الوقود والمحروقات من قبضة تجار الحرب إلى قادتها
كيف دفعت الأزمات والاحتكار والتهريب الحكومة لاستعادة السيطرة على سوق المحروقات؟
كمبالا ، تحقيق: المركز السوداني للاعلام الديمقراطي
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، لم تعد السيطرة على المدن والقواعد العسكرية وحدها هي التي تحدد مسار الصراع، بل أصبحت الموارد الاقتصادية عاملاً حاسماً في استمراره. وبينما حظيت تجارة الذهب وطرق تهريبه باهتمام واسع في التقارير الدولية، ظل ملف الوقود والمحروقات أقل حضوراً في النقاش العام، رغم أنه يمثل شريان الحركة والنقل والإنتاج، كما أنه أحد أهم الموارد التي تعتمد عليها الأطراف المتحاربة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي بلد كان يعتمد قبل الحرب على مزيج من الإنتاج المحلي والاستيراد، جاءت الضربة الأكبر بخروج مصفاة الجيلي عن الخدمة، وهي المصفاة التي كانت تغطي نحو 70% من احتياجات السودان من الوقود، بحسب تقديرات رسمية ومتداولة في قطاع الطاقة.
ومع تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية النفطية، تحولت البلاد إلى الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، في وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة وتراجعت قدرتها على الرقابة والتنظيم.
وسط هذه الظروف، برزت شبكات التهريب والأسواق الموازية، وازدادت الشكوك حول هيمنة عدد محدود من الشركات على عمليات الاستيراد والتوزيع، قبل أن تتخذ الحكومة في يونيو 2026 قراراً غير مسبوق بالعودة إلى استيراد الوقود مباشرة بعد سنوات من سياسة التحرير، فهل كان القرار مجرد إجراء اقتصادي؟ أم أنه اعتراف ضمني بوجود اختلالات عميقة في سوق المحروقات خلال سنوات الحرب؟
معلومات وأرقام قطاع المحروقات والنفط
يقدّر احتياطي السودان من النفط الاجمالي بحوالي(6) مليون برميل بحلول عام 2025، ليحتل المرتبة (22) عالمياً، ويستحوذ على حوالي 0.28% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية البالغة 1,765,151,568,000.- يمتلك السودان احتياطيات مؤكدة تعادل (158.9) ضعفاً من مستويات استهلاكه السنوي (استناداً إلى بيانات عام 2024). وهذا يعني أنه، بدون صافي الصادرات، سيتبقى حوالي 159 سنة من الانتاج المستمر للنفط ، أستُخرج منها نحو 20% فقط ويضم (12) حوضاً رسوبياً متنوعا، بالاضافة إلى احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي في وسط السودان وشرقه.

ــ قطاع حيوي في اقتصاد يترنح
وصف البنك الدولي الاقتصاد السوداني في تقاريره الخاصة بالفترة التي أعقبت اندلاع الحرب بأنه اقتصاد يتعرض لانهيار واسع النطاق نتيجة النزاع، مع تعطل قطاعات الإنتاج والخدمات وتراجع قدرة الدولة على إدارة الموارد العامة(البنك الدولي، Sudan Economic Monitor، 2024-2025.(
ويحتل الوقود موقعاً محورياً في هذه الأزمة. فالسودان يعتمد بصورة كبيرة على استيراد المشتقات النفطية بسبب محدودية طاقات التكرير المحلية، وأصبح هذا الاعتماد أكبر بعد خروج مصفاة الجيلي عن الخدمة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن فاتورة استيراد الوقود تمثل أحد أكبر بنود الواردات السودانية، بينما تحتاج البلاد إلى مئات الملايين من الدولارات سنوياً لتأمين احتياجاتها من البنزين والديزل وغاز الطهي.
ورغم تراجع النشاط الصناعي والزراعي والنقل بسبب الحرب والنزوح الواسع للسكان، ظل الوقود عنصراً أساسياً لتشغيل ما تبقى من الاقتصاد، سواء في الزراعة أو التعدين أو المواصلات أو الكهرباء، ولذلك فإن أي اضطراب في الإمدادات ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات ويضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين، ويضيّق الخناق على الآلة العسكرية للطرفين.
ــ أزمة قديمة كشفتها الحرب
لم تبدأ مشكلات قطاع النفط والمحروقات مع اندلاع الحرب، ففي عام 2016 حذرت دراسة بعنوان “السعي نحو شفافية كاملة في قطاع صناعة النفط في السودان”، أصدرتها المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً، من ضعف الشفافية في إدارة القطاع النفطي وصعوبة الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالعقود والعائدات النفطية.
كما أثارت بعض نصوص قانون الثروة النفطية لسنة 1998 انتقادات من باحثين ومنظمات رقابية، بسبب محدودية الإفصاح عن بعض الاتفاقيات النفطية، وهو ما اعتبره خبراء عاملاً يحد من الرقابة العامة ويضعف آليات المساءلة، وعدّه سياسيون معارضون “فساداً” مالياً وإدارياً، حمّلوا مسؤوليته لرموز النظام السابق والحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني، وواجهاتها ورجال الأعمال الموالون لها.
تقارير دولية عن الشفافية ومدركات الفساد
اوضحت تقارير منظمة الشفافية الدولية لعام 2025، السودان احتل المرتبة 14 بين أكثر الدول فساداً في العالم، ويرتبط ذلك بشكل مباشر بقطاع النفط والذهب الذي يعاني من ضعف الشفافية، الفواتير غير الدقيقة، والتدفقات المالية غير المشروعة.
ويربط التقرير الفساد في السودان بضعف المؤسسات الديمقراطية، تراجع سيادة القانون، واستمرار النزاعات المسلحة، مما يجعل قطاع النفط عرضة للمحسوبية والصفقات غير المشروعة.. النفط والذهب في السودان (تحليل النزاهة العالمية – GFI) تقرير منظمة( Global – Financial Integrity 2020) ركّز على النفط اولا ومن ثم الذهب باعتبارهما يشكلان نحو 47% من قيمة الصادرات السودانية.
وتعزز هذه المخاوف نتائج مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2024، والذي وضع السودان ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، في ظل استمرار النزاع وتراجع مؤسسات الرقابة وسيادة القانون (Transparency International – Corruption Perceptions Index 2024).
ويرى خبراء أن الحرب لم تخلق هذه الاختلالات من الصفر، لكنها وفرت بيئة مثالية لتفاقمها، مع غياب الرقابة الحكومية الفاعلة وظهور مراكز نفوذ جديدة مرتبطة بظروف الحرب.
–
ــ الوقود واقتصاد الحرب
يرى باحثون أن الحرب السودانية أفرزت ما يعرف بـ”اقتصاد الحرب”، وهو نمط اقتصادي تتراجع فيه سلطة المؤسسات الرسمية لصالح شبكات النفوذ المسلحة والتجارية.
وفي دراسة حول الاقتصاد السياسي للحرب في السودان، أشار مركز الجزيرة للدراسات إلى أن السيطرة على الموارد الأساسية، بما فيها الوقود والذهب، أصبحت جزءاً من الصراع على النفوذ السياسي والعسكري، في ظل انهيار النشاط الاقتصادي التقليدي.
وفي مثل هذه البيئات لا يعود الوقود مجرد سلعة تجارية، بل يتحول إلى مورد استراتيجي يمنح القدرة على الحركة والنقل والتشغيل، كما يوفر فرصاً كبيرة لتحقيق الأرباح عبر المضاربة أو الاحتكار أو التحكم في مسارات التوزيع، ولهذا السبب، أصبحت تجارة الوقود خلال الحرب جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع، تتقاطع فيها المصالح التجارية مع الحسابات الأمنية والسياسية.
ـ تهريب عبر الحدود
أدى استمرار الحرب في السودان إلى نشوء نمط اقتصادي قائم على السيطرة المسلحة على الموارد والأسواق، حيث أصبحت شبكات النفوذ العسكري والأمني فاعلاً رئيسياً في إدارة وتوزيع السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها المحروقات. ويُعرف هذا النمط بـ”اقتصاد الحرب”، وهو اقتصاد تتراجع فيه المؤسسات الرقابية والقانونية لصالح شبكات القوة التي تستمد نفوذها من السلاح والسيطرة الميدانية.
في هذا السياق، برزت ملامح ما يمكن وصفه بالكليبتوقراطية، أي توظيف السلطة والنفوذ لتحقيق مكاسب اقتصادية خاصة على حساب المصلحة العامة. فقد أصبحت عمليات توريد الوقود ونقله وتوزيعه في بعض المناطق خاضعة لوسطاء وشبكات مرتبطة بمراكز القوة العسكرية أو الاقتصادية، الأمر الذي أدى إلى تفاوت الأسعار وظهور أسواق موازية تحقق أرباحاً استثنائية خارج الأطر الرسمية.
وفي مناطق نفوذ الجيش، تأثرت حركة المحروقات بالتحديات الأمنية وتعطل البنية التحتية وقيود النقل، ما أوجد فرصاً للمضاربة والاحتكار والاستفادة من الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق. وفي مناطق نفوذ الدعم السريع، ارتبطت تجارة الوقود في بعض الأحيان بمسارات التهريب وحركة التجارة العابرة للحدود، مما ساهم في نشوء قنوات توزيع غير رسمية يصعب إخضاعها للرقابة المؤسسية.
وكشف تقرير جديد صادر عن منظمة “ذا سينتري” الأمريكية عن شبكة طويلة الأمد لتهريب الوقود لعبت دورًا مهمًا في دعم الحرب في السودان. ويؤكد التقرير أن قوات خليفة حفتر في شرق ليبيا كانت تزود قوات الدعم السريع بالوقود، مقابل الدعم الواسع الذي يتلقاه حفتر من دولة الإمارات العربية المتحدة منذ عام 2014. ووفقًا للتقرير، فإن هذا المسار من الوقود يتم عبر طرق تهريب غير قانونية وينسقه أفراد داخل عائلة حفتر.
https://www.reddit.com/r/NoFilterNews/comments/1ox3m1y/report_reveals_fuel_transfers_from_haftar_to_the/?utm_source=chatgpt.com
شركات الوقود الصومالية في شرق افريقيا
يلعب تجار الوقود الصوماليون دوراً محورياً في تأمين إمدادات الوقود لدولة جنوب السودان والمناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث يستوردون المنتجات المكررة “الديزل والبنزين وزيوت الغيار، والشحوم” من الخليج العربي، حيث يتم تفريغ هذه الشحنات في ميناء مومباسا الكيني، ومن ثم تُنقل براً عبر دولة يوغندا إلى جوبا، ومنها إلى الأسواق السودانية عبر شبكات لوجستية معقدة.
في شهر سبتمبر- 2024 نقلت مواقع الكترونية، عن عبور شاحنات وقود إلي داخل السودان وتحديداً منطقة أبيي حيث تتكدس في المناطق الحدودية أكثر من 200 شاحنة وقود أشرف على شرائها مجموعة تجار صوماليين لصالح وسطاء سودانيين من الذين يتعاملون مع قوات الدعم السريع في مناطق سيطرتها .
وتُعد شركة الوقود الصومالية (SFC) و شركة كوستالينا (Costalina Oil Terminals) من أبرز الكيانات التي تدير مستودعات التخزين الكبيرة.
ويؤكد خبراء إنّ اتساع هذه الشبكات يعكس حجم الفراغ الذي خلّفه تراجع مؤسسات الدولة، إذ أصبحت بعض المناطق الحدودية مراكز عبور لسلع استراتيجية يصعب إخضاعها للرقابة.
الأسواق الموازية والإتاوات
لم يقتصر تأثير الحرب على طرق التهريب الخارجية، بل امتد إلى الداخل أيضاً، فمع تراجع سلطة الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، ظهرت أسواق موازية للوقود خارج القنوات الرسمية، وازدهرت عمليات البيع خارج المحطات المرخّصة، كما تحدث عاملون في قطاع النقل والتجارة عن فرض رسوم وإتاوات غير رسمية على عمليات نقل الوقود في بعض المناطق المتأثرة بالنزاع.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه الظاهرة تمثل إحدى السمات الرئيسية لاقتصاد الحرب، حيث تنتقل سلطة تنظيم الأسواق من المؤسسات الرسمية إلى الجهات المسيطرة على الأرض، سواء كانت سلطات محلية أو مجموعات مسلحة أو شبكات مصالح اقتصادية.
والنتيجة النهائية هي ارتفاع الأسعار على المستهلك، وتراجع قدرة الدولة على التحكم في السوق، واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية والأسعار الفعلية.
ــ أزمة البواخر الثمانية
لكن أخطر مظاهر الأزمة لم تكن في طرق التهريب البعيدة، بل داخل منظومة الاستيراد الرسمية نفسها، فخلال مايو ومطلع يونيو 2026، تفاقمت أزمة الوقود في عدد من الولايات السودانية بصورة غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع حاد في قيمة الجنيه السوداني وعودة الصفوف أمام محطات الوقود.
وفي قلب الأزمة برز ما عُرف إعلامياً بـ”البواخر الثمانية”، وهي ثماني ناقلات محملة بالمشتقات البترولية ظلت في منطقة الانتظار قبالة ميناء بورتسودان دون تفريغ حمولتها، في وقت كانت الأسواق تعاني نقصاً حاداً في الإمدادات.
وأثارت الأزمة تساؤلات واسعة حول أسباب التأخير، خاصة مع استمرار تكبد البلاد رسوم تأخير على السفن، بينما كان المواطنون يواجهون شح الوقود وارتفاع الأسعار.
وفي 12 يونيو 2026 كشف وكيل وزارة الطاقة والنفط المهندس علي عبد الرحمن، في تصريحات نقلتها صحيفة “سودان تربيون”، أن الوزارة وجّهت إنذارات رسمية لبعض الشركات المستوردة، بسبب عدم التزامها باتفاقاتها مع الوزارة بشأن تفريغ المنتجات البترولية، مؤكداً أن ذلك أسهم في حدوث نقص في الإمدادات وعودة الصفوف أمام المحطات.
ورغم أن الحكومة لم تتحدث رسمياً عن فساد أو احتكار، فإن هذه التصريحات مثلت أول إقرار رسمي بوجود ممارسات من بعض الشركات ساهمت في اضطراب السوق رغم وجود شحنات الوقود.
جدل حول دور الشركات الخاصة
أعادت أزمة البواخر الثمانية فتح النقاش حول دور الشركات الخاصة في استيراد الوقود، ففي تصريحات نشرها موقع “الزرقاء” الإخباري في يونيو 2026، وصف الخبير المصرفي وليد دليل سوق استيراد الوقود بأنه أحد أكبر مصادر الضغط على سوق النقد الأجنبي، معتبراً أن بعض الشركات أصبحت جزءاً من دائرة المضاربة على العملات الأجنبية بسبب احتياجاتها المستمرة للدولار.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل المهدي، في منشور على حسابه بمنصة “إكس”، أن أزمة الوقود كشفت نفوذ مجموعات محدودة داخل قطاع الاستيراد، داعياً إلى إعادة تنظيم السوق والحد من الاحتكار الذي قال إنه أضر بالاقتصاد والمستهلكين.
ولا تمثل هذه التصريحات دليلاً قانونياً على وجود فساد، لكنها تعكس حجم الجدل الذي أثارته الأزمة، خاصة مع تركز عمليات الاستيراد في أيدي عدد محدود من الفاعلين خلال سنوات الحرب.
ــ اعتراف ضمني بفشل النموذج؟
لا يمثل قرار الحكومة العودة إلى استيراد الوقود دليلاً قانونياً على وجود فساد داخل السوق، لكنه يمثل اعترافاً سياسياً واقتصادياً بأن النموذج الذي أُدير به القطاع خلال سنوات الحرب لم يحقق أهدافه المعلنة.
فعندما تضطر الدولة إلى استعادة دورها المباشر في استيراد سلعة كانت قد حررتها بالكامل، بعد أزمات متكررة في الإمدادات وتراجع غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية، فإن ذلك يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المصالح التي تشكلت حول تجارة الوقود خلال سنوات الحرب.
كما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الدولة على مراقبة هذا القطاع الحيوي خلال فترة التحرير، وحول ما إذا كانت الأسواق قد خضعت بالفعل للمنافسة الحرة أم لهيمنة مجموعات محدودة امتلكت القدرة على التأثير في الإمدادات والأسعار.
ــ عودة الدولة إلى الاستيراد
في 12 يونيو 2026 اتخذ مجلس الوزراء السوداني برئاسة كامل إدريس قراراً وصفه مراقبون بأنه تحول جذري في سياسة الوقود، عبر دخول الحكومة مباشرة في استيراد المشتقات البترولية.
ونقلت صحيفة “سودان تربيون” عن وزير الإعلام خالد الإعيسر قوله إن القرار يعكس جدية الحكومة في معالجة الملف الاقتصادي، بينما اعتبر المحلل الاقتصادي محمد الناير أن الخطوة “استراتيجية” وكان ينبغي اتخاذها منذ بداية الحرب.
وقال الناير إن استيراد الوقود يمثل أكبر بند استيرادي في البلاد، وإن المضاربات المرتبطة بسوق الوقود ساهمت في الضغط على سعر الصرف وارتفاع الأسعار.
ويرى مراقبون أن عودة الدولة إلى الاستيراد تمثل اعترافاً ضمنياً بفشل نموذج التحرير الكامل لسوق الوقود في ظروف الحرب، أو على الأقل بوجود اختلالات كبيرة دفعت الحكومة إلى التدخل المباشر لاستعادة السيطرة على السوق.
ــ المواطن يدفع الثمن
في نهاية المطاف، بقي المواطن السوداني الطرف الأكثر تضرراً من هذه الأزمة، فقد وثقت تقارير صحفية نشرتها “اندبندنت عربية” خلال عامي 2024 و2025 عودة صفوف الوقود بصورة متكررة، وارتفاع أسعار البنزين والديزل وانعكاس ذلك على النقل والإنتاج الزراعي والغذائي.
كما حذر البنك الدولي من أن اضطرابات قطاع الطاقة والوقود تؤثر بصورة مباشرة على حركة المساعدات الإنسانية والأنشطة الاقتصادية الأساسية، وتفاقم الأزمة المعيشية التي يواجهها ملايين السودانيين.
ــ أزمة الوقود تتفاقم في الخرطوم والولايات
تتواصل أزمة المحروقات في العاصمة الخرطوم رغم تحديد السلطات أسعاراً موحدة للوقود، وسط شكاوى من نقص الإمدادات واتساع نشاط السوق السوداء، الأمر الذي انعكس على قطاعات النقل والزراعة والسلع الأساسية.
وقال مسؤول باحدى محطات الوقود بسوق اللفة في الكلاكلات، ح. ع، إن وزارة الطاقة حددت سعر جالون البنزين عند 28 ألف جنيه، بينما بلغ سعر جركانة الجازولين 66 ألف جنيه في جميع محطات الوقود بولاية الخرطوم. وأوضح أن الأزمة لا تزال قائمة بسبب عدم كفاية الكميات المطروحة مقارنة باحتياجات قطاعات النقل العام والخاص والمخابز والمولدات الكهربائية، في ظل استمرار انقطاعات الكهرباء وضعف التوليد المائي.
في المقابل، أفاد عامل بمحطة وقود في منطقة صالحة بأم درمان بأن سعر برميل الجازولين وصل إلى 800 ألف جنيه، فيما بلغ سعر جالون الجازولين (5 لترات) نحو 16.5 ألف جنيه، بينما ارتفع سعر جالون البنزين إلى 40 ألف جنيه.
وأرجع متعاملون في القطاع جزءاً من الأزمة إلى تهريب الوقود من العاصمة إلى مناطق التعدين، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار الجازولين وأثر سلباً على الاستعدادات للموسم الزراعي الحالي في الأراضي المروية على ضفاف النيل. وبحسب إفادات مزارعين، تواجه الطلمبات الرافعة للمياه صعوبات في الحصول على الوقود، ما دفع بعضهم إلى تقليص المساحات المستهدفة للزراعة هذا الموسم.
واتهم مدير محطة الوقود شبكات فساد بتقليص الكميات المخصصة للمحطات وتحويل جزء منها إلى السوق السوداء، حيث وصل سعر جالون البنزين إلى نحو 80 ألف جنيه. وأضاف أن الطلب على الوقود لا يزال مرتفعاً، خاصة في مناطق غرب أم درمان، رغم الزيادة الكبيرة في الأسعار.
وفي قطاع النقل، قال أحد سائقي الحافلات إن أصحاب المركبات يعوضون ارتفاع تكلفة الوقود برفع تعرفة المواصلات. وأوضح محمد، سائق حافلة صغيرة (هايس)، أن تعرفة النقل من الكلاكلة اللفة إلى السوق المركزي -الصينية بلغت 3500 جنيه، بينما وصلت إلى 6000 جنيه لموقف الشهداء بأم درمان، و8000 جنيه إلى محطة صابرين. كما بلغت تعرفة الرحلات من الصينية إلى مستشفى شرق النيل 5000 جنيه، ومن جنوب الحزام إلى اللفة 2000 جنيه، ومن اللفة إلى بحري 4000 جنيه.
وامتدت تداعيات أزمة الوقود إلى أسعار الخبز، حيث ارتفع سعر الرغيفتين إلى ألف جنيه، مقارنة بأربع قطع كانت تباع بالمبلغ نفسه قبل تفاقم الأزمة، ما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين في العاصمة.
ــ ارتفاع حاد في أسعار الوقود
كشف مسح ميداني أجراه مراقب شبكة «سكدم» بمدينة نيالا عن ارتفاع كبير في أسعار الوقود بمناطق حكومة السلام في إقليمَي دارفور وكردفان، وسط صعوبات متزايدة في الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والسلع الأساسية.
وبحسب التقرير، يتم استيراد الوقود عبر معبرَي النعام وسماحة من جنوب السودان، ومعبر أدري من تشاد، فيما توقف الاستيراد عبر المثلث الحدودي مع ليبيا بعد فرض السلطات الليبية حظراً على تصدير الوقود.
وأشار المسح إلى أن سعر لتر الوقود بلغ نحو 13 ألف جنيه، أي ما يعادل 2.4 دولار، بينما وصل سعر الجالون إلى نحو 50 ألف جنيه، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المستوردة نتيجة ارتفاع تكاليف النقل وطحن الدقيق.
وتوقع التقرير زيادة إضافية في أسعار المحاصيل الزراعية بسبب ارتفاع أسعار الجازولين، كما ارتفعت أسعار المياه في مدينة نيالا، حيث بلغ سعر برميل الماء 10 آلاف جنيه، مقارنة بـ3500 جنيه قبل تفاقم أزمة الوقود.
وعزا مراقب الشبكة الارتفاع إلى عدة عوامل، من بينها التوترات في منطقة الخليج وتأثيرها على أسواق النفط العالمية، واستهداف ناقلات الوقود في المعابر الحدودية بالطيران المسيّر، إلى جانب دخول موسم الخريف وما يسببه من صعوبات في الحركة عبر طرق جنوب السودان.
وأكد التقرير أن الأزمة لا ترتبط باحتكار شركة بعينها، وإنما تعود إلى ندرة الوقود وصعوبة النقل والمخاطر الأمنية. وأضاف أن الوقود بات يُستخدم في الضروريات القصوى فقط، بينما أصبحت الطاقة الشمسية المصدر الرئيسي للكهرباء لتلبية احتياجات الاتصالات والإضاءة وشحن الهواتف.
وفي قطاع النقل، سجلت أسعار التذاكر ارتفاعاً ملحوظاً، إذ بلغ سعر الرحلة بين نيالا والفاشر نحو 100 ألف جنيه، وهو ما أرجعه التقرير إلى الزيادة الكبيرة في أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل.
فوضى سوق الوقود بالضعين
كشف مراقب شبكة «سكدم» بولاية شرق دارفور عن حالة من الفوضى في سوق المحروقات بمدينة الضعين، في ظل غياب جهة حكومية تنظم عمليات التوزيع وتحدد الأسعار، الأمر الذي أدى إلى تقلبات حادة في أسعار الوقود وانعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل والسلع الأساسية.
وبحسب إفادات المراقب، لا تعاني المدينة من شح في الوقود بقدر ما تواجه أزمة في إدارة السوق، حيث تتحكم مجموعات محدودة من التجار في عمليات العرض والطلب، ما أدى إلى تباين الأسعار خلال اليوم الواحد. وأشار إلى أن سعر جالون البنزين والجازولين بدأ عند 40 ألف جنيه صباحاً، ثم ارتفع إلى 45 ألف جنيه منتصف النهار، قبل أن يصل إلى 52 ألف جنيه في المساء.
وأوضح أن إمدادات الوقود تصل إلى الضعين من أسواق قريبة نسبياً، أبرزها أبو مطارق والنعام، عبر شبكات من التجار، بينهم تجار من الجنسية الصومالية، إلا أن غياب الرقابة الرسمية وغياب سياسات واضحة لإدارة القطاع أسهما في تفاقم الأزمة.
وانعكست الزيادات المتواصلة في أسعار الوقود على أسعار السلع والخدمات. فخلال شهر واحد ارتفع سعر كيلو السكر من 5 آلاف جنيه إلى 7 آلاف جنيه، بينما قفز سعر جوال الدخن من 120 ألف جنيه إلى 360 ألف جنيه، بزيادة بلغت نحو 200 في المئة مقارنة بسعره السابق.
كما شهد قطاع النقل زيادات كبيرة، حيث ارتفعت تعرفة الرحلات بين أبو مطارق والضعين من 15 ألف جنيه إلى ما بين 20 و25 ألف جنيه، فيما ارتفع سعر تذكرة السفر من الضعين إلى المزروب من 120 ألف جنيه إلى 300 ألف جنيه.
ولفت، مراقب الشبكة، الإنتباه إلى أن استمرار فوضى الأسعار قد يشكل تهديداً للاستقرار المعيشي والأمني في الإقليم، مشيراً إلى تنامي ما وصفه بشبكات الفساد الاقتصادي المرتبطة بظروف الحرب.
وفي حديثه عن أسباب ارتفاع الأسعار، قال أحد تجار الوقود إن عمليات النقل تواجه رسوماً متعددة تُفرض عند البوابات ونقاط العبور على طول الطرق، موضحاً أن تلك الرسوم تُحصّل بواسطة عناصر نظامية ومجموعات محلية، وتحظى بحماية مسلحة، ما يضيف أعباءً كبيرة على تكلفة الوقود قبل وصوله إلى الأسواق المحلية.
ــ الخلاصة
تكشف الوقائع والوثائق والتقارير الدولية أن قطاع المحروقات أصبح أحد أبرز مكونات اقتصاد الحرب في السودان، فضعف الشفافية، وتعطل المؤسسات، واتساع شبكات التهريب، وظهور الأسواق الموازية، وتكرار أزمات الإمداد، كلها عوامل حولت الوقود من مورد اقتصادي حيوي إلى أداة نفوذ وتمويل في بيئة الصراع.
ولا تكفي المعطيات المتاحة للجزم بوجود فساد جنائي منظم في كل حلقات القطاع، لكنها تكشف بوضوح عن اختلالات عميقة وممارسات احتكارية محتملة دفعت الحكومة نفسها إلى التراجع عن سياسة التحرير الكامل والعودة إلى التدخل المباشر في السوق.
ففي بلد أنهكته الحرب، تبدو معركة استعادة السيطرة على الوقود جزءاً من معركة أكبر لاستعادة الدولة نفسها، ومنع تحول الموارد العامة إلى وقود يطيل أمد الصراع بدلاً من أن يدعم التنمية والاستقرار.
