تأمُلات
كمال الهِدَي
في مقال سابق تحت هذا العنوان، أشرت إلى اكتفائنا الدائم بالمتعة والإشادة بما نشاهده من تجارب الآخرين الناجحة، دون أن نتعلم منها الدروس.
وتناولت تظاهرة كأس العالم بوصفها حدثاً كروياً عالمياً يمر علينا كل أربع سنوات، نتابعه ونستمتع به، دون أن نتعلم، لا نحن المهتمين بالشأن الكروي، ولا القائمين على الرياضة في بلدنا، شيئاً مما يقدمه من نماذج وتجارب.
ومع استمرار هذا الحدث العالمي الكبير، تتوالى الدروس التي تستحق التوقف عندها. ومن بين هذه الدروس سأتناول، بدايةً، ما يقدمه ميسي في الثامنة والثلاثين من عمره، مقارنةً بما أظهره لاعبون يافعون في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة.
فمع أول ظهور للأسطورة الحقيقية ميسي في البطولة، تخوف كثيرون من ألا يقدم أداءًمقنعاً في هذه السن، لكنه – كعادته – سحر الجميع بأدائه السهل الممتنع، وسجل ثلاثة أهداف أمام منتخب الجزائر. وفي المباراة الثانية للأرجنتين أمام النمسا، واصل الساحر أداءه الممتع، مسجلاً هدفين آخرين، كسر بهما الرقم المسجل باسم الألماني كلوزه، بوصفه الهداف التاريخي للبطولة.
وفي الجانب الآخر، أي ما يتصل باللاعبين اليافعين، شاهدنا تألق المبدع المغربي بوعدي، لاعب نادي ليل الفرنسي. فقد أمتع صاحب الثمانية عشر عاماً الجماهير، وتعامل مع أول ظهور له في هذه البطولة الكبيرة وكأنه يتدرب مع أقرانه الصغار في حواري المغرب، هذا إن وجدت في المغرب حواري؛ فالبلد الذي ينتمي إلى عالمنا الثالث جغرافياً يمتلك بنية تحتية مدهشة.
أخلص من ذكر هذين المثالين، أحدهما للاعب اقترب من الأربعين، والآخر لم يبلغ العشرين، إلى المقارنة بتخلفنا الكروي، لاعبين وإداريين وإعلاميين وجماهير. فمن يبلغ الثلاثين عندنا لا يقوى على الركض، وإن استمر في اللعب هاجمناه وطالبناه بالترجل والاتجاه إلى التدريب أو أي عمل آخر. والمفارقة الغريبة أن من لم يتجاوز العشرين نعدّه صغيراً، ولو لعب لنادٍ كبير، فإن الإداريين لا يفسحون له المجال للتطور، بل يعيرونه إلى نادٍ أصغر. أما إذا فرض نفسه في هذا العمر وسجل الأهداف، فإننا نتباهى بما فعله، ونعاير المنافسين بأن لاعبنا “القاصر” سجل فيهم الأهداف!
أرأيتم إلى أي مدى نحن متناقضون، وما تزال ذائقتنا الكروية بحاجة إلى التحسن!
فمن هم دون العشرين في بلاد غير بلادنا يُظهرون نضجاً كروياً وسلوكياً مذهلاً، ويكسرون الأرقام القياسية؛ لأن البيئة والإدارة والإعلام يساعدونهم على التطور. ومن يتجاوزون الثلاثين يواصلون أداءهم المبهر؛ لأنهم محترفون حقيقيون يحترمون مهنتهم، ويستمرون في العمل الجاد، ولا يكتفي الواحد منهم بمجرد الوصول إلى نادٍ كبير، فتتغير مشيته، ويبدأ في السهر وارتياد مقاهي الشيشة، كما يفعل كثيرون عندنا.
ما ذكرته أعلاه أحد الفوارق الكبيرة بيننا وبين الآخرين، لكننا نتفرج عليهم دائماً دون أن نتعلم الدروس، أو نشعر بالغيرة من نجاحاتهم.
kamalalhidai@hotmail.com
