بقلم: السر جميل
تنسلخ الأيام من أعمارنا في غفلة من الزمن، ونمضي في زحمة الحياة وركضها المتواصل، ننسى أو نتناسى أن تحت هذا التراب الذي نطأه بأقدامنا أحبة كانوا بالأمس القريب بيننا، يملأون بيوتنا دفئا، ويسكبون في أرواحنا الأنس والأمان. من منا ليس له في طيات الثرى أب حنون غاب صوته، أو أم رحيمة وارى الجسد طهرها، أو عم، أو خال، أو شقيق، أو صديق، أو جار كان يتقاسم معنا الضحكة والرجاء؟ لقد أُغلق كتابهم، وانقطعت أعمالهم، وتوقفت حسناتهم، وأمسوا في ظلمات القبور مرتهنين بما قدمت أيديهم، يترقبون من أهل الدنيا نفحة رحمة أو هدية وفاء.
إن الوفاء للحاضرين سجية نبيلة، لكن الذروة والقمة في الوفاء أن تتذكر من لا يملك أن يرد لك الجميل، أن تذكره بدعوة خافية من قلب صادق لا يرجو ظهورا ولا ينتظر مقابل. أولئك الذين وسدت أجسادهم الثرى لا يملكون الآن صلاة ولا صياما ولا تسبيحا، وهم أحوج ما يكونون إلى إحساننا. فهل يتملكنا الهم الشفيق على مصيرهم؟ وهل يجول بخاطرنا خوف رحيم من أن يكون أحدهم يعاني، فنبادر لإنقاذه؟ إن القدر المحتوم والوعيد الشديد لا يرفعه ولا يغيره شيء بعد رحمة الله إلا الدعاء الصادق، فهو السهم النافذ الذي يخرق حجب الغيب ليصل إلى قبورهم ونورا ورحمة.
كيف نذهل عنهم ونحن نملك بين أيدينا كنوزا من القربات نهديها إلى أرواحهم الطاهرة؟ أليس من التوفيق أن نقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات بنية إهداء ثوابها لهم؟ حيث تعادل في أجرها قراءة القرآن كاملا، لتكون صحيفة أعمالهم عامرة بنور الكتاب الكريم. بل إن الهمة العالية تتطلب أن نرفع السقف، فنقرأ سورة الإخلاص عشر مرات، مستحضرين البشارة النبوية الجامعة التي رواها معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرا في الجنة”. فما أجمل أن تنوي بهذه القراءة أن يبني الله لأبيك أو لأمك أو لفقيدك قصرا مفيئاً في أعالي الجنان!
وليس هذا فحسب، بل إن الغراس في الجنة متاح بألسنتنا في كل لحظة، فهل نغرس لهم نخل الأشجار وبساتين الخلد بكلمات خفيفات على اللسان، ثقيلات في الميزان، حبيبات إلى الرحمن؟ إن قولنا: “سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم” بنية إهداء الثواب للموتى، يغرس لهم بذور الفردوس، ويجري عليهم أجور التسبيح وهم تحت أطباق الثرى. ناهيك عن صدقة جارية، أو شربة ماء نتصدق بها عن أرواحهم، لتكون بردا وسلاما على أجسادهم.
إن النخوة الحقيقية المتبقية في أعماقنا لا تكتمل إلا بأن نجعل للراحلين نصيبا راتبا من أوقاتنا، دعاء يوميا لا ينقطع، وصدقة متصلة، وذكرا لا يفتر. لا تدعوا القبور تلتهم ذكرهم في قلوبكم، ولا تجعلوا مشاغل الدنيا تنسيكم من كانوا يوما سبب وجودكم أو مصدر سعادتكم. استنهضوا هممكم، واجعلوا من أدعيتكم بلسما لجراحهم الغائبة، ومن صدقاتكم نورا يضيء مضاجعهم.
إن الموت ليس نهاية المطاف للمحبة، بل هو الامتحان الحقيقي لصدقها، فالولد الصالح والصديق الوفي هو من يذكر حبيبه كلما رفع كفيه إلى السماء، يرجو له العفو والمغفرة ورفعة الدرجات. فلنكن لهم السند الذي انقطع، واليد التي تمتد إليهم بالنور في ظلمات البرزخ، حتى نلقاهم في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا حزن، بل خلود في رحمة أرحم الراحمين.
من سلسلة مقالات للأسرة
