأصعب أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث. ليست مجرد ارتفاع في الأسعار، بل هي أزمة مركبة تضرب جذور السوق والمواطن في وقت واحد.
أولاً: ماذا يحدث في السوق؟
الأزمة الحالية ليست سبباً واحداً، بل هي سلسلة من الضربات المتتالية:
1- انهيار قيمة الجنيه:
مع توقف الإنتاج والتصدير، وتضاؤل عائدات الذهب والنفط، فقد الجنيه معظم قيمته مقابل الدولار، وكل تراجع في الجنيه يعني زيادة مباشرة في سعر أي سلعة مستوردة.
2- انقطاع سلاسل الإمداد:
الحرب أدت لتدمير المصانع في الخرطوم، وإغلاق الطرق الرئيسية، وارتفاع كلفة النقل .
3- ضعف الإنتاج المحلي:
المزارع لا يجد الوقود والسماد، والمصنع لا يجد الكهرباء، والتاجر لا يجد التمويل. النتيجة: عرض قليل جداً مقابل طلب كبير، وهذا هو الوقود الحقيقي للتضخم.
4- فقدان الثقة:
المواطن والتاجر يتعاملان بمنطق “اشتري اليوم قبل أن يرتفع السعر غداً”، وهذا السلوك خلق طلباً وهمياً سرّع انهيار السوق.
ثانياً: كيف نمنع الانهيار الكامل؟
الحل لا يمكن أن يكون مسكنات، بل يحتاج لتدخل على مستويين:
أ- حلول عاجلة – لوقف النزيف:
1- تثبيت سعر الصرف:
عبر توحيد سعر الصرف وإيقاف المضاربة، وإلزام شركات الذهب بتحويل نسبة من حصائل الصادر عبر القنوات الرسمية لتوفير عملة صعبة للسلع الأساسية.
2- دعم سلع محددة وليس كل شيء:
بدلاً من دعم الجنيه كله، يجب توجيه الدعم المحدود لثلاث سلع فقط: الدقيق، الوقود، والدواء، وتوزيعها عبر تعاونيات أو كروت رقمية لمنع التهريب.
3- حماية المستهلك:
تفعيل الرقابة الحقيقية على الأسواق عبر لجان مشتركة من المحليات والغرف التجارية، ونشر أسعار تأشيرية يومية للسلع الأساسية في كل ولاية.
4 – تشجيع التحويلات عبر البنوك:
تسهيل عمل التطبيقات البنكية وفتح فروع بنكية متنقلة، لأن تحويلات المغتربين هي الآن شريان الحياة الوحيد للاقتصاد.
ب – حلول متوسطة المدى – لإعادة بناء السوق:
1- من المصنع إلى المستهلك مباشرة:
فتح أسواق مصغرة للمنتجين (مزارعين ومصانع صغيرة) في الأحياء لتقليل الوسطاء الذين يرفعون السعر أضعافاً.
2- العودة للإنتاج الزراعي الطارئ:
توزيع التقاوي المحسنة والوقود المدعوم للموسم الشتوي القادم، فلا حل لأزمة الخبز إلا بزراعة قمحنا.
3- دعم المشاريع الصغيرة:
تمويل متناهي الصغر بدون فوائد للنساء والشباب لإنتاج السلع الاستهلاكية محلياً (صابون، مواد غذائية، ملابس) لتقليل الاستيراد.
4- الشفافية والثقة:
أي خطة اقتصادية لن تنجح بدون مصارحة يومية للمواطن. نشر بيانات واضحة عن حجم الإيرادات وأين تذهب.
الوضع الاقتصادي لا يعالجه الاقتصاديون وحدهم. السوق في السودان كان دائماً يقوم على التكافل. في كل حلة، التاجر الذي يربح قليلاً ويبيع كثيراً، والجيران الذين يتقاسمون الخبز، هم من منعوا الانهيار حتى الآن.
إنقاذ السوق يبدأ بقرار سياسي يوقف الحرب، ويتبعه قرار اقتصادي يحمي الفقير قبل أن يحمي التاجر، ويختمه وعي مجتمعي بأن الاحتكار وقت الأزمات ليس تجارة.. بل خيانة للوطن.
